شدة في رفق

شدة في رفق
محمد رشيد العويد

تعود معرفتي به إلى عهد الطفولة . كان رقيقاً في طبعه ، رفيقاً في عشرته ، عفّاً في لسانه ، لطيفاً في تعامله . يكره الجدل ويبتعد عنه ابتعاد الصحيح من المجذوم .
لم يكن يختلف مع أحد ، يحاور بهدوء ، فإن وافقه الرأي أظهر تأييده له ، وأوضح وجهة نظره فيه ، وإن خالفه آثر الصمت .. حتى لا يخوض في جدال لا يحبه .
كان الاطمئنان شديد الظهور في وجهه ، لاستقراره في قلبه ونفسه ، ولرضاه المطلق بكل ما يقدره الله له ، لم أسمعه يوماً يشكو من شيء ، أو يتبرم من حال .
من لطائفه أنه كان يقرض كل من يستقرض منه ، ولا يرد أحداً ، وما علمت أنه اقترض من أحد ، أو طالب أحداً بما أقرضه .. فإن رد المقترض ما اقترضه منه أخذه وهو يستمهله : ( إن كانت لك فيه حاجة .. فاتركه عندك إلى وقت آخر ) .
جميع من عرفت من أصدقائه وزملائه كان يحبه ، فما كانت له رغبة عند أحد ، زاهداً بما في أيدي الناس ، قلّما يسأل حاجة أو يطلب طلباً .
ولعل هذا كله يفسر الاطمئنان والرضا اللذين كانا لا يفارقانه .. اللهم إلا في حالة واحدة .. كنت أرى فيها علامات قلق خفيف تعلو وجهه المطمئن . تلكم هي الحالة التي كان يتحدث فيها الشباب المتزوجون أمامه عن مشكلاتهم الزوجية ، ومعاناتهم من عدم انقياد زوجاتهم لهم ، وتذمرهم الدائم من الحياة الزوجية ، وغيابهم شبه المستمر عن البيوت .. هرباً من المشاجرات التي تنغّصهم .. وتعكّر أمزجتهم .. وأحسب أن هذا القلق كان وراء تأخر زواجه إلى ما بعد الثلاثين من عمره .
لكننا كنا نتوقع له حياة زوجية سعيدة لأخلاقه وطباعه التي أشرت إليها ، من رفق ولطف وكراهية جدل .
ولقد صدق ما توقعناه منه ، فقد كان بعد زواجه أكثر اطمئناناً ورضى ، يؤثر الجلوس في البيت على ما سواه .. وكثيراً ما يعتذر من صحبه عن الإطالة في سهرة أو غيرها . ليعود إلى البيت بلهفة ظاهرة .
لهذا كله .. وقع خبرٌ همس به في أذني أحد الإخوة .. وَقْعَ الصاعقة علي . لقد أخبرني أن صاحبي يوشك أن يطّلق زوجته .
(( كلهم يكمن أن يطلق زوجته إلا هو )) . هذا ما تـردد في نفسي ، وربما تردد علي لساني ، إثر همس الهامس في أذني .. بهذا الخبر المفاجئ حقاً !
أسرعت في الاتصال بصاحبي ، وأخبرته برغبتي الملحة في زيارته .. الآن إن أمكن . رحّب بي غاية الترحيب ، في لطفه ومودته المعهودين .
لم تمض ساعة إلا وكنت معه في بيته .
قلت : لم أصدق ما سمعت .
قال : وما سمعت ؟
قلت : تريد أن تطلق زوجتك ؟
قال ( بعد صمت قصير ) أرجو ألا يصل الأمر إلى الطلاق .
قلت : إذن ثمة خلاف شديد .
قال : لا أدري بما أصفه .. لكنه خلاف على أي حال .
قلت : متى بدأ ؟
قال : قبل عام .. ووصل مداه هذه الأيام .
قلت : أأنت تختلف مع أحد ؟!!
قال : يبدو أنني لا أفهم النساء … !
قلت : لكنك اشتهرت بحب زوجتك وبيتك .. وتعلقك الشديد بطفلتك الصغيرة .. وكنا نتحدث عن سعادتك ونجاح زواجك .
قال : هذا ما بدا لي في السنتين الأوليين … لكني لا أدري ماذا جرى في هذه السنة الثالثة .
قلت : هل أستطيع أن أعرف ما يكمن من تفاصيل عن هذه الخلافات ؟
قال : صدقني يا أخي أني لم أقصّر في واجب من واجبات البيت .. ليس هناك طلب خاص لم أُلبِّه لها … أترك لها حرية التصرف في كل شيء .. مرتبي أسلّمه لها لتعطيني منه وتنفق على البيت وتوفّر منه ما توفر … لا أذكر أني خالفتها في أمر … أو نازعتها على شيء … أنت تعرف طبعي … أكره الجدال ولا أحبه .. أُخيرّها في كل شيء .. تسألني ماذا تريد أن تأكل اليوم … أقول لها اطبخي ما شئت .. لم أمنعها يوماً من زيارة أهلها … حتى تقصيرها في كثير من واجباتها نحو بيتها ونحوي .. أتغاضى عن كثير منه .
قلت (( وقد بدأت أمسك بخيوط المشكلة )) : كيف نشأ الخلاف إذن ؟
قال : لم تقدّر هذا كله … صارت إذا طلبتُ منها شيئاً لا تفعله … ردودها في الكلام قاسية .. تثور لأتفه الأسباب .. تصرخ دائماً قائلة : لقد مللت … مللت … مللت . كثيراً ما تصب جام غضبها على ابنتي الصغيرة .. فأتصدى لها .. وأمنعها . لا أخفي عليك أني ماعدت أصبر على سلوكها وتغيرها .. وصرت أصرخ فيها كما تصرخ هي في وجهي . حتى كان ما كان قبل أيام .
قلت : ماذا حدث ؟
قال : لقد صفعتها بكل ما أوتيت من قوة .
قلت : وأين حلمك ؟
قال : اتقوا ثورة الحليم .
قلت : ولم صفعتها ؟
نظر في عيني صامتاً . وأدركت أنه يتحرج من البوح بالسبب .
قلت : لعلها جرحت شعورك بعبارة .
قال متحمساً متألماً : فعلاً .. ثرتُ عليها لأنها ضربت ابنتي ضرباً مبرحاً إثر كسرها كأساً .. وصرختُ فيها : لماذا تضربينها ؟ فردت : لأنه ليس في البيت رجل يربّيها … ! فلم أملك إلا أن هويتُ على وجهها بكفي .. بكل ما اشتعل في نفسي من غضب .
أردف وقد تهدج صوته : أي تربية تلك في ضرب طفلة لم تتجاوز السنتين ؟!
قلت : وماذا حدث بعد ذلك ؟
قال : انطلقت غاضبة إلى بيت أهلها وهي تصرخ :: طلّقني .. لا أريد العيش معك ..
قلت : ومازالت هناك ؟
قال : أجل .
قلت : منذ متى ؟
قال : من قبل أربعة أيام .
قلت : هل تسمح لي بمصارحتك ؟
قال : قل ما شئت .
قلت : أنت ساعدتها في الوصول إلى هذه الحال .
قال : أنا … ؟!
قلت : لا يختلف اثنان في رقة طبعك ، ولطف معشرك ، ورفق تعاملك .. وهذا والله من الخلق الحسن الذي يرضاه الله ورسوله ، ويعدان صاحبه بالثواب العظيم في الآخرة ، والمرأة تحب هذه الصفات وترضاها .. لكنها تريد معها شيئاً آخر .
قاطعني : ماذا تريد ؟
قلت : تريد مع رقة طبعك حزماً ، ومع عذوبة لسانك حسماً ، ومع لطف معشرك عدم تردد ، ومع رفقك بـها قوة ظاهرة مسيطرة . هكذا خلق الله المرأة .. ولهذا جعل سبحانه للرجل القوامة عليها …
قال : وماذا كان عليَّ أن أفعل ؟
قلت : كان عليك منذ بداية زواجك أن تقرر أنت كل شيء .. لا بأس من استشارتـها وأخذ رأيها … لكن صدور القرار يجب أن يكون منك .. حتى ولو كان موافقاً لرأي زوجتك …
كان عليك ألا تخيرّها في كل شيء .. وأن تختار أنت كثيراً من الأشياء .. لماذا كنت تخيرها في طبخ ما تريد ؟ لماذا لا تقول لها : نفسي اليوم في أكلة كذا ؟ لماذا تلبي لها كل ما تطلب .. ؟ ألم تكن هناك أشيـاء لا حاجة لها ؟ لماذا لا تقول لها : لا ؟ إن كلمة (( نعم )) دائماً ، وعبارة (( افعلي ما شئت )) .. و (( كما تحبين )) … قد ترضي المرأة في البداية .. لكنها مع الزمن تجعلها تسأم وتضيق … وتشعر أن حاجتها إلى رجل يأمرها وينهاها .. لم تُلبَّ .
واسمع يا أخي إلى ما وصل إليه نائب رئيس معهد العائلة في كاليفورنيا والأستاذ المساعد للتحليل النفسي في جامعتها ؛ بعد مجموعة من الدراسات التي أجراها والخبرة التي حصل عليها خلال عمله الطويل في التحليل النفسي ، إنه يلخص ما وصل إليه بقوله : (( مازالت المرأة تبحث عن القوة والكفاءة في الرجل الذي تفضله لحياتها )) . وتأمل كلماته التالية (( كثيراً ما أسأل المرأة عن أحاسيسها حين تلتقي رجلاً حساساً ، وشديد العناية ، ومنفتحاً .. وهي الصفات التي قيل إن المرأة ترغب فيها خلال السنوات الأخيرة .. لكني أفاجأ بأن المرأة لا تحب هذا النمط من الرجال .. لأنه لا يشعرها بالراحة .. بل إنها تشعر أنها ليست مع رجل حقيقي )) .
قال : سبحان الله .
قلت : يضيف هذا الخبير ، وهو الدكتور لارتون شيفتر ، أنه سأل النساء فيما إذا كُنَّ على استعداد لقبول الانفتاح والمبادرة في الرجل بدلاً من القوة والكفاءة فقلن جميعاً : نريد القوة والكفاءة قبل أي شيء آخر .
قال : وهل كان عليَّ أن أتخلى عن رفقي وليني ؟
قلت : لم أقل هذا . النبي عليه الصلاة والسلام يقول (( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نُزع من شيء إلا شانه )) . وأنا لم أَدْعُكَ إلى التخلي عن الرفق .. إنما دعوتك لتجعل رفقك في قوّة ، ولينك في حزم ، ورقتك في حسم …
قال : أجمع بين المتناقضات ؟!
قلت : ليست تناقضات . ولأعطك مثلاً : ألم يمرّ بك وأنت على مقاعد الدراسة .. معلم لا يسمح لتلميذ من تلاميذه بالخروج على النظام .. وتجاوز الحد .. دون أن يضربهم أو يعاقبهم ؟ يعلمهم ويوجههم دون أن يصرخ فيهم ويغضب منهم ؟ يلزمهم بطاعته وهم يحبونه ؟
قال : .. كثيرون من المعلمين كانوا كذلك ..
قلت : لو افترضنا أن هذا المعلم .. تساهل في محاسبة تلاميذه على عدم كتابة واجباتهم .. أو حفظ دروسهم .. أما كانوا سيهملون ، مع الأيام ، إلا قليلاً منهم ؟ أو أنه ترك لهم حرية العبث في الفصل .. والحديث أثناء شرح الدرس .. أما كانت الفوضى ستعم الفصل ويصعب ضبط التلاميذ ؟
قال : صحيح .
قلت : وهكذا يحسن أن يكون الزوج : غير متساهل في تقصير زوجته في حق الله ، أو في حقه . يأمرها بكل معروف .. وينهاها عن كل منكر . لا يترك لها الأمر على هواها .. بل يشعرها بوجوده في كل شأن .. وبضرورة موافقته على كل أمر ذي بال …
قال : أي أني سأفتح جبهة في البيت .. ! إني والله لا أحب هذا .. لماذا لا نجعل الأمور هينة يسيرة .. كانت حياتنا في البداية سعيدة .. ولم نكن بحاجة لهذا .. فلماذا الآن ؟
قلت : للحياة الزوجية في بدايتها بهجة تغطّي كثيراً من السلبيات التي لا تظهر إلا بعد مرور مدة طويـلة نسبياً على الزواج .. والجبهة التي لا تريد أن تفتحها في البيت .. أنت الذي أخذت بأسبابها .. وأوصلتك إلى هذه الصفعة على خد زوجتك …
قال : سأحاول أن أغيرّ من طبعي ما استطعت .. وأن أكون حازماً آمراً ناهياً مقرراً لكل شيء في البيت .. حسن هذا ؟
قلت : دون أن تتخلى عن رفقك ولينك ؟
قال : وهل أستطيع أن أتخلى عنهما !
قلت : ومتى ستبدأ بتطبيق هذا الحزم والأمر والنهي ؟
قال : فور أن أعيد زوجتي إلى البيت !
قلت : ماذا قلت ؟
قال : فور أن أعيد زوجتي !
قلت : بل قبل ذلك !
قال : ماذا تعني ؟
قلت : الحزم يقتضي ألا تعيدها أنت .. بل أن تأتي هي بنفسها .. لأنها خرجت بنفسها .
قال : لكني صفعتها .
قلت : مهما يكن .. فما كان عليها أن تخرج من بيتها دون إذنك .
قال مبتسماً : والله شيء جميل …
أردف : ولكن .. إذا لم ترجع ؟
قلت : سترجع .. أو يرجعها أبوها .
بعد ثلاثة أيام اتصل بي قائلاً : أبشرك .. لقد عادت .
قلت : لا تنسَ ما اتفقنا عليه .
قال : إن شاء الله .
بعد ستة أشهر ، كان في زيارتي ، طمأنني بأن حياته عادت أسعد مما كانت عليه ، وكان مما قاله لي :
– هل تصدق ماذا قالت لي زوجتي قبل أيام في جلسة مودة جمعت بيننا ؟
قلت : هات أخبرني .
قال : قالت إنها على الرغم من أنها تألمت من الصفعة التي هويت بها على وجهها ، وكراهيتها لي في تلك اللحظات ، إلا أنها أحست لأول مرة برجولتي !
قلت ضاحكاً : ولكن احذر أن يدفعك هذا إلى تكرار الصفعة !
قال ضاحكاً أيضاً : اطمئن .. فقد جعلت كلامك شعاراً لي : حزم في لين .. وشدة في رفق .. !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.