الزوجان وفقدان الامتنان – د.محمد رشيد العويّد

الزوجان وفقدان الامتنان
د.محمد رشيد العويّد

أكثر مزالِق النزاع بين الزوجين ترجع إلى فُقدان الامتنان؛ فتجدهما غير راضيين، يُكثِر كل منهما التعبير عن سخطه من الآخر، وعدم رضاه عنه، واتهامه بتقصيره نحوه. يحتاج كل من الزوجين أن يجد صاحبه شاكراً له، راضياً عنه، ممتناً لما يفعله من أجله، سعيداً بعَيْشِه معه. لقد ذكر مشاركون في إحدى الدراسات أن سعادتهم زادت 25% حين صاروا يشعرون بالامتنان على مدى عشرة أسابيع. ليست السعادة وحدها ثمرة للامتنان، فهناك ثمرات أخرى مهمة ومنها سداد التفكير وجَعْله إيجابياً، ومن ثَم تجنُّب كثير من التصرفات الخاطئة الناتجة عن التفكير السلبي. ومن فوائد الامتنان أنه يجعل الزوج الآخر قادراً على تقديم مزيد من العطاء، وبذل جهد أكبر، ذلك أن الامتنان الذي أظهره صاحبه وعبَّر عنه يجعله مُتحمّساً، على العكس من الإحباط الذي يشعر به حين يُظهِر صاحبه السخط ويُبدي عدم الرضا.
ومن فوائده كذلك أنه يُبعِد المادية، ويُقلِّل من التعلُّق بها والحرص عليها، فالزوجة التي تجد زوجها غير ممتن لها، ولِما تُقدِّمه له، تفتقد الأمان وحين تفتقد الأمان تسعى إلى الحصول على مزيدٍ من المال حتى يعوّضها عن نقص الأمن حين صار زوجها شاكياً ساخِطاً.
ومن ثمرات الامتنان المهمة أنه يقي كثيراً من حالات الغضب الناتجة عن الإحباط، ذلك أن الإحساس بالسعادة والأمان والرضا … يدفع الغضب بعيداً جداً. خاصة حين يعبّر أحد الزوجين عن عدم رضاه عن أمر؛ لكنه يُتبِعه بتعبيره عن امتنانه لأشياء كثيرة قدّمها له صاحبه وكأنه يقول له: صحيح أن هذا التصرّف لايُرضيني، لكني مُمتن لكل ماألقاه منك وأجده عندك من اهتمام وحب ورعاية. وفي كل الأوقات، حتى الأوقات التي لايكون فيها توجيهُ نصحٍ أو إبداء رأي؛ فإن تعبير أحد الزوجين عن الامتنان الدائم والمتكرر للآخر؛ يُعطيه مناعة وقبولاً لأي نصح أو طلب.
إن الامتنان يبني في النَفس ما قد يهدمه كثير من التصرُّفات الخاطِئة والكلمات الجارحة، ويُداوي آلاماً وأحزاناً تُهدّد الحياة الزوجية.

Advertisements

زوجان كبيران – د. محمد رشيد العويد

زوجان كبيران
د.محمد رشيد العويد
زوجان كبيران تجاوزا الخمسين من العمر، أو الستين، أو ما فوقها، هل يمكن أن يكونا سعيدَيْن؟
وأرى أن الإجابة هي نعم، بل إني أقترح تغيير صيغة السؤال وتبديل كلمةٍ فيه وهي (يمكن) لتكون: (يجب)، ليصبح السؤال: هل يجب أن يكونا سعيدَيْن؟
والإجابة أيضًا هي: نعم، يجب أن يكون الزوجان الكبيران سعيدَيْن.
ولا أشك في أن كثيرين سيعترضون ويسألون: لماذا يجب أن يكونا سعيديْن وقد مضى بهما قطار العمر؟! إن الأزواج الشباب أجدر منهم بهذه السعادة!
والردّ على ذلك هو أن الزوجين الكبيرين صارا أنضج عقلًا، وأقل غضبًا، وأوسع صدرًا.. صارا يمتلكان قدرًا غير قليل من حكمة الشيوخ.
كذلك فإن الدنيا التي كان يمكن أن يختلفا عليها، ولعلهما سبق أن اختلفا عليها كثيرًا، بدَأتْ تُولِّي عنهما مدبرة، فما بقي لهما فيها _في الأغلب_ أقل مما مضى منها.
إضافة إلى أن الشهوات المختلفة عندهما هدَأَتْ أو سَكَنَتْ أو انطفأَت، وبعض تلك الشهوات هي التي تكون وراء نزاعات بعض الأزواج الشباب الذين يمكن أن تفتنهم نساء يغوينهم ويهدمن بيوتهم، لهذا توعَّد النبي ﷺ الشيخ الزاني وجعله أول الثلاثة الذين لايكلمهم الله ولاينظر إليهم ولايزكيهم ولهم عذاب أليم؛ قال ﷺ: (ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة، ولايُزكيهم، ولاينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذّاب، وعائلٌ مُستكبر) صحيح مسلم، واعتبر النبي ﷺ المرأة أضرّ فتنة على الرجل: (ماتركتُ بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من النساء) متفق عليه.
والزوجان الكبيران حقّقا أكثر آمالهما في الدنيا، فقد كبر الأبناء والبنات، ولعل بعضهم تزوج وأنجب، فصار الزوجان جَدَّيْن يفرحان بأحفادهما الذين صاروا مصدر بهجة وسعادة لهما، وما عاد السعي إلى المال وجَمْعِه همّهما، وما عادا يختلفان عليه كثيرًا، أو هذا ما يجب أن يكونا قد صارا إليه.
واقتراب الموت الذي هو غاية كل حي، يجعل الزوجين أزهد في الدنيا، وأكثر استعدادًا للقاء ربهما، فيجب عليهما أن ينشغلا بمقتضيات ذلك؛ من أداءٍ لفريضة الحَجّ إن لم يكونا قد أدّياها، وزيادة العمرات، والخشوع في الصلاة، يفعلان هذا وأكثر منه بعد أن بلغا سنًّا تُوجِب عليهما أن يستدركا ما فاتهما، قال النبي ﷺ: (أعذَر الله إلى امرئ أخَّر أجَلَه حتى بلغ ستين سنة) صحيح البخاري.
ومن الساعات الجميلة السعيدة التي يعيشها الزوجان الكبيران معًا أوقات استرجاع ماضيهما السعيد، وذكرياتهما معًا، سواء بالحديث عنها، أو بعرض أشرطة فيديو صوّراها لهما ولأولادهما في مراحلهم العمرية المختلفة، وكذلك بإخراج ألبومات الصور وتصفُّحها، ولاشك في أن ذلك سيُثير فيهما مشاعر إيجابية طيّبة، ويرسم على شفاههما ابتسامات السعادة والسرور.
ولاحرج على الزوجين الكبيريْن من بعض اللهو المباح، إن لم يكن يجب عليهما القيام به، ولنا في النبي ﷺ أُسوة حسنة في ذلك؛ فقد سابق زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها مرتين وكان ﷺ قد تجاوز الخمسين من عمره بسنوات؛ فَعَن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر، قالت: سابقني النبي ﷺ فسبقته، فلبثنا؛ حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبَقَني، فقال: (هذه بتلك) صحيح الجامع.
قال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل: هذا من حُسن خُلُقِه ﷺ مع أهله، وملاطفته لهم، وحسن المعاشرة، وفيه جواز المسابقة على الأقدام، وفيه إدخال السرور على زوجته بما يؤنسها، وهي سَبَقته في المرة الأولى لأنها كانت خفيفة لم تحمِل من اللحم مايُثقلها ويمنعها من قوة الجري؛ فلهذا سبَقَتْه. فصبَر لها ﷺ، فلما كان بعد مدّة، وجاءت مناسبة أخرى سابقها، وكانت في هذه المرة قد حمَلَت من اللحم، وسمُنتْ، وأرهقها اللحم يعني أثقلها، فسبقها هذه المرة، فقال ﷺ تطييبًا لخاطرها: (هذه بتلك)، يعني: هذه السبْقة مني مقابل سبقتك الأولى لي، فحصل التعادل.
هكذا ينجح الزوجان وقد تقدم بهما العمر _أو حتى بأحدهما دون الآخر_ في إسعاد نفسيهما، وإبعاد النزاعات والشجارات عنهما.
وأخيرًا فإنه يحسُن بالزوجَيْن الكبيريْن في السِنّ أن يكونا كبيرَيْن في كل شيء، في حِلمهما، في صبرهما، في تغاضيهما، في حبهما، وفي تسامحهما.

أريد أن أُقنعها برأيي! – د. محمد رشيد العويد

أريد أن أُقنعها برأيي !

د. محمد رشيد العويد

قال: أريد أن أستشيرك في زوجتي

قلت: تفضل

قال: كيف أُقنعها بصواب رأيي

قلت: وما هو رأيك الذي تريد أن تقنعها بصوابه؟

قال: ليس رأياً واحداً، إنها تخالفني في آراء كثيرة ولا توافقني إلا على قليل منها

قلت: ولمَ تعتقد أن آراءك صائبة كلها؟ ألا يمكن أن تكون زوجتك على حق في مخالفتها لك؟

قال: لا، لا، ليست دائماً على حق

قلت: إذن هي أحياناً على حق

قال: أحيان قليلة جداً

قلت: وهل آراؤك التي تخالفك فيها متعلقة بأسرتكما؟

قال: بعضها، لكن أكثرها في قضايا الحياة العامة، والسياسة، والفِكْر….

قلت: ماذا تفعل حين تخالفك زوجتك في رأيك؟

قال: أغضب طبعاً، ويزداد غضبي حين تعاندني وترفض أن تنصاع للحق الذي أقوله، فيرتفع صراخنا ونتشاجر ويهجر أحدنا الآخر

قلت: أرأيت؟ جِدالُكما يقتل ما بينكما من مودّة، ويخسر كل منكما الآخر حين تتهاجران

قال: والحل؟ كيف أُقنعها برأيي؟

قلت: الحلّ في ألا تحرص على أن تُقنعها برأيك.

قال: أتركها تغلبني لتكون هي على حق..؟!

قلت: تركك الجدال لا يعني أنك صرت مغلوباً وأنها صارت غالبة.

قال: ستفهم هي سكوتي وانسحابي بأنه إقرار مني بأني لست على حق

قلت: ألا يرضيك أنك بهذا تُرضي النبي (ﷺ)؟

قال: كيف؟ هل دعا النبي (ﷺ) إلى هذا؟

قلت: نعم، ووَعَدَ عليه ببيت في الجنة

قال: لا أذكر ذلك

قلت: أُذَكِّرك به؛ عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي (ﷺ) قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً). صحيح الجامع

قال: أحفظ الحديث، ولكن هل يشمل هذا ما يدور بيني وبين زوجتي من نقاش؟

قلت: طبعاً يشمله، فما الجدوى من محاولة إقناع زوجتك بقضية من القضايا السياسية، أو أن فلاناً من الناس على حق أو على باطل، وغير هذا وذاك مما لاصلة له بأسرتكما؟!!

قال: يصعب علي أن أتوقف عن إقناعها لأنسحب من أمامها وأنا متأكّد أنني على حق فيما أراه !

قلت: كأنك نسيت ما قال النبي (ﷺ) في آخر الحديث: (وإن كان محقّاً)؟!

قال: الله أكبر.. إي والله، هذا خير ما يجعلني أقفل الجدال: أخاطب نفسي: أنا على حق.. نعم.. ولكني أريد بيتاً في الجنة وعدني به النبي (ﷺ)

قلت: أحسنت، بارك الله فيك، هكذا تنتصر على الشيطان الذي يُزيِّن لك أن تواصل جدال زوجتك لتفحمها بصواب رأيك وخطأ رأيها

قال: وبهذا أتقي ما يحدث بيننا من نزاع، وما يعقبه من هجران يغلبنا به الشيطان

قلت: وإذا كنت تخشى أن تظهر مهزوماً مغلوباً أمام زوجتك فإنك تستطيع أن تُنهي ما يمكن أن يثور من جدال بقولك: ما علينا منهم، لايهمنا أمرهم، سواء كان فلان على حق أم على باطل، المهم قولي لي ماذا ستطبخين لنا اليوم من أكلاتك اللذيذة؟

أو تقول: هل تصدقين.. كادوا يشغلونني عن موعدي.. لقد تأخرت.. توصين على شيء أحضره لك؟

وسوى هذه وتلك من العبارات الجميلة التي تُغلق بها ما يمكن أن يثور من جدال مرير

قال: أشكرك، وإني لأرجو الله أن يوفقني في منع تكرار تلك المجادلات العقيمة التي تكاد تعصف باستقرارنا وزواجنا.

قلت: اللهم آمين

زوجك أولا – د. محمد رشيد العويد

زوجك أولاً

د. محمد رشيد العويد
الدكتورة لورا شلسنجر مؤلفة كتاب (( السعادة الزوجية عبر العناية الخاصة بزوجك )) تقول لكل زوجة : ضعي زوجك في أعلى لائحة أولوياتك وإلا انهارت حياتك الزوجية لا محالة .
وتضيف : ينبغي على الزوجة أن تكون أكثر عناية بزوجها وقلقاً عليه ، لأن هذا القلق وتلك العناية يخففان من حدة التوتر بين الزوجين ويزيدان في تواصلهما .
ولقد سبق النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوصية حين جعل أول حق على المرأة هو حق زوجها ، وقدم هذا الحق وعظّمه حتى قال عليه الصلاة والسلام (( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغيـر الله ؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، والذي نفس محمد بيـده لا تـؤدي المرأة حـق ربها حتى تؤدي حق زوجها كلّه ، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه )) الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان .
ففي هذا الحديث النبوي الشريف يوجه الرسول عليه الصلاة والسلام كل امرأة إلى أن طاعتها لزوجها قريبة من الخضوع والاستلام كما هو الحال في السجود لله تعالى وما فيه من خضوع تام واستسلام مطلق له جل شأنه .
وواضح تعظيم حق الرجل على امرأته في قوله صلى الله عليه وسلم (( والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله )) ونلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أقسم على هذا فقال (( والذي نفس محمد بيده )) وفي هذا من التأكيد ما فيه على عظم حق الرجل على زوجته حتى إنها لا تؤدي حق الله عليها إذا لم تؤد حق زوجها ! أي أن صلاتها وصيامها وغيرهما من حقوق الله عليها لا تقبل إذا لم تكن قد أدت حقوق زوجها عليها كاملة . وأقول (( كاملة )) لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث (( حتى تؤدي حق زوجها كلَّه )) فتأكيد الحق بـ (( كله )) جعلني أوجه الزوجة إلى وجوب أداء الحقوق الكاملة لزوجها عليها .
وقال الرازي في قوله تعالى (( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف )) : إن الزوج كالأمير والراعي ، والزوجة كالمأمور والرعية ، فيجب على الزوج – بسبب كونه أميراً وراعياً – أن يقوم بحقها ومصالحها ، ويجب عليها في مقابلة ذلك إظهار الانقياد والطاعة للزوج .
ويقول الرازي أيضاً في قوله تعالى (( فالصالحات قانتات )) : واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها ، لأن الله تعالى قال (( فالصالحات قانتات )) وحرف الألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق ، فهذا يقتضى أن كل امرأة تكون صالحة فهي لا بد أن تكون قانتة مطيعة . قال الواحدي رحمه الله : لفظ القنوت يفيد الطاعة ، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج .
وأساس هذا الحق ، حق الطاعة ، هو ما للزوج من حق القوامة على المرأة ، إذ لا معنى لحق القوامة بدون حق الطاعة .
يقول الله تعالى (( الرجال قوامون على النساء )) وقد جاء في تفسير هذه الآية : وأن عليها – أي الزوجة – طاعة زوجها وقبول أمره ما لم تكن معصية (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) .
أعود إلى كتاب لورا شلسنجر لأنقل ما تذكره المؤلفة من أن النساء يتزوجن وهن يفكرن مليا في ما سيقدمه أزواجهن لهن لا في ما يمكن أن يقدمنه هن لأزواجهن , ولهذا تنشأ النزاعات والخلافات حول أصغر الأمور وأتفهها ويخفق من ثم الزواج الذي كان يمكن أن يكون ناجحاً .
وتعرض المؤلفة لرسالة وصلتها من امرأة تدعى (( سيندي )) تقول فيها : لقد استمرت علاقتي الزوجية عشر سنوات ، وكنت أخفق في اعتنائي بزوجي وإشباعي رغباته ، حتى نشأت خلافات ونزاعات بيني وبينه … ولما لاحظت أمي ذلك صارت تشرح لي دور الزوجة تجاه زوجها وأهمية أن تجعله الأول في حياتها .
وفي كلمات أوضح وأصرح تضيف الدكتورة لورا قائلة : إن نساء كثيرات يذهلن لدى إدراكهن مدى الألم الذي يسببنه لأزواجهن جراء سلوكهن المشين معهم . وإن كنا فعلاً نريد أن نكون منصفات فإن الرجال يحاولون أن يكونوا صابرين متحملين الصعاب مهما كانت قاسية دون تذمر أو تأفف ، فهذه هي الرجولة الحقة .
وتقول المؤلفة لتؤكد أن على الزوجة أن تقدم زوجها على جميع من حولها ، وأن تجعل اهتمامها به قبل مختلف اهتماماتها الأخرى : الحياة مليئة بالأعمال والنشاطات والاهتمامات التي من شأنها أن تستنفد أوقاتنا وطاقاتنا ، لكن علينا أن نختار الأهم ونضعه في قمة أولوياتنا .. وهو الزوج ؛ وإن لم تختر المرأة زوجها ليحتل المرتبة الأولى في حياتها فإنه سوف يضطر أيضاً – وللأسف – إلى معاملتها بالمثل .
عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أعظم حقاً على المرأة ؟ قال : زوجها . قلت : فأي الناس أعظم حقاً على الرجل ؟ قال : أمه . ( البزار والحاكم ) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها . والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه تنبجس بالقيح والصديد ، ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه )) رواه الإمام أحمد .
هذا كله يدل على عظيم حق الزوج ، فعلى الزوجة رعاية حقوق زوجها عليها والقيام بمضمونها وما يتعلق به . قال ابن قدامة في المغني : وحق الزوج عليها أعظم من حقها عليه لقول الله تعالى (( وللرجال عليهن درجة )) .
وحتى تسعى المرأة إلى هذه الطاعة ، وتحرص عليها أشد الحرص جاءت البشارة لها بأن تدخل الجنة من أي أبوابها شاءت إذا بات زوجها راضياً عنها ؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أيما امرأة باتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة )) الترمذي . قال الشوكاني : في هذاالحديث ترغيب عظيم إلى طاعة الزوج وطلب مرضاته وأنها موجبة للجنة .
والآن ، أختي الزوجة ، كيف تحققين هذه الطاعة لزوجك ؟
– لا تتدخلي في قرارات زوجك إلا تدخلاً بنَّاءً ، واجعلي مشورتك له من باب العرض الذي يعرف هو إن كان ينفعه الأخذ به أو لا ينفعه .
– كوني منصتة جيدة لزوجك وأظهري اهتمامك بمشاعره ومخاوفه وكل ما يتضمنه حديثه .
– الهدوء من أكثر الصفات التي يحبها الزوج في زوجته حين يكون مشغولاً بأمر ما .
– لا تجادليه .. وافعلي ما يأمرك به مادام ليس فيه معصية لله تعالى .
– افهميه جيـداً .. إذا كان خجولاً أو اجتماعياً أو ذكياً أو ملولاً حتى تنجحي في كسبه وإرضائه .
وفقك الله إلى حياة زوجية سعيدة مستقرة .

كيف تخالفين زوجك – د.محمد رشيد العويّد

كيف تخالفين زوجك
د.محمد رشيد العويّد

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: (لايدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحدٌ من الذي بايعوا تحتها)، قالت: بلى يا رسول الله! فانتهرها النبي ﷺ، فقالت: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا… ﴾، فقال النبي ﷺ: (قد قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾). مريم 72. صحيح مسلم.

هذا الحوار القصير بين النبي ﷺ وزوجته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها فيه إضاءات للزوجين المتحاورين، من هذه الإضاءات:

ضرورة حِلم الرجل على زوجته حين تعارضه في بعض أقواله وتُخالفه فيها وإن كان على حق في ما قال، فتلك المخالفة تكاد تكون عامة في النساء إلا قليلا منهن.

لقد وجدنا أم المؤمنين حفصة تعترض على بشارة النبي ﷺ بعدم دخول النار لمن بايعه تحت الشجرة من الصحابة رضي الله عنهم جميعا، وإن كان النووي في شرحه صحيح مسلم لايرى في اعتراض حفصة مخالفة له ﷺ بل يرى فيه استرشادا للحق، والصواب فقال: فيه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة، لا أنها ردَّت مقالته ﷺ.

على أي حال فإن النووي رحمه الله أكد أن في كلام حفصة رضي الله عنها مناظرة واعتراضًا، لكن النية فيه هي الاسترشاد، وهذا ما أرجو من كل زوجة تريد معارضة زوجها في رأي أو أمر، أن تحرص على إبعاد نبرات التحدي والفوقيّة والاتهام من عباراتها التي تخالف بها زوجها، وأن تحرص على صياغتها بصيغة استرشادية، فهذا يجعل وقعها ألطف على سمع زوجها وعقله.

هذه المناظرة _كما سماها النووي رحمه الله_ بين النبي ﷺ وزوجه حفصة لم تكن من كلامهما، بل كانت بالقرآن الكريم، إذ قالت حفصة بعد أن انتهرها النبي ﷺ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا… ﴾، فردّ عليها النبي ﷺ بالقرآن الكريم أيضًا فذكر الآية التي تليها: (قد قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾)،

وفي هذا توجيه للأزواج، بل لغيرهم أيضًا، أن يكون مرجعهم دائمًا كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه ﷺ.

واضح أن الآية الكريمة تشير إلى أن كل إنسان سَيَرِدُ جهنم، لكن الورود غير الدخول، ومن ثَمَّ فإن الآية لاتُخالف حديثه ﷺ بأن من بايع تحت الشجرة لن يدخل النار، يقول النووي: والصحيح أن المراد بالورود في الآية: المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون.

ولقد جاء في التفسير: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا… ﴾ أي: ما مِنَ الناس أحد إلا سوف يَرِد إلى النار، والورود هو المرور على الصراط ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: اتقوا ما يوجِب النار وهو الكفر بالله ومعاصيه، فالذين يتقون الله ينجيهم الله من الوقوع في النار، فيمرُّون على الصراط بإيمانهم وأعمالهم، ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ يبقون فيها جاثين على رُكَبهم لايستطيعون الخروج.

أما قوله ﷺ: (إن شاء الله) بعد قوله: (لايدخل النار) ليس للشك، بل لردّ المشيئة في كل شيء إليه سبحانه، وعملًا بأمره سبحانه في ذلك.

قال النووي: قال العلماء معناه لايدخلها أحد منهم قطعًا كما صرّح به في الحديث الذي قبله حديث حاطب (وفيه أن حاطبًا لايدخل النار لأنه شهد بدرًا والحُديبية)، وإنما قال: إن شاء الله للتبرك، لاللشكّ.

وبعدُ فإني أوصي الزوجة، استرشادًا بالحديث، بما يلي:

– احرصي على أن تكون مخالفتك لزوجك في رأيه أو قوله في صيغة الاستفهام، كأن تقولي له: ألا يُخالف هذا ما جاء في القرآن؟ أو ما جاء في السنة؟ وتذكرين له الآية أو الحديث، وهذا أرفق وألطف من قولك له: ولكن رأيك هذا خطأ وكلامك غلط لأن الله تعالى يقول ( وتذكرين الآية ).

– ابدئي اعتراضك بالثناء على عقل زوجك وسداد رأيه عامة، أو ما في رأيه الذي أبداه من إيجابيات ثم انتقلي بلطف إلى ما تعتقدين أنه مخالف للصواب.

– يمكن أيضا أن تبدئي اعتراضك بقولك : لعلك تريد أن تقول كذا، أو: لاأدري إذا كنتُ قد فهمتُ ما تريده تمامًا من كلامك… وهكذا.

وفقك الله إلى موافقة زوجك، وقلة مخالفته، تجنُّبًا لشجارات كثيرة قد تُفضي إلى نزاعات خطيرة.