إذا تزوجت ثانية فاعدل، وإذا كنت تنوي فتمهل

إذا تزوجت ثانية فاعدل، وإذا كنت تنوي فتمهل

أيها الشيخ الفاضل الكريم، أيها الداعية الحبيب الأديب. لا أحد يملك أن يلومك على زواجك من امرأة ثانية، فهذا حق أباحه لك الشرع الحنيف. لكن الذي نعتب عليك فيه هو إهمالك الكبير لزوجتك الأولى، وهجرك لها، وابتعادك عنها. هل يمكن أن تنسى سنواتِ العشرةِ الطويلة معها؟ مهما كان الخلاف الذي بينكما، فإنه لا يوجب هذا الهجران الطويل! ألم يأمر الله سبحانه بالعدل بين الزوجات؟ ألم ينه سبحانه أن يترك الزوج زوجته كالمعلقة فقال جل شأنه:(فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) أي لا هي مطلقة ولا ذات زوج، وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء، لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما عُلَّق عليـه انحمل. وكما قالت إحدى صاحبات أم زرع:زوجي العشنَّق، إن أنطق أُطلَّق، وإن أسكت أُعلَّق. ويـقول قتـادة:كالمسجونة. بل إن (أُبيّ) قرأها (فتذروها كالمسجونة).

يا أيها الشيخ الكريم، إن كنت نسيت زوجتك وابتعدت عنها فهل تنسى أولادك منها؟ إنهم في حاجة إليك، إلى من يتابعهم ويربيهم، إلى أب يرعى شؤونهم ويتفقد أحوالهم. إنها وأولادك ليسوا أقل حاجة إليك من زوجتك الثانية وأولادها.
ألا تخشى أن تبعث يوم القيامة وشقك مائل؟ أما تذكّر الناس حين تعظهم بحديثه صلى الله عليه وسلم (من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)؟
أنا لا أطالبك بالعدل القلبي، العدل في المحبة، فهذا مما أعفاك الله منه إذ علم سبحانه أنك لن تستطيعه فقال (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) فوصف تعالى حالة البشر بأنهم لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض نسائهم دون بعض، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول:(اللهم إن هذه قسمتي في ما أملك فلا تؤاخذني في ما تملك ولا أملك).
أجل، أيها الشيخ الجليل، أنت لا تملك هذا ولا تستطيعه، لكنك تملك وتستطيع العدل في القَسْم والنفقة، كما قال مجاهد في الآية:لا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القَسْم والنفقة لأن هذا مما يستطاع.
فيا أيها الشيخ الفاضل.. ويا كل زوج مُعَدِّد.. اتقوا الله في نسائكم، واعدلوا بينهن، في النفقة وغيرها مما أوجبه الإسلام عليكم.

ويا أيها الأزواج المتزوجون من واحدة، وتنوون الزواج بأخرى، فكّروا ألف مرة قبل أن تقدموا على الزواج من ثانية، واسألوا أنفسكم مراراً:أترانا قادرين على أن نعدل لو تزوجنا الثانية؟ هل نملك من الوقت والجهد والمال ما نوفي به حقوق زوجتين اثنتين معاً؟! هل أدركت ما يجب عليك تجاه هاتين الزوجتين؟ ستتضاعف نفقاتك، وستتضاعف مسؤولياتك، وستتضاعف أعباؤك.
وإذا كان دافعك إلى الزواج من امرأة ثانية هو التخلص من عناد الأولى فتأكد من أنك ستجد الثانية عنيدة مثلها، وإذا كنت تسعى إلى الزواج من امرأة أخرى لتهرب من كثرة بكاء زوجتك الأولى فكن واثقاً من أن الثانية ستبكي أيضاً كثيراً، وإذا كان سبب زواجك الثاني هو الظفر بزوجة غير عاطفية تتعامل معك بعقل مجرد فإني أطمئنك بأن لن تظفر بذلك.
لأن النساء كلهن يبكين، النساء جميعهن فيهن قدر من العناد الذي يحتاج منا قدراً من الصبر والحيلة، النساء كلهن عاطفيات علينا مخاطبة قلوبهن قبل عقولهن.
ولقد سأل صديـق لي شيخاً جليلاً تزوج أربع نساء عن رأيه في الزواج بأكثر من امرأة فقال له:إذا كانت زوجتك ترضيك في أكثر أخلاقها وكنت مستقراً معها فأنصحك بألا تتزوج عليها. فسأله صديقي:أفهم من هذا يا شيخنا أنك نادم على زواجك من أربع نساء؟ فأجاب الشيخ الجليل:نعم.

وأكثر ما يحزنني أولئك الذين يقدمون على الزواج من ثانية وهم لا يوفون حقوق الأولى! فتجدهم لا ينفقون عليهن وعلى أولادهن ما يكفيهن، ولا يقومون بواجباتهم نحوهن ونحو أولادهم منهن، فكيف إذن يكررون خطأهم نفسه؟! هل سيظلمون الثانية كما ظلموا الأولى؟ أم أنهم سيكرمونها على حساب الزوجة الأولى؟!! إن الزواج من الأولى لا يجوز إذا لم يملك الرجل القدرة على توفية الزوجة حقوقها فكيف يقدم على الزواج من ثانية وقد تأكد عدم تأديته حقوق الأولى؟!
وأنقل هنا كلاما معبراً عن الواقع الحزين لهؤلاء قاله الشيخ عبدالله بن محمد العاصمي:ما نراه اليوم في واقع حياتنا المعاصرة، من تحطيم للقلوب، وعدم العدل، بل وحتى الكذب على أهل الزوجة بإعطائهم معلومات خاطئة يجعلنا نتساءل:هل يقبل هذا مؤمن يبحث عن حياة هادئة هانئة صادقة؟! وهل ترضى وأنت تفعل ذلك باسم الذكاء والنباهة أن يُفعل ذلك بك.. فيأتي من يستغفلك ويكذب عليك؟ ثم يقول:هناك من يدع لسانه يتهم الأولى عند التقدم للثانية، وربما عدّد في الزوجة الأولى من المعايب والنقائص ما هي بريئة منه. وحتى لو كان ما ذكره موجوداً فيها ,, فهل يجوز إفشاء عيب مسلمة؟ يُروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له:ما الذي يريبك فيها؟ فقال:العاقل لا يهتك ستر امرأته. فلما طلقها قيل له:لم طلقتها؟ فقال:ما لي ولامرأة غيري!

وتبقى كلمة لكل زوجة لا تريد زوجها أن يتزوج عليها، وأحسب أن جميع الزوجات لا يرغبن في زواج أزواجهن عليهن. أقول في هذه الكلمة:حافظي على زوجك، املأي عليها حياته حتى لا يبقى فيها مكان لامرأة أخرى، أطيعيه في ما ليس فيه معصية لله تعالى، احرصي على أن يراك دائماً في أحسن صورة، واختاري للسانك أحسن الكلام، وعبري عن رضاك عنه قدر ما تستطيعين، وأثني على ما يقدمه لك في أكثر الأحايين، واحذري أن تشتميه، وابتعدي عن استفزازه وتحدِّيه.
وبعبارة موجزة:كوني له أّمَةً يكن لك عبداً.

وأعود إلى الزوج الذي يريد أن يتزوج على زوجته لأذكّره بخمسة أمور:

1- تذكر أن كثيراً مما تشتكيه في زوجتك الأولى، ويدفعك إلى الزواج من أخرى تتمنى أن تكون مختلفة عنها، ستجده فيها.
فإذا كنت تشكو في زوجتك العناد، وكثرة البكاء، والطلبات الكثيرة، والتسخط والتذمر… فإنك ستجد، في الأغلب، هذه الصفات متكررة في زوجتك الثانية.
وبعد أن كنت تصبر على هذه الصفات في واحدة.. فإنك ستحتاج إلى صبر مضاعف لتصبر عليها في اثنتين.
وما أكثر الذين صُدِموا بهذه الحقيقة الواقعة.. وندموا على الزواج الثاني.

2- تذكر أنه لا يحل لك الزواج من امرأة ثانية إذا كنت لا تؤدي حقوق الزوجة الأولى.. فإذا كان الزوج لا ينفق على زوجته الأولى حَرُمَ عليه الزواج من ثانية، بل إنه كان يحرم عليه الزواج من الأولى أيضاً إذا عُرف هذا منه.
يقول القرطبي:(فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته، أو صداقها، أو شي من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها، وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين كيلا يغر المرأة من نفسه، وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مالٍ ولا صناعةٍ يذكرها وهو كاذب فيها).

3- تذكر أن العدل بين زوجتيك في الطعام والسكن والكسوة والمبيت واجب عليك، فإن خفتَ الجور وعدم العدل بحقوق زوجتيك معاً حرم عليك الجمع بينهما.
جاء في فقه السنة لسيد سابق:(من خاف الجـور بزواج الثانية حرمت عليه لقوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذك أدنى ألا تعولوا) النساء 3 أي أقرب أن لا تجوروا.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

4- تذكر أنك إذا كنت تريد من زواجك بثانية إغاظة الأولى والانتقام منها، فإنك إنما ستغيظ نفسك فيما بعد، فاحذر من أقوال وأمثال سائرة من مثل:إنه لا يكسر رأس المرأة إلا امرأة مثلها.
لا تتزوج نتيجة حنق من زوجتك، وضيق بها، وغضب عليها.

5- تذكر، إذا كنتَ تاجراً تأخذ التجارة جل وقتك واهتمامك، أو صاحب أي هواية أو مهنة أخرى تأخذ من وقت أهلك لها، أنك لا تملك وقتاً زائداً أو جهداً فائضاً حتى تمنحه الثانية، فأولى بك الرضا بزوجتـك الأولى والاكتفاء بها مادام اهتمامك ووقتك وجهدك منصبّة جميعها في عملك أو هوايتك.

إذا اشتكيت امتناعهاـ فأصلح ما بينك وبينها

إذا اشتكيت امتناعهاـ فأصلح ما بينك وبينها

في الحديث عن امتناع المرأة عن زوجها إذا دعاها إلى فراشه حديث قبله عن امتناع الرجل عن حبه لزوجته وعطفه عليها.
فكثير من الرجال يشتكون امتناع زوجاتهم من معاشرتهم دون أن يذكروا أنهم آذوهن في مشاعرهن أو أبدانهن قبل ساعات من هذه المعاشرة!
وما أجمل وأبلغ وأعظم حديثه صلى الله عليه وسلم في بيان هذه الحال التي يخطئ فيها الرجال حين يؤذون نساءهم في النهار ثم يطلبون معاشرتهن في الليل دون أن يداووا جراحهن ويطيبوا خواطرهن قبل ذلك. يقول صلى الله عليه وسلم (يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من آخر يومه) متفق عليه. وفي رواية البخاري نهي صريح عن فعل ذلك إذ قال صلى الله عليه وسلم (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم) يقول ابن حجر رحمه الله: وفي سياقه – أي الحديث – استبعاد وقوع الأمرين من العاقل: أن يبالغ في ضرب امرأته ثم يجامعها من بقية يومه أو ليلته، والمجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع ميل النفس والرغبة في العشرة، والمجلود غالباً ينفر ممن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك.
ويضيف ابن حجر: وقد جاء النهي عن ضرب النساء مطلقاً فقال صلى الله عليه وسلم (لا تضربوا إماء الله).
ثم يقول رحمه الله: فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل، ومهما كان الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل، لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله، وقد أخرج النسائي في الباب حديث عائشة (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة له ولا خادماً قط، ولا ضرب بيده شيئاً قط إلا في سبيل الله، أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله).

وهذه الدراسات العلمية الحديثة تؤكد أن المرأة تنفر من المعاشرة الزوجية إذا سبقها عنف بدني أو لفظي من زوجها.
الباحثة الاجتماعية (آن لاندرز) واحدة من أشهر الباحثات الاجتماعيات في أميركا، وتشرف على تحرير زاوية الأسرة في عدة صحف ومجلات أمريكية، فضلاً عن برنامجها الأسبوعي في التلفزيون.
تقول لاندرز: إن المرأة، رغم تحررها ومساواتها بالرجل في كثير من المجالات، مازالت ترى الإشباع الجنسي في علاقتها بزوجها يأتي بعد الإشباع العاطفي، وأن هذا لم يتغير عبر التاريخ، ولا يمكن أن يتغير مهما بلغ تحررها.
وفي كتابها (متطلبات المرأة) الذي نشرت فيه خلاصة أبحاثها تؤكد لاندرز أن المرأة تحتاج للتعاطف واللطف والرقة أكثر من حاجتها للإشباع الجنسي، بل إن إشباعها عاطفياً قد يغنيها عن الجنس.
وكانت الباحثة قد وجهت مائة ألف استمارة مطبوعة لمائة ألف امرأة أميركية عن كافة الشرائح والطبقات الاجتماعية تتراوح أعمارهن ما بين 18 و 50 سنة. وكان السؤال الوحيد في الاستمارة: هل تشعرين أنك في حاجة للإشباع الجنسي أكثر من حاجتك للتعاطف معك؟ أي: هل تطلبين من زوجك إشباع عاطفتك أم إشباع غريزتك الجنسية؟
تلقت لاندرز أكثر من تسعين ألف إجابة كان أكثرها يؤكد أن حاجتهن لرقة الزوج وعطفه ولطفه تفوق كثيراً حاجتهن لإشباعهن جنسياً.
ومن بين هذه الإجابات تعرض إجابة منها تقول فيها صاحبتها: إنني لا أطلب من زوجي سوى أن يضمني إلى صدره، ويعاملني برفق، ويسمعني كلمات رقيقة، فإذا فعل ذلك فإنني أستغني عن المعاشرة في تسعين بالمئة من الحالات.
ولا شك في أن الجمع بين الإشباعين هو الأفضل، وهذا ما يأمر به الإسلام ويعده حقاً لكلا الزوجين.

الرسالة التي أوجهها إلى الرجال هي: احرصوا على الرفق في تعاملكم مع زوجاتكم، ولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كان رفيقاً بالناس جميعاً، وبالنساء خاصة، حتى إنه صلى الله عليه وسلم أوصى بهن خيراً فقال (استوصوا بالنساء خيراً)، بل كان آخر كلامه صلى الله عليه وسلم وصية بالصلاة والمرأة.
وعليه فإن على الرجل الذي يضيق بامتناع زوجته من فراشه؛ أن يشبع عاطفتها أولاً، وأن يصلح ما بينه وبينها، فيواسيها في أحزانها، ويداوي جراحها، ويعتذر عن إساءته لها، فإذا فعل هذا فإنه سيجدها، بعون الله طوع بنانه، ورهن إشارته.

أدعيتها على أولادها

أدعيتها على أولادها

لم يهدأ حامد، ابن الخمسة عشر عاماً، رغم تحذير أمه المتكرر له: كفاك صخباً يا حامد، اهدأ، لا تزعج أختك الصغيرة، لكن حامداً لم يستجب، وحلا له أن يواصل لهوه وعبثه غير مبال بصراخ أمه التي انفجر غضبها عليه، بل زاد تحديه وعناده، فزاد إيذاؤه أخته الصغيرة حتى جعلها تبكي بكاء علياً يوتر أعصاب الحليم، عندها صارت الأم تدعو على ابنها أن تدعسه سيارة وينقلوه إليها محمولاً على نقالة.
خرج حامد من البيت هارباً من صراخ أمه ودعواتها عليه، ولم يكن يعلم أنه خرج إلى قدره، خرج لتستجاب فيه دعوات أمه الغاضبة عليه.
واستجاب الله دعاء الأم، فقد دعست حامداً سيارة على بعد خطوات من بيته الذي غادره، وبعد دقائق قليلة من دعوات أمه.
نقلتُ ما سبق، بعد أن سمعته من صديق ثقة سمّى لي الشاب الصغير الذي أعرفه، نقلتُ تفاصيل ما حدثني به إلى زوجتي التي تكثر من دعائها على أولادها حين تغضب منهم، عسى أن يكون رادعاً لها وصارفاً عن تلك الدعوات على الأولاد والبنات.
لم تسلّم زوجتي بتحذيري، وقالت: إن دعواتها على أولادها ليست صادرة من قلبها، ومن ثم فإن الله سبحانه لن يستجيب لها، وبرهنت على صحة ما تقول بأنه لم يستجب – ولله الحمد – أي دعاء من أدعيتها على أبنائها.
قلت لها: من فضل الله أن أدعيتك جميعها لم تصادف ساعة إجابة، فاحذري أن تكرري الدعاء عليهم حتى لا توافقي ساعة إجابة، وعندها لا ينفع ندمك، وهاكِ حديث رسول الله، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تـدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب – رواه مسلم.
وهنا أحسست إدراك زوجتي خطر ما كانت تقوم به حين كانت تدعو على أبنائنا؛ فقد لمحتُ خوفاً في عينيها لم تستطع إخفاءه، ومع الخوف إحساس بعظم النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليها حين لم يستجب دعوات كان يمكن استجابتها لو وافقت ساعة يُسأل سبحانه فيها فيستجيب.
حمدتُ الله تعالى أن وفقني إلى إقناع زوجتي أخيراً بخطورة دعائها على أبنائها، وإني لأرجو أن تكون جميع أدعيتها بعد الآن لأولادها لا عليهم.

أدعوها إلى الفراش فتتلكأ أو ترفض

أدعوها إلى الفراش فتتلكأ أو ترفض

ما عدت أحتمل امتناعَ زوجتي مني، ورفضَها الاستجابةَ لحاجتي إذا ما دعوتُها إليها، رغم تذكيري لها بالله تعالى، وبأن هذا من حقوقي عليها، بل من أهم حقوقي، ففيه أعف نفسي عن الحرام، لكنها لا تتأثر ولا تستجيب إلا قليلاً جداً.
ولعلك تسألني عما تبرر به زوجتي امتناعَها مني، وبم ترد عليَّ حين أطلبها لحاجتي ؛ إنها تقول لي: أنتم الرجال لا يأخذ عقولكم إلإ ذاك الأمر. اصرف رغبتك عن ذهنك ولا تفكر فيها فإنها تذهب عنك!
وأحياناً تقول لي: اعتبرني مسافرة، أو اعتبر نفسك مسافراً، ألم تسافر الشهر الماضي عشرين يوماً وحدك! كما استطعت الصبر دوني فإنك تستطيع الصبر الآن!
ويزيد في ضيقي من زوجتي أنها تهتم كثيراً بشكلها إذا كانت زائرة أو مزورة، ولم أجدها يوماً واحداً تتزين لي أنا.
حتى حينما توافق على تلبية حاجتي فإنها تتلكأ كثيراً في المجيء، وتتلهى بأعمال يمكن تأجيلُها بينما أنا أنتظر فأشعر كأنما هي تريد أن تذلني.
كيف أفعل وأنتم تعلمون كم هي المثيراتُ من حولنا، فإذا لم تعفَّني زوجتي فمن يعفًّني؟ وأنا رجل أرفض الحرام وأهرب منه.
أشيروا عليَّ ماذا أستطيع أن أفعل لأقنعَ زوجتي بأن عليها عدم الامتناع مني إذا دعوتها لحاجتي؟
وليتكم توجهون لها كلمة عبر صفحتكم (أيها المتزوجون كيف تسعدون) فهي تواظب على قراءتها.

أخوكم / أبو عبدالرحمن

أقول لزوجتك، ولكل زوجة تمتنع من زوجها: لا تستهيني بامتناعك من زوجك إذا دعاك لحاجته ؛ فهذا الامتناع خطير جداً للأمور التالية:

أولاً: امتناعك يجلب عليك غضب الله تعالى ويجعل ملائكته تلعنك حتى تستجيبي لزوجك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح) البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود.
ويقول صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه ؛ فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها) صحيح مسلم.

ثانياً: امتناعك يجعل زوجك أضعف في غض بصره، فالزواج، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم (أغض للبصر وأحصن للفرج)، وعليه فإن امتناعك من زوجك يعطل وظيفة الزواج الأولى والمهمة وهي إعفاف النفس.

ثالثاً: لا يحق لك تقديمُ أيِّ عملٍ على واجب تلبية زوجـك، مهما كان هذا العمل مهماً وضرورياً، لأنه ليس هناك أهم من إعفاف نفسك وإعفاف زوجك. ويكفي لبيان هذا وتأكيده أن جميع عبادات التطوع لا يحل لك أن تقومي بها إلا بإذن زوجك، وما ذاك إلا لإبعاد أي عمل يحول دون إعفاف الرجل نفسه في زوجته حتى ولو كان هذا العمل صياماً أو صلاة أو حجاً. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد (أي حاضر) إلا بإذنه) البخاري ومسلم.
وعليـه فإني أرجو أن تنظري إلى تلبيتك حاجة زوجك نظرة أبعد من كونها مجردً تلبيةٍ لشهوته، انظري إليها على أنها وسيلةٌ مهمة لإعفافه، وغض بصره، وإتقانه عملَه.
استحضري في خاطرك مشهدَ زوجك وهو ينظر في هذه المرأة، ويحدق في تلك، بعد أن تكوني قد امتنعت منه.
واستحضري مشهداً آخر، مشهدَ زوجك وهو يغض بصره، ولا ينظر إلى من يصدفه في طريقه من النساء بعد أن تكوني قد استجبت له ولبَّيت حاجته.
ألا تكونين قد أسهمت في غض بصره في المشهد الثاني، وساعدته على ذلك التحديق في النساء في المشهد الأول؟

رابعاً: قولك لزوجك (أنتم الرجال لا يأخذ عقولكم إلا ذاك الأمر) ؛ قولك هذا فيه مزيد من وجوبِ تلبيتكِ لزوجك حتى لا تضطريه إلى التماسِه من غيرك، ولقد أوضح هذا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري حين يقول (ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهبَ للبَّ الرجل الحازم من إحداكن) وفي رواية مسلم (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلبَ الذي لُبٍّ منكن) يقول ابن حجر رحمه الله: اللب أخص من العقل، وهو الخالص منه. و (أذهب) أي أشد إذهاباً. و ((الحازم)) الضابط لأمره، لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن فغير الضابط أولى.

خامساً: قولك لزوجك (اعتبرني مسافرة أو اعتبر نفسك مسافراً) يشبه من تقول لزوجها وقد عاد من عمله ظهراً فلم يجد طعاماً (اعتبر نفسك في رمضان!) أو (اعتبر نفسك صائماً)! أو (لماذا لا تصوم؟ أليس الصيام خيراً لك)؟!
هل هذا منطقي يـا ابنتي؟ أيعقل هذا؟ تمتنعين من زوجك وتطلبين منه أن يعتبر نفسه مسافراً؟!! لقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة من الصيام إذا كان زوجها حاضراً حتى لا تمتنع منه إذا رغب فيها بحجة أنها في عبادة الصيام! يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، غير رمضان) البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

سادساً: حين يصعب عليك أمر تلبية زوجك بسبب إساءته إليك في شأن ما، خاطبي نفسك بقولك: والله لو كان الأمر لي لما استجبت لك، لكني أريد أن أطيع ربي سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد أمراني أن لا أمتنع منك، وإني لأبتغي الأجر من الله تعالى على مجاهدتي نفسي الرافضة لك.

سابعاً: لا بد من كلمة لك أخي الزوج: إن خير ما تستميلُ به زوجتك إليك، وتجعلُها غير ممتنعة منك، هو عطفك عليها، ورفقك بها، ومحبتك لها. إن هذا كلَّه يفتحُ لك قلبها ويجعلها مستجيبة لك إن شاء الله.

أدعو الله أن تكون المرة الأخيرة

أدعو الله أن تكون المرة الأخيرة

أحسب أنك نادم على ضربك ولدنا ذاك الضرب المبرح الذي نتج عنه إصابته بتلك الإصابات التي جعلتنا نسرع به إلى المستشفى لعلاجه منها.
مهما أهمل أبناؤنا، ومهما أساؤوا، فإن عقابنا ينبغي أن يكون تأديباً لا انتقام فيه ولا قسوة.
ليتك رأيت نفسك وأنت تضرب أحمد في وحشية كاسرة لم تكن تملك فيها نفسك، تضربه في وجهه وبطنه وظهره، دون مراعاة لضعفه، ودون استجابة لتوسلاته: بابا سامحني.. أرجوك.. هذه آخر مرة. أعدك.. لن أفعل هذا ثانية.. أرجوك.
وحين حاولتُ أن أبعدك عنه لإنقاذه من بين يديك ورجليك وأنت تضربه وتركله.. دفعتني بعيداً عنك وأنت تصرخ: دعيني أربيه.. تدليلك لهم هو الذي أفسدهم!
أكتب إليك حتى لا يتكرر هذا منك، ولأذكرك أن الحزم الهادئ أنفع وأجدى من هذا العنف الوحشي الذي لا يفيد بقدر ما يؤذي ويدمر.
نظرة زاجرة، وتأنيب حازم، وحرمان من مال، وغيرها من الوسائل تجدي أكثر ولا تلحق بأولادك الأذى والضرر.
ولقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرب أبنائنا على الصلاة قبل بلوغهم العاشرة من أعمارهم، فكيف كنت تضرب ابنك وهو ابن الثامنة من أجل أنه كسر ساعة لا تساوي أكثر من بضعة دنانير ؟!
أدعو الله تعالى أن يرزقك خصلتين يحبهما وهما الحلم والأناة، كما قال  لأشج عبدالقيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) وإني لأرجو أن تكون هذه آخر مرة تضرب فيها ولداً من أولادك هذا الضرب المبرح المؤذي.

زوجتك المحبة