رائحة .. ورائحة

رائحة .. ورائحة
محمد رشيد العويد

دخلت مصعد العمارة التي استقرت في طابقها الرابع شقتنا العتيدة ، وما إن صرت داخل المصعد حتى انتعشت نفسي انتعاشاً خفف من تعب العمل الذي هد جسمي طوال النهار ! ماذا وجدت في المصعد فأنعش نفسي ؟
الحق أني لم أجد شيئاً ، أجل لم .. لم أجد شيئاً ! لكني شممتُ ، شممتُ رائحة عطر نسائي قوي يبدو أن إحدى جاراتنا قد خلّفت رائحته في المصعد !
صرت أردد (( لا حول ولا قوة إلا بالله )) واسترجعت حديث المصطفى  : (( أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية )) ، وحديثه عليه الصلاة والسلام : (( إذا شهدت إحداكن الصلاة فلا تمسَّ طيباً )) .
قلتً في نفسي : الحمد لله أني لم أصادفها وهي خارجة من المصعد ؛ إذن لعرفت من هي ، واقترنت رائحة العطر بها .
آه .. ما أعظم الإسلام ! كم يحفظ المجتمع ويقي رجاله ونساءه من الفتنة حين يحول بينهما وبين أسبابها .
وصل المصعد الطابع الرابع ، وخرجتُ منه مسرعاً لأتخلص من رائحة العطر التي أحسست وكأن الشيطان امتطاها لينفذ معها إلى مجاري الدم في عروقي .
ضغطت زر جرس الباب ضغطتين متتاليتين تعرف فيهما زوجتي أنني صاحبهما ، وبخاصة أنهما توافقان موعد وصولي اليومي إلى البيت ، وأتبعت هاتين الضغطتين إدخالي المفتاح في قفل الباب وإدارته فيه .. وما إن فتحتُ الباب حتى هبّت رائحة نفاذة غربية محت كل أثر لتلك الرائحة العطرية التي خالطت أنفاسي قبل قليل .
كانت الرائحة التي ملأت أجواء البيت خليطاً من روائح الثوم والبصل والزيت المقلي .. و .. وأشياء أخرى لم أستطع أن أميزها .
لم أجد زوجتي التي لم تكترث بوصولي إلى البيت ، وصولي الذي لم يكن يعني لها شيئاً يستحق اهتمامها وترحيبها .
ما كدت أجلس في الصالة قليلاً حتى مرت زوجتي خارجة من المطبخ ومعها خرج فَوْحٌ من هذا الخليط الذي ملأ خياشيم أنفي إثر دخولي البيت .
رمقتني بنظرة خاطفة سريعة دون أن تلقي عليَّ السلام ، كانت نظرتها الخاطفة السريعة تقول لي : (( شرّفت ؟!)) .
هل أقول لها ماذا يدور في نفسي : كنت أتمنى لو أنني شممت إثر دخولي البيت مثل تلك الرائحة التي شممتها في المصعد .. لا هذا الخليط النفاذ القوي من روائح الثوم والبصل وأبخرة الزيت المقلي .
أعرف ردّها عليّ : أتريد طبخاً طيباً شهياً دون أن تشم هذه الروائح ؟ هل تريد أن أضع لك في الطعام الفل والياسمين بدلاً من البصل والثوم ؟ هل أقلي الطعام بالعطر والطيب ؟!
طبعاً لا أريد يا زوجتي العزيزة .. ولكنك تستطيعين أن تنجزي طبخك في وقت أبكر من وقت وصولي .. وأنت تعرفين موعده .
تستطيعين أن تنجزي الطبخ ثم تغيري ملابسك لتستقبلي زوجك في ملابس إذا نظر إليها ملأت البهجة قلبه .. تستطيعين أن تفتحي النوافذ لتخرج منها روائح الطبخ فلا تحتبس في البيت ، تستطيعين .. وتستطيعين …
وقطعت عليَّ زوجتي حديثَ نفسي :
– ليس عندنا خبز !
كدتُ أُجن .. كدت أفقد حلمي .. أجبتها بصوت هادئ وأنا أحبس في نفسي ما ثار فيها من ضيق وحَنَق :
– ولِمَ لم تتصلي بي قبل أن أخرج من عملي ؟
لم تجبني .. بدأت تضع صحون الطعام على الطاولة .. هي لا تأكل الخبر مع طعام الغداء .. لعل هذا سبب عدم اكتشافها نفاد الخبر قبل الآن !!

One thought on “رائحة .. ورائحة

  1. حقا .. هذه مشكلة نجدها فى بيوت كثيرة !!
    والكثير من الزوجات لا ينتبهن لهذا الأمر ، رغم اهميته !!
    فالزوج بعد عمل يوم طويل بحاجة لأن يعود لبيته فلا يشتم به إلا كل طيب ، ولا تقع عينه على قبيح
    أسال الله الهداية للجميع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.