حسان .. و مارد الجان

حسان .. و مارد الجان
محمد رشيد العويد

خرج حسَّان من بيته إثر جدال حاد مع زوجته التي لم ينجح في فهمها ، على الرغم من مضي خمس عشرة سنة على زواجه منها .
وصار يتمشى بجانب سور حديقة قريبة من بيته وهو يأخذ أنفاساً عميقة من الهواء النقي البارد المنعش عساه يطفئ ما اشتعل في صدره من غضب على زوجته التي نغصت عيشه وكدّرت حياته .
وسرح بخياله بعيداً يحلم بقصر كبير ، فيه كل وسائل الراحة ، مع زوجة جميلة ، ودود مطيـعة ، لا تخالفه في رأي وتطيعه في كل أمر .
ثم تعب من المشي فقعد على كرسي خشبي طويل ، وما إن استرخى على الكرسي حتى لمحت عينه انعكاس ضوء القمر على شيء معدني ، فمد يده إليه وتناوله فوجده مصباحاً قديـماً قد علاه الغبار . صار يمسحه بيده فإذا بدخان يخرج منه حتى تشكل منه جني ضخم .
اقشعر بدنه ، ورجف قلبه ، وعرف أنه عثر على مصباح علاء الدين ، وتأكد هذا لديه حين قال المارد : شبيك لبيك . لديك أمنية واحدة ، فاطلب ما تتمنى لأحققه لك .
لم يكن حسن يحتاج إلى تفكير كثير ؛ فحلمه بالقصر الكبير لم يمض عليه سوى دقائق ، فقال للجني : أريد قصراً كبيراً ، فيه كل وسائل الراحة ، مع زوجة جميلة مطيعة ، لا تخالفني في رأي ، وتطيعني في كل أمر .
تململ الجني من طلب حسان واستثقله ، فقال له : اختر أمنية أخرى ، فبناء قصر كبير فيه ما طلبته .. أمر سيحمّلني أعباء كثيرة ويحتاج مني طاقة كبيرة .
قال حسان : لا بأس ، سأعفيك من هذا كله ، كل ما أريده منك هو أن تشرح لي كيف أستطيع أن أفهم المرأة وأن أجعلها مطيعة لي ؟!
أجاب الجني على الفور : أين تريد أن أبني لك القصر ؟!
وقفات :
أولى الوقفات عند هذه القصة الرمزيـة هي أن فهم المرأة أمر صعب ، وإرضاءها غاية عسيرة ؛ ومن ثم فإن فيها عزاءً لكل زوج : لست وحدك تشتكي حيرتك مع زوجتك ، فكثيرون من الأزواج يشتكون هذه الحيرة .
لقد هيّأك النبي صلى الله عليه وسلم لهذا ، وأعدك له ؛ حتى لا تصدم وتحبط إذا وجدت زوجتك غير راضية ، وغير شاكرة ، رغم كل ما قدمته لها . يقول النبي صلى الله عليـه وسلم (( ولن تستقيم لك على طريقة )) متفق عليه . ويخبرنا عليه صلوات ربي وسلامه أنه يحسن إليها زوجها الدهر كله ثم تقول له : ما رأيت منك خيراً قط . إن إدراك الزوج لهذا كله واستحضاره يعينه الله به على الصبر على زوجته ، والحلم على طباعها ، بل والابتسام وهو يرى في زوجته ما توقعه منها وما أخبر به حبيبه صلى الله عليه وسلم .
إدراك هذا أيضاً يعين الزوج على التحكم في أعصابه ومشاعره الغاضبة فلا يضرب زوجته ، ولا يشتمها ، فهو يدرك أن ما يصدر عنها من كلام غير لائق وتصرف غير مقبول إنما هو أمر مشترك بين النساء ، إلا ما رحم ربي .
وفي هذا أيضاً توجيه للزوجات حتى لا يزدن في حيرة أزواجهن منهن ، وحتى يحرصن على التعبير عن حاجاتهن بكل صراحة ووضوح ، فلا يتكلن على فهم أزواجهن لهن ، وعلى أنه ينبغي عليهم أن يدركوا ما في نفوسهن من رغبات وطلبات . وكثيراً ما أسمع شكاوى زوجات من أزواجهن في أمرٍ ما ، فأسألهن إن كن قد أخبرنهم بذلك فيجيب غير قليل منهن بأنهن لم يخبرنهم اعتماداً على أنه ينبغي عليهم أن يعرفوا هم بها !
الاعتذار مهم في محور آثار الفهم الخاطئ لدى أحد الزوجين ، بدلاً من المكابرة التي تزيد في شقة الخلاف وتأزمه . وأرجو من الأزواج والزوجات أن ينظروا إلى الاعتذار على أنه قوة لصاحبه وليس ضعفاً . ومن ثم أتمنى أن يتسابق كلا الزوجين إلى الاعتذار بدلاً من أن ينتظر كل منهما صاحبه البدء به . كذلك أتمنى من الزوج الآخر أن يقبل اعتذار صاحبه منه ولا يستغله لإدانته وتبرئة نفسه .
كل ما سبق يزيد في رضا الزوجين عن حياتهما ، ويبعد الطلاق عن تفكيرهما ، ويعينهما على مواصلة عيشهما معاً .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.