سليم وسيارته الجديدة

سليم وسيارته الجديدة
محمد رشيد العويد

فرح سليم بسيارته الجديدة التي اشتراها ، فقد كانت من النوع الذي يحبه ، كما أن اللون الذي يفضله كان متوفراً لدى الشركة ، وما كان منه إلا أن أكمل إجراءات عملية الشراء ، وأُخبر أنه يستطيع تسلم السيارة بعد ثلاثة أيام يتم خلالها تسجيلها باسمه لدى إدارة المرور .
صار سليم يحدث أهله عن السيارة ، وجمال شكلها ، وميزاتها ، وهو فرح مسرور ، يحلم بسياقتها ، والتمتع بها ، ، واصطحاب أهله فيها .
مضت الأيام الثلاثة ، وذهب سليم لتسلُّم السيارة وأجرى ما يلزم لذلك ، وقام العمال بغسلها له أمامه ، فزاد بريقها ظهوراً .
ركب سليم سيارته أخيراً ، وساقها متجهاً إلى بيته ، وما إن انطلق بها خارج مرآب الشركة ، حتى أصدرت صوت تنبيه ، نظر إلى اللوحة الزجاجية أمامه فظهرت إشارة حزام الأمان ، فعرف أنه لا بد من وضع الحزام حتى يتوقف الصوت ، فوضعه على مضض حتى يتخلص من صوت التحذير الذي يصدره .
مضت أيام وسليم سعيد بسيارته الجديدة ، مستمتع بسياقتها ، ولم يكن يزعجه منها سوى صوت التنبيه الذي لا يتوقف حتى يضع حزام الأمان .
كان سليم يحب الانطلاق ، ويضيق بأي قيد يحد من حريته ، ومن ثم فإنه ما كان يرتاح إلى حزام الأمان ، ولا يريد وضعه ، لكن صوت التنبيه الذي تصدره السيارة كان يوتر أعصابه فيضع الحزام مُكرهاً مُرغماً .
قرر سليم أن يتوقف عن وضع حزام الأمان الذي يراه وثاقاً يُشَدُّ عليه ، ويجثم فوق صدره ، وكان لا بد من أن يوقف صدور صوت التنبيه المزعج الذي يضطره إلى وضع الحزام ، فتوجه من أجل ذلك إلى الشركة التي اشترى سيارته منها لتقوم هي بذلك .
في مكتب مدير المرآب ، التابع لوكالة السيارات ، أبدى سليم رغبته في إيقاف المنبه المزعج ، الذي تصدره السيارة بعد انطلاقها بقليل .
سأله مدير المرآب : ولماذا تريد إيقافه ؟
أجابه سليم : لأنني لا أريد أن أضع حزام الأمان .
قال المديـر بلـطف : ولكن الحزام وضع ليحميك ويوفر لك الأمان كما هو وصفه ( حزام الأمان ) .
قال سليم : يا أخي بلا أمان بلا بطيخ ، أنا أسوق من أكثر من عشرين سنة ولم أجده نفعني يوماً .
رد المدير بهدوء مع ابتسامة : لكنه قد ينفعك في مستقبل الأيام ، مع تمنياتي لك بالسلامة .
قال سليم : يا أخي ؛ هذه حياتي وأنا حر فيها .
رد المدير بشيء من الحزم وقد غابت ابتسامته : نحن لا نملك تغيير صناعة المصنع ، ثم إن إدارة المرور تلزم وضع الحزام ، فإذا أحببت عدم وضعه ، وكان صوت التنبيه يضايقك فاذهب إلى أي كهربائي يغيره لك .
هذا حال الرجل الذي يحلم بالزواج ، ويشتاق له ، ويحلم بالسعادة في حياته مع زوجته ، فإذا ما تزوج فوجئ بزوجته تطلب وتشتكي ، وتلوم وتنتقد ، فيسأم منها ويضيق بنقدها ، ويريدها أن تترك هذا كله فلا تستجيب .
يهجرها ، يحرمها ، لا يكلمها ، فترجع وتعده أن تكون له مثل ما يريد ، ولكن ما إن تمضي أيام قليلة حتى تعود إلى طباعها ، ويعود لسانها إلى الشكوى واللوم .
لقد أرشدنا النبي  إلى أن الحل هو في الرضا والصبر ، ودعانا إلى التوقف عن محاولة التغيير لأنها لن تنجح ( استوصوا بالنساء خيراً ، فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وكسره طلاقها ، فاستوصوا بالنساء خيراً ) متفق عليه .
وفي رواية أخرى يؤكد  أنها لن تستقيم لنا على طريقة ( إن المرأة خلقت من ضلع ، لن تستقيم لك على طريقة ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ) صحيح مسلم .
يقول النووي رحمه الله : في هذا الحديث ملاطفة النساء ، والإحسان إليهن ، والصبر على عوج أخلاقهن ، واحتمال ضعف عقولهن ، وكراهة طلاقهن بلا سبب ، وأنه لا يطمع باستقامتها ، والله أعلم .
ولو فهم الرجال هذا جيداً وعملوا بما أوصاهم به النبي  من رفق بالمرأة ، وصبر على ما يصدر عنها من قول وفعل ، لسلمت بيوت كثيرة ، واستقرت ، وابتعد الطلاق عنها .

وهذا مزيد من البيان لما جاء في هذه الأحاديث النبوية التي أخرج مسلم في صحيحه ثلاثة منها وأخرج الرابع البخاري في صحيحه :
* دعوة صريحة واضحة من النبي  لكل رجل أن لا يحاول تغيير الطبيعة التي خلق الله سبحانه كل امرأة عليها .
ما هي هذه الطبيعة ؟ إنها الطبيعة العاطفية التي تجعل المرأة سريعة الانفعال ، مرهفة الإحساس ، رقيقة المشاعر . فإذا حاول الرجل أن يغير هذه الطبيعة في المرأة لتكون له مثلما يريد لم ينجح ، فإذا أصر على التغيير وقع الطلاق .
إن فهم هذه الطبيعة في المرأة ، وإدراك أن تغييرها لا يمكن أن يتـم ، يجعل الرجل صابراً على زوجته ، محتملاً لها ، حتى وإن ناله بسببها ما يناله من أفعال وكلمات تحزنه وتؤذيه .
* ويؤكد أنه سينال الرجل من لسان المرأة ما يناله قوله  (( وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه )) فقد قال ابن حجر : فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها .. فليحتمل الرجل ما يصدر عن لسان المرأة من كلمات يؤذيه لفظها أو معناها أو لفظها ومعناها معاً .
* ذاك التسليم بطبيعة المرأة ، وهذا الصبر على ما يصدر عنها ، يبعدان الطلاق والتفكير فيه والنطق به عن ذهن الرجل ولسانه . لقد قال  (( فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها )) وفي رواية البخاري يعود الكسر إلى الضلع (( فإن ذهبت تقيمه كسرته )) . يقول ابن حجر : (( قيل هو ضرب مثل للطلاق ، أي إن أردت منها أن تترك اعوجاجها أفضى الأمر إلى فراقها )) ووجدنا النووي يشير إلى (( كراهة طلاقها بلا سبب )) .
فليحرص كل زوج على استحضار هذا حين يضيق بزوجته ، وينفر من عنادها ، ويسأم من شكواها ، ويفكر في طلاقها ، مستذكراً أن النساء كلهن هكذا ، ولا يمكن تغييرهن ، وليس له إلا الصبر على زوجته واحتساب ذلك عند الله .
* في الحديث الثاني الذي أخرجه مسلم قرأنا قوله  (( لن تستقيم لك على طريقة )) وتصلح هذه الكلمات لتُخَطَّ بحروف كبيرة على لوحة يعلقها الرجل في مكتبه ، ويحفظها في قلبه ، ويكثر من ترديدها على لسانه ، ويستحضرها في عقله كلما وجد في زوجته ما لا يرضيه من طباعها وتصرفاتها وكلماتها .
وأذكر هنا شاباً اتصل بي يرجوني أن أصلح بينه وبين زوجته التي تركت بيتها إلى بيت أهلها بسبب ضربه لها . ولما سألته إن كان يضربها للمرة الأولى قال إنه يضربها كثيراً لأنها (( لا تنعدل مهما أمرها وكرر عليها )) . وعرفت منه أنها متدينة وذات خلق وأنها زوجة صالحة لكن طباعها لا تتغير ! فابتسمت وقلت له : ولن تتغير ؛ أما أخبرنا النبي  بأن المرأة لن تستقيم لنا على طريقة ؟ فسألني متعجباً : هل قال هذا النبي  ؟ قلت : نعم . وشرحت له ما ذكرته في الأسطر السابقة من كلام فقال : أعاهدك على أن لا أضربها بعد اليوم . قلت له : أتقسم على ذلك ؟ قال : أقسم . فاتصلت بزوجته وبشرتها بان زوجها عاهدني على أن لا يضربك بعد الآن وأقسم على ذلك . فجاءت ، ووفق الله إلى مصالحتهما . وعلى الرغم من مضي أشهر كثيرة على هذا فإن الزوجين لم يتصلا بي بعد ذلك مما يبشر بعدم تكرار ضرب الشاب لزوجته بعد ذلك .
* ينبغي علينا أن ننشر هذا الفهم للأحاديث النبوية الشريفة السابقة ، وأن نوصي الرجال بالعمل بما تدعو إليه ، فهذا ما أمرنا به النبي  في الحديث الرابع الذي أخرجه البخاري فقد بدئ بقوله عليه الصلاة والسلام (( استوصوا بالنساء )) يقول ابن حجر : معناه تـواصوا بهن ، وقال الطيبي : أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن ، أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن كمن يعود مريضاً فيستحب له أن يحثه على الوصية ، والوصية بالنساء آكد لضعفهن واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن ، وقيل معناه : ( اقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن ) . فتح الباري – ج 6 حديث 3331 .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.