حين يهجر الزوج زوجته

حين يهجر الزوج زوجته
محمد رشيد العويد

يخطئ بعض الأزواج حينما يحسبون أن المرأة وحدها مأمورة بعدم الامتناع عن زوجها إذا دعاها إلى فراشه ؛ إذ إن الرجل أيضاً مأمور بعدم الامتناع من زوجته ، وبإشباع حاجتها إلى المعاشرة لإعفافها .
قال ابن قدامة الحنبلي – رحمه الله – (( والوطء واجب على الرجل – أي على الزوج أن يجامع زوجته – إذا لم يكن له عذر ، وبه قال مالك )) .
وقال الإمام الجصاص (( إن عليه وطأها بقوله تعالى  فتذروها كالمعلقة  يعني لا فارغة فتتزوج ، ولا ذات زوج إذا لم يوفها حقها من الوطء )) .
وإذا كان النبي  قد منع عبدالله بن عمرو بن العاص من قيام الليل كله ، أو كل ليلة ، مع صيام النهار ، فلأن في هذا إضاعة لحق الزوجة . أخرج الإمام البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول  (( يا عبدالله .. ألم أُخْبَر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : فلا تفعل . صم وأفطر ، وقم ونم ؛ فإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لعينك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً )) صحيح البخاري .
وجاء في شرح الحديث في فتح الباري لابن حجر العسقلاني : (( لا ينبغي للزوج أن يجهد نفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب . واختلف في من كفَّ عن جماع زوجته فقال مالك : إن كان بغير ضرورة ألزم به أو يُفرّق بينهما ، ونحوه عن أحمد . والمشهور عن الشافعية أنه لا يجب عليه وقيل يجب مرة … )) وقول أحمد ومالك هو الراجح لدلالة الحديث الشريف عليه ، كما يقول الدكتور عبدالكريم زيدان .

هل يجبر الزوج على وطء زوجته ؟
ثم إن الزواج شرع في الأصل لمصلحة الزوجين ودفع الضرر عنهما ، ومن هذا الضرر ضرر الشهوة (( والوطء يفضي إلى ذلك – أي يدفع هذا الضرر – فيجب – أي الوطء – على الزوج ليدفع عنها ضرر الشهوة ، كما أن هذا الوطء يفضي إلى دفع ضرر الشهوة عن الزوج نفسه فيتأكد الوجوب عليه ، كما جاء في المغني لابن قدامة )) .
وهذا الفاروق عمر بـن الخطاب رضي الله عنـه يقر قضاء كعب بن سوار بإلزام رجل بالمبيت عند زوجته ليلة من كل أربع ليال . قال ابن قدامة الحنبلي : (( وهذه قضية انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعاً )) وأضاف (( إذا كانت له امرأة لزمه المبيت عندها ليلة من كل أربـع ليال ما لم يكن له عذر )) .

وفي الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : ( والواقع أن هذا المبيت من لوازم حقها في الوطء ، ويتضمن شيئين : أحدهما المجامعة في المنزل ، والثاني في المضجع ) .
وإذا كان الوطء حقاً للمرأة على زوجها وواجباً عليه أفيجبر على أداء هذا الواجب ؟ يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى : (( وفرض على الرجل أن يجامع امرأته التي هي زوجته ، وأدنى ذلك مرة في كل طهر إذا قدر على ذلك وإلا فهو عاص لله تعالى ، وبرهان ذلك قول الله عز وجل  فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله  ويُجبر على ذلك من أبى ذلك بالأدب لأنه أتى منكراً من العمل .

كم يمتد سفر الزوج ؟
أما إذا كان الزوج غائباً في سفر لعذر أو لحاجة فإن الوطء الواجب عليه يوقَّت بستة أشهر لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك باعتبار أن المرأة لا تصبر عن زوجها أكثر من مدة خمسة أو ستة أشهر فوقَّت للناس في مغازيهم ستة أشهر : يسيرون شهراً ، ويقيمون عند أهليهم أربعة أشهر ، ويسيرون شهراً راجعين .
وأقترح على مجامع الفقه أن تراجع ذلك لتعمل على تقصير المدة التي يجوز للزوج أن يغيب فيها عن زوجته لما يلي :
أولا : مثيرات الشهوات اليوم أضعاف ما كانت عليه في زمن الصحابة رضوان الله عليهم .
ثانياً : وسائل النقل الحديثة ، كالطيران ، صارت تسهل عودة الزوج إلى زوجته في ساعات قليلة ، وما عاد يحتاج شهراً كما كان الناس قديماً .

يقدر بكفاية الزوجة
ويؤيد هذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في أن حق الزوجة في الوطء غير مقدر بمدة ، وإنما يقدر بكفايتها وقدرة الزوج على ذلك ، يقول رحمه الله تعالى : (( ويجب عليه وطء امرأته بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه أو يشغله عن معيشته ، غير مقدر بأربعة أشهر كالأمَةَ . فإن تنازعا – أي الزوج والزوجة – فينبغي أن يفرضه الحاكم كالنفقة )) .
ويرجح الدكتور عبدالكريم زيدان في موسوعته (( المفصل في أحكام المرأة )) ما ذهب إليه ابن تيمية ؛ لأن المطلوب تحصين الزوجة ضد الفاحشة بوطئها من قبل زوجها بقدر كفايتها وبقدر ما يحصل به هذا التحصين ؛ فلا وجه لتقدير ذلك بمدة معينة كأربعة أشه
ر أو أكثر أو أقل ، وإنما يكون التقدير بقدر كفايتها ؛ حسب قدرة الزوج على إيفائها حقها من الوطء بقدر الكفاية ، وهذا كله في الأحوال الاعتيادية والزوج حاضر يعيش مع زوجته . أما إذا كان غائباً عنها في سفر لغرض مشروع أو لعذر مشروع ؛ ففي هذه الحالة ينبغي أن يسعى الزوج أن لا تطول غيبته عن زوجته .

لها حق طلب التفريق
ونصل الآن إلى هذا السؤال : هل تَرْكُ الزوج معاشرة زوجته يعطيها الحق في طلب تفريقها عنه ؟
جاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير : (( إذا ترك الزوج وطء زوجته وتضررت الزوجة بهذا الترك جاز لها طلب التفريق من زوجها ، ويجيب القاضي طلبها ، وبهذا صرح المالكية .
يعلق الدكتور زيدان فيقول : والواقع أن تعمد الزوج ترك وطء زوجته دون عذر مشروع يدل على قصده الإضرار بها ، والإضرار لا يجوز شرعاً ، ويصلح أن يكون سبباً للفرقة بين الزوجين إذا طلبتها الزوجة من القاضي .
ويبقى سؤال : إذا كان من واجب الزوج أن يطأ زوجته ليوفيها حقها في الوطء .. فهل ينسحب هذا الوجوب على الزوج قبل الدخول بزوجته .. كما لو عَقَدَ عَقْدَ النكاح على امرأة وأخّر الدخول بها ؟
والجواب : نعم ، فقد جاء في (( كشاف القناع )) في فقه الحنابلة : (( فإن أبى ذلك ، أي الوطء ، بعد انقضاء الأربعة أشهر ؛ فرق القاضي بينهما بطلبها ولو قبل الدخول . نصّ عليه الإمام أحمد فقد قال في رواية ابن منصور في رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها ، يقول : غداً أدخل بها ، غداً أدخل بها .. إلى شهر .. هل يُجبر على الدخول ؟ قال أحمد : أذهب إلى أربعة أشهر .. إن دخل بها وإلا فُرِّق بينهما )) .
وهكذا يتأكد حق الزوجة في معاشرة زوجها لها ، وأنه ليس له أن يمتنع منها طويلاً ، وأنه يحق لها أن تطلب التفريق منه إذا استمر في الامتناع .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.