رضي بها … فأرضاه الله بكل شيء

رضي بها … فأرضاه الله بكل شيء
محمد رشيد العويد

أنا الابن الوحيد لوالديَّ ، ليس لي سوى أخت واحدة . بعد حصولي على الدبلوم سافرت إلى إحدى دول الخليج العربي وعملت فيها ثلاثين شهراً ، أي سنتين ونصف السنة . وكنت يومها في العشرين من عمري .
لما عدت إلى بلدي في إجازتي طلب والدي مني أن أتزوج ، وذكّرني بأني الابن الوحيد له ، وأنه يريد أن يرى ذريتي في حياته . وافقت والدي على طلبه .
وكانت الخطوة الأولى هي اختيار الفتاة التي سأتزوجها . سألني أبي إن كان في ذهني فتاة معينة أرغب في الزواج منها فأجبته : أي فتاة توافق أنت وأمي عليها أنا راض بها ، فما يهمني في هذه الدنيا هو رضاكم بعد رضا ربي عني .
اتفقت أمي مع أبي على أن يختارا لي ابنة خالتي . وقبلت اختيارهما على الفور . وبعد أن خطباها لي بأيام تم عقد القران . ثم سافرت إلى البلد الذي أعمل فيه فقد انتهت إجازتي ولم أدخل بزوجتي .
أمضيت في عملي سنتين أخريين ، ثم أنهيت عقدي ، وعدت إلى بلدي لأكون قريباً من والديَّ ولأسعد بزوجتي التي لم أدخل بها بعد .
كان حفل الزفاف جميلاً وسعيداً . لم يعكر فرحنا فيه أي شيء .
وبعد انتهائه وانصراف المدعوين خلوت بزوجتي . لكني فوجئت بها تبتعد عني وتجلس في زاوية الغرفة وهي تبكي وتبكي بكاء مليئا بالحزن .
كانت دموعها تسيل غزيرة على خديها . توجهت إليها أستطلع سر بكائها . جلست قربها أهدئ من روعها وأمسح دموعها وأسألها عما يجعلها تبكي هذا البكاء .
حكت لي كل شيء ، قالت إنها ، وفي أثناء عملي في البلد الخليجي ، تعرضت لحريق كبير ترك آثاره على جانبها الأيسر كله ، من قدمها إلى كتفها ، وشوّه جلدها .
أنزل الله سكينته علي ، فقلت لزوجتي : هوّني عليك ، ولا داعي للبكاء ، والحمد لله هذا خير وأهون من غيره ، وكل شيء مقدر ومكتوب .
ردت علي وهي تكفكف دموعها : كنت خايفة تزعل مني وتتركني .
قلت لها : ما ذنبك أنت ؟ هذا قضاء الله وقدره .
أشرق وجه زوجتي بالسعادة ، وشكرتني كثيراً ، وكانت مثل من صدر حكم براءته بعد تهمة كبيرة .

كان أهلي وأهل زوجتي في الخارج يتوقعون أن أخرج إليهم غاضباً لإخفائهم عني أمر الحريق وإصابة زوجتي فيه ، وعدم إكمال الزواج ، وإرجاع ابنة خالتي إلى أهلها .
فلما خرجت إليهم والاطمئنان ظاهر في وجهي أخذتني أمي وخالتي جانباً وسألتاني عن رد فعلي تجاه آثار الحريق على زوجتي فأخبرتهما بأنه خير والحمد لله ولم يغير هذا من تمسكي بزوجتي ولم ينقص من حبي لها فكانت سعادتهما لا توصف .
عدت إلى زوجتي واتفقت معها على أن يبقى أي خلاف يثور بيننا داخل بيتنا ، ولا يعلم به أحد من البشر سوانا ، ولم تخالف زوجتي ما اتفقنا عليه حتى اليوم .
وأُشهد الله أن زوجتي لم تعص لي أمراً ، ولم ترفض لي طلباً ، وإذا أخطأت التصرف يوماً جاءتني تعتذر إليّ بكل أدب وتواضع .
وهكذا عشت أجمل أيام عمري مع هذه الزوجة الصالحة التي رزقني الله منها ولدنا البكر مصطفى ، ثم حسام الدين وبعده أسماء .
وفي آخر عام 1989 جئت إلى الكويت الحبيبة مع زوجتي وأولادي ، وأديت فريضة الحج في العام 1990 ، وبعد عودتي من الحج بأربعة عشر يوماً حدث الغزو الصدامي في 2/8/1990 .
أعود للحديث عن زوجتي الصالحة التي ربت أولادي الثلاثة أحسن تربية ، ربتهم على الدين ، وغرست فيهم حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلمتهم احترام أبيهم وطاعته .
وعلى الرغم من أنه مرت بنا حالات ضيق مادي فإن زوجتي لم تشتكِ يوماً ، ولم تتذمر قط ، كانت هي التي تصبّرني ، وتخفف عني ، وتهوِّن علي .
وبعد أن استقرت في بلدنا مع الأبناء الذين كبروا كنت أرسل لها نفقة شهرية ، وبسبب عجزي تخلفت عن أن أرسل لها شيئاً في بعض الأشهر فكنت أسألها كيف تفعلين من أجل الإنفاق عليك وعلى الأبناء فتجيبني : الحمد لله معي زيادة ، الحال مستورة بفضل الله . وكنت أتساءل في نفسي : كيف يمكن هذا وأنا أعلم كثرة النفقات وشدة الحاجة ؟ لكني لما سافرت في إحدى الإجازات عرفت أنها باعت ذهبها وصارت تنفق من ثمنه … بارك الله فيها من امرأة صالحة .
لقد قلت لها عندما عرفت بيعها ذهبها : أسأل الله أن لا يحرمني منك . وكان لهذه الكلمة أثر طيب كبير في نفسها كما ذكرت لي بعد ذلك .
واسمحوا لي أن أوصي الأزواج بأن يكثروا من إسماع زوجاتهم كلمات طيبات ، فالكلمة الحلوة تجعل المرأة تطير من السعادة ، وعلى الزوج إذا أراد أن ينصح زوجته أن يفعل هذا بينه وبينها ، بعيداً عن الأهل والأولاد ، وبأسلوب رفيق رحيم ، كما قال الشافعي رحمه الله :
تعهدني بنصحك في انفرادٍ وجنبي النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه

أما وقفاتي فهي :
* لقد رضي أبو مصطفى بزوجته رغم ما أصابها من تشويه في جسمها إثر الحريق الذي تعرضت لـه .. فأرضاه الله تعالى بها . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مـن رضي فله الرضا ) .
* قدرت زوجته تلقيه أمر ما أصابها من تشويه بسبب الحريق بالرضا والتسليم ، وقابلت هذا بإخلاصها له ، وتفانيها في إرضائه ، وطاعتها له ، وعدم مخالفته في شيء .
* بارك الله في زواجهما وأولادهما فقد ذكر لي أن أولاده درسوا جميعاً وأكبرهم تخرج ليسانس آداب وتربية ، والثاني سيتخرج هذه السنة ليسانس صحافة ، والثالثة في كلية الحاسب الآلي ونظم المعلومات .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.