زوجي تزوج غيري ماذا أفعل ؟

زوجي تزوج غيري ماذا أفعل ؟
محمد رشيد العويد

أدخل عليّ السكرتير ملف الزوج الذي جاءني يريد استشارتي . فتحت الملف ومررت بعيني سريعاً أقرأ بعض المعلومات عنه : أبو عبدالرحمن . متزوج . مواليد 1967 .
ما هي إلا لحظات حتى دخل أبو عبدالرحمن . وكان وجهه مشرقاً بنور الإيمان وملامح الاطمئنان . مددت يدي أصافحه فصافحني ثم التفت وراءه وقال مخاطباً امرأة تـدخل خلفه على استحياء : تعالي يا أم محمد .
قلت في نفسي : هو أبو عبدالرحمن وهي أم محمد فإما أنها أخته أو أنها زوجته ولكنها ليست زوجته الأولى .
كانت امرأة منقبة ، لم أسمع صوت إلقائها السلام من شدة حيائها .
دعوت أبا عبدالرحمن وأم محمد إلى الجلوس فجلسا . قلت لأبي عبدالرحمن : زوجتك الثانية ؟
أجاب مبتسماً : هي الآن الأولى .
قلت : وأم عبدالرحمن ؟
قال : انفصلت عنها قبل زواجي من أم محمد .
كعادتي في البدء بالسؤال عن الإيجابيات قبل السلبيات ، عما يرضاه أحد الزوجين في الزوج الآخر قبل أن أسأله عما يشتكيه فيه ، قلت لأبي عبدالرحمن : ماذا تحمد في أم محمد من أخلاق ؟
أجابني والرضا يفيض من وجهه : كل شيء . أم محمد نعم الزوجة ، نعم الحبيبة ، نعم الأم . باختصار : هي صحابية من القرن الهجري الأول خلقها الله سبحانه في القرن الهجري الخامس عشر .
قلت : بسم الله ما شاء الله . إذن أنت لا تشتكي فيها شيئاً .
قال : على الإطلاق .
قلت : ممازحاً . هل لها أخت ؟
أجابني : أي والله عندها أخت أصغر منها . عندها سمعت صوت بكاء أم محمد وأحسست بدموعها تسيل على خديها من وراء نقابها فناولتها علبة المحارم الورقية وأنا أسأل أبا عبدالرحمن : ما المشكلة إذن ؟
قال : هي التي تشتكي فيَّ ما تشتكي .. أما أنا فلا أشتكي فيها شيئاً .
التفت إلى أم محمد التي كانت تجهش في البكاء : قولي يا أم محمد .. ماذا تشتكين في زوجك .
سكتت ولم تجب . مازالت تبكي بحزن وألم .
نظرت في زوجها فقال : أنا أخبرك .
قلت : تفضل .
قال : إنها حزينة لأنني تزوجت امرأة أخرى قبل ثلاثة أشهر .
قلت : لنقل امرأة ثالثة بعد أم عبدالرحمن وأم محمد .
قال : والله إن أم محمد أحبُّ إلى قلبي ، وأغلى عندي ، وأنا أقول دائماً إن الله تعالى أنعم بها علي ، وأنا أسعد الرجال حظاً بها .
قلت لأم محمد : لم أسمع منكِ شيئاً يا أم محمد . قولي أي شيء .
ظلت أم محمد صامتة . لا تقول شيئاً . سألتها : هل تريدين أن أتكلم وتؤجلين كلامك بعد ذلك .
أجابت بصوت خفيض وفي حياء شديد : نعم .
قلت : تعلمين أن الله سبحانـه أقسم على أن يبتلينا في هـذه الحيـاة الدنيـا فقال جل شأنه (( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين )) أفلست معي في أن ابتلاءك بزواج زوجك أهون من ابتلائك بإصابة أحد أبنائك بأذى كبير ؟
ألا تعلمين أن هذا الحزن الذي يملأ قلبك ، وينغص عليك عيشك ، سبب في كسبك الأجر والثواب ، كما قال عليه الصلاة والسلام (( ما من شيء يصيب المؤمن من نصب ، ولا حزن ، ولا وصب حتى الهم يَهمُّه إلا يكفر الله به عنه سيئاته )) وفي رواية البخاري ومسلم ( ما يصيب المسلم من نصب ، ولا وصب ، ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ، ولا غمّ ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفرَّ الله بها من خطاياه )) متفق عليه .
ولقد كان زواج زوجك سبباً في شعورك بالغم ، وإحساسك بالهم ، حتى جعلك تحزنين وتبكين ، وهذا كله تكفير لخطاياك ورفع لدرجاتك . يقول ابن حجر في شرح الحديث : الغم : ما يضيق على القلب والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده ، قال الكرماني : الغم يشمل جميـع أنواع المكروهات .
قالت : هذا إذا رضيت بزواجه ، ولكني لا أستطيع أن أقوى على إشعاري نفسي بالرضا .
قلت : إن الأجر يتحقق بمجرد حصول ما أحزنك ، وهو زواج زوجك ، حتى وإن لم ترضي ، فقد ذكر ابن حجر رحمه الله أن هذه الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة ، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة . قال القرافي : المصائب كفارات جزماً سواء اقتـرن بها الرضا أم لا ، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير ؛ وإلا قلَّ .
قالت : إذن أرضى حتى يزيد أجري ويعظم ثوابي .
قلت : بارك الله فيك .
قال زوجها : حين وجدت حزنها الشديد عرضت عليها أن أطلِّق زوجتي الأخرى لكنها رفضت .
قلت : هذا يؤكد أنك تسلمين بذلك ، ومن ثم يتأكد حصولك على الأجر العظيم إن شاء الله .
قالت : ما أريده هو أن يزول ما في قلبي من غيرة وقلق وحزن .
قلت : أنصحك بأمرين ؛ أولهما التوجه إلى الله تعالى بالدعاء أن يشرح سبحانه صدرك ، وأن ينزل عليك سكينتـه ، وأن يسلل سخيمة قلبك ، وأن يرضيك ، ويفرج همك ، ويزيل غمك ، ويبعد كربك .
قالت : والثاني ؟
قلت : أن تنظري إلى إيجابيات زواج زوجك .
قالت : وهل لزواجه إيجابيات ؟!!
قلت : نعم . ومنها ما يأتيك من أجر على ما تشعرين به من هم وغم وحزن كما ذكرت لك قبل قليل .
قالت : وغير هذا ؟
قلت : ألم تجدي زوجك منذ زواجه من تلك : ألين لك وأسرع في تلبية حاجاتك وطلباتك ؟
قالت : والله هذا هو الذي وجدته فيه فعلاً . صار أقرب إلي ، وأعطف علي ، وأرحم بي ، وكأنه يداوي جرحاً أحدثه هو فيَّ .
قلت : ولو تأملت في ذهابه إلى زوجته الأخرى ليلة بعد ليلة لوجدت في بعده هذا عنك فرصة لخلوة مع الله سبحانه ، وراحة من طلبات زوجك الكثيرة ، وتفرغاً لعمل أشياء تحبينها ما كنت تجدين لها وقتاً بسبب تلبيتك المستمرة لطلبات زوجك وحاجاته .
قالت : أراك تريد أن تجعل من زواج زوجي أمراً مفرحاً لي لا له .
قلت مبتسماً : أجل ، وهكذا يحسن بالمسلم أن يكون دائماً : مستبشراً بكل ما يصيبه من سراء وضراء . أما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( عجباً لأمر المؤمن ؛ إن أمره كله له خير ، و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )) صحيح مسلم .
قالت : أرجوك أن تدعو لي .
قلت : اللهم اشرح صدرها ، واملأ قلبها رضا بكل ما يصيبها ، وأجزل لها الأجر ، وأعظم لها الثواب ، ويسِّر لها أمرها ، وفرِّج عنها همها ، ووفقها إلى كل خير .
قالت : جزاك الله خيراً على هذا الدعاء .
بعد أن قاما ليغادرا صافحت زوجها وأنا أوصيه بها خيراً .
وفي اليوم التالي اتصل بي زوجها يطمئنني أن زوجته في أحس حال والحمد لله .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.