تصرفات تحسبانها يسيرة قد تثير نزاعات خطيرة

تصرفات تحسبانها يسيرة قد تثير نزاعات خطيرة
محمد رشيد العويد

في الحياة الزوجية تصرفات قد يراها الزوجان هينة يسيرة ؛ لكنها قد تكون سبباً في نزاعات خطيرة . وسأعرض لبعض هذه التصرفات :
تنسى الزوجة إخبار زوجها باتصالات هاتفية تلقتها من أصدقائه أو غيرهم .
وقد تتذكر فتخبر زوجها بمن سأل عنه ؛ ولكنها تفعل ذلك متأخرة عدة ساعات ، أو في اليوم التالي من المكالمة الهاتفية .
وهذا الإهمال ، غير المقصود في الأغلب ، قد يثير غضب الزوج ، ويجعله يتهم زوجته بعدم اهتمامها به ، وخاصة إذا ترتب على هذا فوات منفعة ما ، أو حدوث ضرر أو خسارة .
ومع تكرار هذا النسيان من الزوجة يضيق الزوج ، فيؤكد لزوجته إهمالها له ، وعدم اكتراثها به ، ويجدد اتهامه لها بأنها سبب في ضياع صفقة رابحة ، أو فرصة عمل نادرة ، أو غير هذه وتلك .
وكم من الشجارات الزوجية نشبت بسبب نيسان الزوجة إخبار زوجها بتلك المكالمات الهاتفية .
وحتى حين تخبر المرأة زوجها بالاتصال الهاتفي الذي تلقته فإنها تنسى اسم المتصل الكامل ، أو حتى اسمه الأول ؛ فتقول لزوجها : اتصل بك شخص اسمه حمدان ، أو يمكن اسمه حامد ، لا .. لا اسمه حمد .
ومن أجل أن تريح المرأة نفسها من عناء التذكر ، وتجنب نفسها النسيان ، فإني أنصحها بالحرص على استخدام الورقة والقلم فتـسجل اسم كل من يتصل بزوجها ، ورقم هاتفه ، ووقت الاتصال ، وتضع الورقة في مكان تتفق مع زوجها عليه ؛ بحيث تتجنب أيضاً نسيان مناولته الورقة التي سجلت عليها ذلك .
حرص الزوجة على ترتيب البيت وتخفيف الفوضى التي يعيش فيها زوجها يجعلها تقوم بترتيب أوراقه وملفاته وكتبه . ويبحث الزوج عن إحدى أوراقه فلا يجدها ؛ فيتهم زوجته بأنها السبب في فقده تلك الورقة ، وترد الزوجة بأن الفوضى التي يعيش فيها زوجها هي السبب في ضياع ما يفقده . وهكذا ينشأ خلاف زوجي ينقلب كثيراً إلى شجار فنزاع فشقاق .

وأرى الحل في واحد من هؤلاء الثلاثة :
أن تترك المرأة زوجها في فوضاه مادامت هذه الفوضى محصورة في غرفة مكتبه.
أن تتفق مع زوجها على أن تـرتب له أوراقه وملفاته وكتبه على الوجه الذي يريحه ، بحيث يسهل عليه الوصول إلى كل ورقة وملف وكتاب دون عناء كبير أو بحث طويل .
أن تقوم بترتيب ما تريد ترتيبه لزوجها في حضوره بحيث تسأله : أضع لك هذا الكتاب في هذا الرف أم ذاك ؟ هل أضع إيصال الكهرباء في ملف الإيصالات ؟ وهكذا …

يطلق الرجل كلمة لا يلقي لها بالاً ، ويحسبها هينة يسيرة ، لكنه يزلزل بها كيان زوجته ، وذلك حين تكون السخرية هي روح تلك الكلمة ، أو الجحود هو معناها ، كأن يهزأ بكلامها ، أو يسخر من لباسها ، أو ينتقص من فهمها ، أو يبخس أشياءها وأعمالها وجهودها .
والمرأة تحفظ تلك الكلمات ولا تنساها أبداً ، وتثير فيها مشاعر سلبية هائلة ، وتجعلها تنفر من زوجها وتحمل عليه .
ولو علم الزوج أن المرأة لن تنسى كلمته القاسية لفكر عشر مرات قبل أن يسمح لها بالانطلاق من فمه لتصل إلى سمع زوجته .
ولو أدرك عظم سلبية المشاعر التي تثيرها كلمته الجارحة في نفس زوجته لفكر عشرين مرة قبل أن يطلقها لسانه .
ولو أحاط بمدى النفور الذي تخلفه كلمته المؤلمة في حنايا زوجته لفكر مائة مرة قبل أن يتفوه بها .
لهذا كله أدعو كل زوج إلى منع أمثال تلك الكلمات المحبطات من أن يطلقها لسانه بعد إدراكه الآثار السلبية الكثيرة التي تتركها في زوجته .
ومما يعينه على ذلك ثلاثة :
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم كلما ثارت تلك الكلمات في خاطره .
إذا ألحت عليه الكلمات القاسية تريد الخروج من فمه فليرددها داخل نفسه فإن هذا يخفف من غضبه ويغني عن انطلاقها على لسانه .
لينسحب من مواجهة زوجته حتى يحول دون سماعه كلماتها .. ومن ثم إطلاق كلماته في مقابلها .

حاولي أن تغفري .. فالدنيا ماضية!

حاولي أن تغفري .. فالدنيا ماضية !
محمد رشيد العويد

التنافس بين النسوة أمر جُبلن عليه ، والغيرة بينهن أشد ظهوراً منها بين الرجال ، وهي بين الضرائر أشد وأقوى من غيرهن .. وهكذا .
لكن الأخلاق الإسلامية تعلمنا أن نتجاوز هذا ، فتصفو القلوب ، وتتسامح النفوس ، ويدعو كلٌ لأخيه ، وكلٌ لأختها ، بالمغفرة .
فإذا علمت هذا أختنا المسلمة كان عليك أن تسمي بنفسك فوق مشاعر الغيرة ، وأن تدافعيها خارج نفسك مهما كانت قوية ، وتذكري الآخرة وما فيها من حساب شديد ، والجنة وما فيها من نعيم عظيم ، فتصرفي نفسك نحوها ، وتزهدي في الدنيا ومتاعها الزائل .
لا أطلب منك أن تتجردي من مشاعرك ، وتنتزعي من نفسك عواطفك ، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً ، فحتى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كان بينهن غيرة ، وكان بينهن تنافس ، لكن خلقهن الإسلامي كان الضابط لهذه المشاعر ، فلا يتجاوزن خلقاً أو أدباً .
وتأملي هذه المصافاة ، وهذه المسامحة الكريمة ، بين ثلاث من أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن جميعاً – ففيها حث لك على مسامحة أخواتك في الله .
أخرج ابن سعد عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : دعتني أم حبيبة – رضي الله عنها – زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها فقالت : قد يكون بيننا ما بين الضرائر ، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك ، فقلت : غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحلَّلك من ذلك ، فقالت : سررتني سرك الله ، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثلَ ذلك .
أليس مشهداً مؤثراً : الموت اقترب من أم حبيبة – رضي الله عنها – فتستسمح عائشة وأم سلمة – رضي الله عنهما – فلا تترددان بالاستجابة ، ويتبادلن جميعاً الدعاء بالمغفرة ؟!
إنها تذكرة لك أختي المسلمة ، فقد مضت على هذه الأرض أجيال وأجيال ، غادرتها جميعها دون أن تأخذ معها إلى ربها غير عملها .
وستمضين يا أختي ، وسنمضي نحن جميعاً ، لن نحمل معنا غير عملنا ، فإن كان عملنا صالحاً في معظمه ، فقد فزنا وأفلحنا ، وإلا فالحساب والعذاب .
إذا وضعت هذا في تصورك ، وحاولت ألا يغيب عنك ، فلا شك في أنك ستغفرين لأخواتك في الله ، ولقريباتك وصديقاتك ؛ لأن في مغفرتك لهن أجراً ليس بالقليل .
واقرئي هذه الآيات الكريمة التي تحث المؤمنين على المغفرة لإخوانهم :
* (( ولاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنُكمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَساَكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونِ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيم )) النور : 22 .
* (( وَالَّذيِنَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ )) الشورى : 37 .
* (( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إَنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمَ الأُمُور )) الشورى : 43 .
* وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) التغابن : 14 .
* (( قُلِ لّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ )) الجاثية : 14 .
قال الفضيل بن عياض : إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً فقل : يا أخي اعف عنه ، فإن العفو أقرب للتقوى . فإن قال : لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمرني الله – عز وجل – فقل له : إن كنت تحسن أن تنتصر ( أي إذا أحسنت الانتصار ولم تتجاوز به الحد فافعل ) وإلا فارجع إلى باب العفو فإنه باب واسع ،وإنه من عفا وأصلح فأجره على الله ، وصاحب العفو ينام على فراشه في الليل ، وصاحب الانتصار يقلب الأمور ( أي أنه يفكر كيف سينتصر لنفسه ، أي أسلوب يتبع ، وأي طريق يسلك ، هل يقول له لكذا ، أم يفعل كذا ، وبالطبع فإن مثل هذا سيؤرقه فلا ينام ) .
واقرئي أختي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبشر فيه من يتجاوز عن أخيه ، ويغضي عن إساءته : (( ما من عبد ظُلم بمظلمة فيُغضي عنها لله ، إلا أعزه الله تعالى بها ونصره )) رواه أبو داود .
وقال صلى الله عليه وسلم : (( ما زاد الله تعالى عبداً بعفو إلا عزاً )) حديث صحيح .
والآن ، أختي المسلمة إذا صارت لديك قناعة بهذا العفو ، ورغبة في العمل به ، فاحرصي على ما يلي :
1- إذا كنت قد قاطعت قريبة لك ، لأي أمر ليس فيه مخالفة لشرع الله ، فبادري إلى الاتصال بها ، أو زوريها ، وإذا تحرجت من زيارتها وحدك ، فاجعلي زيارتك لها ضمن مجموعة من القريبات . والأمر نفسه افعليه مع صديقتك أو أختك في الله .
2- أرغمي نفسك على العفو عند المقدرة ، وقاومي في نفسك رغبتها في الانتصار المنتقم ، واخفضي جناحك لأخواتك في الله ، وضعي أمام نفسك دائماً هذين الخيارين : الانتصار الذي لا يترتب عليه الأجر ، أم العفو والمغفرة اللتان تجلبان لك الثواب العظيم ، والطمأنينة النفسية المريحة .
3- تذكري الموت باستمرار ، فتذكر الموت يميت في النفس مشاعر الغضب والانتقام ، ويدفع المؤمن إلى التفكير بالآجلة الباقية ، ويصرفه عن العاجلة الزائلة ، وما فيها من رغائب النفس .
ومما يساعدك على تذكر الموت :
* قراءة مواعظ الصالحين .
* ذكر من مات مؤخراً من الأقارب والمعارف .
* تأمل سرعة مرور الأيام وتوالي الشهور والسنين .
أختي المسلمة :
أدعو الله لك أن يـرزقك نفساً مطمئنة ، تغفر ظلم الآخرين لها ، وتتجاوز عن إساءات المسيئات ، إنه سميع مجيب .

جعلتني أحب المرض

جعلتني أحب المرض
محمد رشيد العويد

زوجي الحبيب
هل يمكن لإنسان أن يحب المرض ؟
لعلك تجيبني قائلاً : لا يمكن لإنسان أن يحب المرض الذي يحرمه العافية والصحة ويجلب له الآلام والأوجاع !
هل تصدق أنك جعلتني أحب المرض ! هل تعرف لماذا ؟ لأنني أحسست ، ولأول مرة ، بقربك ، وعطفك ، وحنانك .
جلوسك جانبي وأنت ترقيني بأدعية الاستشفاء ثم تمسح بها على رأسي جعلني أشعر بتيار جميل دافئ يسري في كياني كله .
نظراتك القلقة علي ، وكلماتـك التي توصيني فيها بتناول الدواء ، كانت تملأ قلبي فرحاً وسعادة .
ولن أنسى ما قلته لأحد أصدقائك ، عبر هاتفك النقال ، وأنت تعتذر عن زيارتهم في الديوانية تلك الليلة : ( لن أستطيع أن آتي اليوم .. زوجتي مريضة ويجب أن أبقى قريباً منها ) . لم أستطع إخفاء ابتسامتي ، فقد جعلني إيثارك البقاء قربي على الذهاب إلى الديوانية .. جعلني أنتشي بهجة وسروراً .
حتى الفاكهة التي قشّرتها بيدك ، وقطّعتها بالسكين قطعاً صغيرة ، وصرت تضعها في فمي بيدك ، كان لها طعم لذيذ آخر .
وعلى الرغم من إشفاقي على طفلينا الصغيرين حين قمتَ بنهرهما لأنهما أصدرا أصواتاً عالية في لعبهما ، فإن كلماتك لهما أسكرتني : ( العبا بهدوء وإلا أعدتكما إلى غرفتكما .. أمكما مريضة ويجب أن ترتاح حتى تشفى ) .
أما سحبك اللحاف لتغطيني به ، وطبعك قبلة على جبيني ، بعد أن أغمضتُ عيني وحسبتَ أنني نمت ، فقد أثار فيَّ مشاعر وأحاسيس لا يمكن وصفها لأنني لا أجد الكلمات التي تعبر عن الحب التي تفجر في قلبي نحوك .
أليس لي ، بعد هذا كله ، أن أحب المرض الذي كشف لي صدق حبك لي ، وشدة عطفك علي؟!
أليس لي أن أشكر الله الذي أمرضني فعرفت كم أنا أثيرة لديك ، وعزيزة عليك ؟!

تقاوم الأنفلونزا

تقاوم الأنفلونزا
محمد رشيد العويد

أظهرت آخر الأبحاث في طب المناعة أن الأزواج الذين يقومون بالمعاشرة الزوجية مرة أو مرتين في الأسبوع بانتظام تكتسب أجسامهم قدرة على مقاومة نزلات البرد والأنفلونزا .
ويعتقد كلفورد لوويل المتخصص في علم المناعة بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو أن المعاشرة الزوجيـة تتيح انتقال الفيروسات والبكتيريا بين الزوجين ، وهذا يقوّي جهازَي المناعة لديهما .
ونقلت مجلة (( نيوساينتست )) عن الدكتور لوويل قوله : الناس الأكثر إقبالاً على المعاشرة الزوجية يمكن أن يتعرضوا لوسائط ناقلة أكثر من الأزواج المقلين في المعاشرة ، ومن ثم يستجيب جهاز المناعة للأجسام الغريبة بإنتاج مزيد من مضادات الأجسام .
وحسب صحيفة ( اكسبريس ) البريطانية التي نشرت ملخصاً للتقرير فإن الأطباء يمكنهم قياس مدى قوة جهاز المناعة عبر قياس مستوى مضاد الأجسام الذي يسمى إيميونوجلوبولين ( أي جي إيه ) وهو مركب يخترق جهاز المناعة ليحطم البكتريا ، وهو يوجد في اللعاب ومجرى الأنف والشعب الهوائية .
ويعتبر هذا المضاد خط الدفاع الأول في جسم الإنسان ضد النزلات والأنفلونزا إذ إنه يعترض الجراثيم عند دخولها ويحاصرها حتى يمكن تحطيمها بعد ذلك .
وفي دراسة أخرى أجراها العالمان كارل شارنتسكي وفرانك برينان في جامعة ويكلس بار بولاية بنسلفانيا على 111 زوجاً سئلوا عن عدد المرات التي تعاشروا فيها خلال الشهر الأخير ثم قيست مستويات مضاد الأجسام عند كل منهم .
وكانت النتيجة أن أولئك الذين تعاشروا أقل من مرة في الأسبوع لديهم مضاد الأجسام أكثر من الذين لم يتعاشروا قط . أما الذين تعاشروا مرة أو مرتين في كل أسبوع بانتظام فقد اكتسبوا تعزيزاً في مستويات مضاد الأجسام .
وهكذا ، أخي الزوج وأختي الزوجة ، تتوالى الدراسات الطبية العلمية التي تشير إلى الآثار الإيجابية الصحية للمعاشرة الزوجية التي يجب ألا ينظر إليها على أنها تلبية للشهوة فقط ، إنما هي أيضاً إعفاف للنفس وتقوية لجهاز المناعة في الجسم .

تعلمي .. كيف تستقبلين زوجك ؟

تعلمي .. كيف تستقبلين زوجك ؟
محمد رشيد العويد

كيف تستقبل الزوجة زوجها حين يعود إلى بيته ؟ سواء أكـان في عمله أم في مهمة غير العمل ؟
من الزوجات من لا تكون في بيتها حين يعود زوجها إليه فلا يجدها فيه ، وسواء أكانت الزوجة في عملها إذا كانت تعمل ، أو كانت عند جيرانها أو صديقتها ، أو عند أهلها ، فإن غيابها عن بيتها وقت عودة زوجها ، سيترك أثره السلبي في زوجها ، زوجها الذي يريدها سكناً له ، بكل ما تحمله كلمة ( السكن ) من أمن ، وراحة ، واطمئنان .
وقد تكون الزوجة في بيتها حين عودة زوجها ، ولكنها لا تحسن استقباله ، فتنصرف عنه ، ولا تهتم بمجيئه ، وتنشغل عنه بأي شغل آخر .
وقد يكون الأمر أسوأ من هذا وذاك ، فتستقبله زوجتـه ، ولا تنشغل عنه ، لكن أي استقبال هذا ؟ صراخ وشكوى ، وتبرم وضيق ، وجه عابس غاضب ، ونفس حانقة ثائرة . استقبال يجعل الزوج يتمنى لو أنه عاد من حيث أتى ! .
هل تريدين أختي أن أنقل إليك مثلاً من أمثلة الصحابيات وحسن استقبالهن لأزواجهن ؟
مشهد قصير خاطف ، لاستقبال أم المؤمنين أم سلمة – رضي الله عنها – لزوجها ، خير الأزواج ، النبي صلى الله عليه وسلم .
أخرج أحمد وأبو يعلى عن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساهم الوجه ، فخشيت ذلك من وجع ، فقلت : يا رسول الله ، مالك ساهم الوجه ؟ فقال : (( من أجل الدنانير السبعة التي أوتينا بها أمس ، أمسينا وهي في خصم الفراش )) . وفي رواية : (( أتتنا ولم ننفقها )) قال الهيثمي : رجالهما رجال الصحيح .
تأملي أختي المسلمة هذا الاستقبال الذي أوجزته أم سلمة في كلمات قليلة .
لقد دخل عليـها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساهم الوجه ، أي متغير الوجه ، يقولون : سهم لونه : تغير عن حاله لعارض .
ليس من عادته صلى الله عليه وسلم تغير وجهه ، وجهه الباش المشرق دائماً . هناك إذن ما يحزنه صلى الله عليه وسلم ، ماذا يكون ؟ إن الزوجة المحبة الودود يشغلها هذا ويقلقها : أيكون مرضاً ألمّ به ؟ ولهذا وجدنا أم سلمة – رضي الله عنها – تقول : (( فخشيت ذلك من وجع )) ، خشيت أن يكون وراء هذا التغير ألم أصابه صلى الله عليه وسلم .
فتبادر إلى سؤاله : يا رسول الله ، ما لك ساهم الوجه ؟
أمن أجل الطعام الذي لم تعده الزوجة ؟ أم من أجل الثوب الذي لم تخطه ؟ أم من أجل حاجة من حوائج الدنيا ؟
من أجل سبعة دنانير باتت ليلة واحدة قبل أن ينفقها صلى الله عليه وسلم في سبيل الله !
وطبعاً لم تَثُر الزوجة قائلة (( كيف لا تترك هذه الدنانير ونحن أحوج إليها ؟ لم نذق طعاماً منذ أيام )) ! كما تفعل بعض الزوجات هذه الأيام ! لم تقل شيئاً من هذا . شغلها كله كان تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قالت : (( فخشيت ذلك من وجع)) .
انتقلي معي الآن ، أختي المسلمة إلى صحابية أخرى في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم لنتعلم منها كيف يكون استقبال الزوج .
الصحابية الجليلة أم سليم مات لها ولد من زوجها أبي طلحة – رضي الله عنهم جميعاً – وكان الولد مريضاً ، فلما عاد زوجها إلى الدار لم تخبره بموته ، إلا بعد أن قدمت إليه الطعام ، ونال منها ما ينال الزوج من زوجته .
استمعي إلى القصة كما جاءت في كتب الحديث وصحيح البخاري :
كان لأبي طلحة – رضي الله عنه – ابن يشتكي ، فخرج أبو طلحة ، فقُبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم : هو أسكن ما كان . فقربت إليه العشاء فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ قالت : يا أبا طلحة عارية استعارها قوم وكانت العارية عندهم ما قضى الله ، وإن أهل العارية أرسلوا إلى عاريتهم فقبضوها ، ألهم أن يجزعوا ؟ قال : لا . قالت : فإن ابنك قد فارق الدنيا . قال : فأين هو ؟ قالت : ها هو ذا في المخدع . فكشف عنه واسترجع ( قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ) فلما أصبح ، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثه بـقول أم سليم ، فقال : (( والذي بعثني بالحق لقد قذف الله – تبارك وتعالى – في رحمها ذكراً لصبرها على ولدها )) .
قال سفيان : فقال رجل من الأنصار : فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن .
يـا الله ما أعظم حكمة أم سليم ، وما أوسع أفقها ! أي خبر أسوأ مـن أن يُخبر الأب بوفاة ولده ؟ وما أبلغ أثره ، وما أكبر صدمته على الأب ؟ مثل هذا الخبر المفجع تلقاه أبو طلحة بالرضا والتسليم ؟ وكان الفضل في هذا لمن ؟ لزوجته أم سليم – رضي الله عنها وعنه – .
كان أول سؤال يسأله الزوج العائد إلى بيته عن ولده المريض : ما فعل ابني ؟ هل تقول له : لقد مات ! الحكيمة أم سليم لن تخبره وهو عائد بتعبه وقلقه ، لكنها في الوقت نفسه لن تكذب عليه . فماذا قالت ؟ لقد قالت : (( هو أسكن ما كان )) . تورية طمأنته بها على ابنه ، دون أن تكذب عليه ، فقد كان بموته أسكن ما كان فعلاً .
ثم ها هي ، قبل أن تخبر زوجها ، تقدم له العشاء الذي لم يكن ليأكل منه شيئاً لو أخبرته بموت ابنه ، ثم تجعله ينال منها ما ينال الرجل من زوجته .
لقد هيَّأت زوجها لتلقي النبأ الحزين . ها هي تقدم له بمقدمة يؤمن بها ويسلِّم ، تمهيداً لتسليمه بقضاء الله تعالى ، سألته : هل من حق أناس كانت عندهم أمانة لأناس آخرين .. أن يجزعوا حين أراد أصحاب الأمانة استرجاع أمانتهم ؟ فلما قال أبو طلحة : لا . أخبرته – رضي الله عنها – بأن ابنه فارق الحياة ؛ لأن ابنه أمانة من الله تعالى . والله استرد أمانته .
فهلاّ تعلمت أختي الزوجة ، وأنت أختي المقبلة على الزواج إن شاء الله ، كيف تستقبلين زوجك ؟