حين سترت على ولدنا تدخينه

حين سترت على ولدنا تدخينه
محمد رشيد العويد

العاطفة القوية في قلب الأم تدفعها إلى إخفاء كثير من أخطاء الأبناء عن أبيهم ، وليس هذا الإخفاء إقراراً منها على أخطائهم ؛ لا ، إنما حمايةً لهم من عقاب والدهم الشديد ، وأملاً في أن تنجح هي بإصلاح تلك الأخطاء بحكمتها ونصحها بعيداً عن تدخل الأب .
وعلى الرغم مـن أن هذا الإخفاء من الأم مفيد أحياناً في معالجة بعض الأخطاء البسيطة الهينة ، فإنه كثيراً ما يشجع الأبناء على مواصلة أخطائهم ، وعدم الرجوع عنها ، وذلك حين توفر لهم أمهم غطاءً ساتراً يحجب عنهم معرفة أبيهم ، ويجنبهم عقابه .
هذا الإخفاء لجأت إليه زوجتي في ستر تدخين ولدنا محمود أربع سنوات ، تمكنت عادة التدخين السيئة خلالها منه ، وخالط فيها النيكوتين دمه حتى صار مدمناً عليه .
اعترفت زوجتي أنها اكتشفت تدخينه قبل أربع سنوات ، وأنها لم تخبرني بذلك ظناً منها أنها ستنجح في صرفه عنه ، لاعتقادها أن تدخينه مثل أي لعبة أخرى سرعان ما يملها ويقلع عنها .
لُمْتُ زوجتي لوماً شديداً ، وحمّلتها مسؤولية وقوع ولدنا محمود أسراً للتدخين القاتل ، ثم أدركتُ أن اللوم لا ينفع الآن ، وأن المهم الإسراع في إنقاذ محمود من هذه العادة التي ليس فيها أي خير .
ووجدتُ في قيام والدته بزيارة شقيقتها فرصة أحادثه فيها بعيداً عن محاولاتها التخفيف من الأمر والتهوين منه .
قلت لمحمود : ولدي ، أصحيح أنك …
وتوقفت عن الكلام وأنا أنظر إلى عينيه اللتين ظهر فيهما الخوف واضحاً .
بلع محمود ريقه دون أن يقول شيئاً .
أعدتُ سؤالي كاملاً : أصحيح أنك تدخن يا محمود ؟
لم يزد محمود عن كلمة : أبي .. ولم يقل بعدها شيئاً !
ماذا عنده يقوله ؟ لو كنت مدخناً لربما تجرأ وقال لي : ولكنك أنت يا أبي تدخن ! لكنه يعلم أنني أرى ما يراه كثير من الفقهاء بأنه محرم ، ويعلم أنني كثيراً ما كتبت عن أضراره المختلفة ، ونقلت أبحاث الأطباء الذين يرونه قاتلاً للإنسان .
وانطلقتُ أشرح لمحمود أضرار التدخين ، وهو مُطرق يستمع ، وأنبهه إلى أنه الآن في مقتبل العمر ، ومن الطبيعي أن لا تظهر الإضرار واضحة عليه ، وذكّرته بأن أكثر الفقهاء يرونه حراماً لأنه من الخبائث التي حرمها سبحانه .
وبعد عشرين دقيقة مضت وأنا أفصّل الحديث قلت له : أريد أن أسمع منك شيئاً يا ولدي ؟
قال بصوت حيي خافت : لقد كنتُ مخطئاً يا أبي .
وبعد أن وضع يده في يدي قلت : عاهدني يا محمود على أن لا تدخن بعد اليوم .
صمت محمود قليلاً وكأنه يجد صعوبة في العمل بهذا العهد ، فقلت له مشجعاً : استعن بالله تعالى وستجد الأمر سهلاً ، فقال محمود : أعاهدك يا والدي على أن لا أضع في فمي أي سيجارة بعد اليوم .. وأن لا أعود إلى التدخين أبداً .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.