عبدالرحمن وزوجته من الحور العين

عبدالرحمن وزوجته من الحور العين
محمد رشيد العويد

كان عبدالرحمن شاباً صالحاً ، رقيق الحاشية ، مهذب الطباع ، مرهف الإحساس ، يضيق بأي كلمة غير طيبة يسمعها ممن حوله ، وكانت أمه تعرف فيه هذا فتداريه وتحيطه بحبها وعطفها ورعايتها .
ذات يوم قالت له أمه : لقد كبرت يا عبدالرحمن ، وآن لك أن تتزوج ، فهل ترغب في إحدى قريباتك نخطبها لك أم تفضلها من غير العائلة ؟
أجاب عبدالرحمن على الفور : أرجوك يا أمي ، لا رغبة لي في الزواج .
قالت له أمه : ولكن الزواج من سنن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال عبدالرحمن : أعلم يا أمي ، ولكنني لا أريد أن أقصر في برك والإحسان إليك .
تساءلت أمه متعجبة : ومن قال إنك ستقصر في بري والإحسان إلي .
ابتسم عبدالرحمن قائلاً : كل امرأة تريد زوجها لها وحدها ، وستعمل على إبعاد زوجها عن أمه شعرتْ بهذا أم لم تشعر .
ابتسمت أمه بدورها وقالت : يا عبدالرحمن .. النساء لسن سواء .
قال عبدالرحمن : إذا وجدتِ امرأةً مثلَكِ .. لا تصرفني عنـك ولا تشغلني عن برك فأنا أتزوجها .
وافقت الأم على شرط ابنها ، وبدأت تبحث له عن الفتاة التي يتحقق فيها ما اشترطه عبدالرحمن فيها .
وبعد أشهر قليلة جاءت أم عبدالرحمن تبشر ولدها بأنها وجدت له المرأة التي يطلبها .
وافق عبدالرحمن ، وتزوج من المرأة التي اختارتها له أمه ، فكانت مثل ما تمنى وأراد : امرأة صالحة ، تحبه وتخلص له ، تطيعه وتحسن إليه ، وكانت جميلة جداً ، متدينة تقية ، من أسرة كريمة ، وكان عبدالرحمن متعلقاً بها ، لا يقوى على مفارقتها ، مخلصاً لها ، عطوفاً عليها .
وذات يوم أبلغه مديره في العمل أنه اختير ليسافر في بعثة حكومية مدة شهر واحد يتعلم خلاله لغة أجنبية في دورة مكثفة . فقال له عبدالرحمن : لا أستطيع السفر دون زوجتي . فقال المدير : البعثة تشترط سفرك وحدك حتى لا تتكلم العربية هناك .
حين عاد عبدالرحمن إلى بيته من عمله بعد الظهر ، لاحظت زوجته آثار قلق في وجهه ، فسألته عن سر هذا القلق فأخبرها بأمر البعثة .
ابتسمت زوجته وقالت له : وهل هذا أمر مقلق يا حبيبي ، هذا خبر مفرح سار ، تسافر إلى بلد أوروبي على حساب الدولة ، وتتعلم لغة أجنبية تفيدك في عملك وحياتك .
قال لها زوجها : ولكنني لا أستطيع أن أبتعد عنك شهراً كاملاً ، فشرط البعثة أن أكون وحدي حتى لا أتكلم العربية مع أحد ، لأنني سأقيم مع أسرة في بيتهم حتى أضطر لمحادثتهم بلغتهم .
أجابته زوجته : سيمضي الشهر سريعاً يا حبيبي ، وتعود إلينا ومعك شهادة بإتقان هذه اللغة ، ولا تحمل همَّ بُعدك عني وبُعدي عنك فسنتواصل بالهاتف كل يوم إن شاء الله .
نجحت زوجته في إقناعه بقبول البعثة وسافر عبدالرحمن إلى هناك ، وكان يتواصل مع زوجته يومياً يحدثها عن حياته والمعهد الذي يذهب إليه صباحاً ليعود بعد الظهر إلى الأسرة التي يقيم فيها .
في اليوم الرابع من سفر عبدالرحمن ، وفي اتصاله اليومي المسائي المعتاد لاحظت زوجته رنة حزن في صوته فسألته عن ذلك فشكا إليها المرأة التي يقيم في بيتها ، وقال لها : إنها امرأة شديدة ، تقسو عليّ في التعامل ، وتحاسبني إذا تأخرت في العودة إلى البيت وكأنني واحد من أفراد أسرتها ، وتلزمني تناول الطعام الذي تقدمه لأسرتها ولو لم أكن أحبه . لقد تعبت منها وأريد أن أعود إلى الكويت .
خففت زوجته عنه ، وهدّأت من روعه ، ودعته إلى الصبر ، وذكّرته بأنها أيام قليلة وتمضي ليعود إلى الكويت ويلتقيان من جديد .
استجاب عبدالرحمن لدعوة زوجته التي يحبها ، ووعدها بالصبر على صاحبة البيت الذي يقيم فيه .
في اليوم العاشر ، وفي الاتصال الهاتفي اليومي ، أحست زوجة عبدالرحمن برنة الأسى التي سمعتها سابقاً في صوته قد عادت إليه من جديد ، بل بشكل أشد ، فسألته مستفسرة عن حاله مطمئنة عليه : خير يا عبدالرحمن ؟ أجابها زوجها : إنها نفسها ، صاحبة البيت ، ما عدت أستطيع الصبر عليها .
قالت له زوجته : دعني أكلمها . قال عبدالرحمن إنها لا تعرف العربية . قالت زوجته : أجل ، ولكني أعرف لغتها .
ذهب عبدالرحمن بهاتفه النقال إلى المرأة صاحبة البيت وأعطاها الهاتف وهو يقول لها : زوجتي تريد أن تكلمك .
تناولت المرأة الأجنبية الهاتف ؛ فسلمت عليها زوجة عبدالرحمن ثم قالت لها : اتقي الله أيتها السيدة ، ولا تسيئي إلى زوجي ، وأحسني إليه ، إنما هي أيام قليلة بقيت من إقامته عندكم ، وسرعان ما تمضي هذه الأيام ليعود إليَّ لأُسعده وأحسن إليه .
أحس عبدالرحمن بشيء من الراحة بعد أن اعتذرت إليه المرأة صاحبة البيت وقد أثّر كلام زوجته فيها . وزاد شوقه إلى زوجته وهو يعد الأيام عداً حتى يجيء يوم عودته إليها .

والآن ، أخي الزوج المسلم المؤمن :
هل أحزنك كلام زوجتك القاسي ، وآلمتك ألفاظها الجارحة ، وآذاك لسانها الطويل ؟
لعلك خرجت من بيتك ذات يوم ، هارباً من لسان زوجتك السليط ، تلتمس أحداً تشتكي إليه ليواسيك ، ويخفف عنك ، ويطيب خاطرك .
وتتمنى لو أن هذا الواحد كان امرأة صالحة تتزوجها ، لتجد فيها ما افتقدته في زوجتك ، ولتسمع منها كلاماً طيباً ينسيك همك ، ويبدد حزنك ، ويكشف غمك .
زوجة أخرى تسكن إليها فتسكن معها أعصابك المتوترة ، ومشاعرك القلقة ، وأحاسيسك المتعبة .
زوجة تواسيك قائلة : لا تكترث بما تقوله لك زوجتك الأولى ، زوجتك غير الشاكرة ، زوجتك النكدة ، زوجتك التي تنغص عليك عيشك ، وتعكر عليك صفوك ، وتحرمك سلام نفسك .
زوجة تقول لزوجتك الأولى : اتقي الله يا امرأة ، وأحسني إلى زوجك الذي أحسن إليك ، وأكرميه كما أكرمك ، لا تؤذيه قاتلك الله .
النبي صلى الله عليه وسلم يخفف عنك أيها الزوج المبتلى بمثل هذه المرأة التي تؤذي زوجها فينقل إليك ما تقوله زوجتك من الحور العين كلما آذتك زوجتك بلسانها ، أو فعلها ، أو كفرانها . يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا ، إلا قالت زوجته من الحور العين : لا تؤذيه قاتلك الله ، فإنما هو عندك دخيل ، يوشك أن يفارقك إلينا ) حديث صحيح أخرجه الإمامان أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ( الألباني 7192 ) .
وإني لأرجو من كل زوج أن يحفظ هذا الحديث النبوي الشريف ، وأن يحاول سماع كلمات زوجته من الحور العين وهي تخاطب زوجته من البشر مؤنبةً لها ، موبخةً فعلها ، ناهية لها عن إيذائه وهي تدعو عليها ( قاتلكِ الله ) ومبشرةً زوجها في الوقت نفسه بسرعة لقائه بها ( يوشك أن يفارقك إلينا ) .
وسيجد في استحضار كلمات زوجته من الحور العين سلوى له وعزاء ، وستمنحه هذه الكلمات طاقة تقويه وتزيد في صبره .

وقفات مع الحديث الشريف

هذا الحديث النبوي الشريف يحمل فوائد عظيمة للزوجين معاً :
* يواسي المسلم المبتلى بزوجة تؤذيه بكلماتها أو أفعالها ، وذلك حين يعلم أن زوجته من الحور العين تنتصر له ، وتقف معه في مواجهة زوجته في الدنيا ، وهي تنهاها عن إيذائه ، مع دعائها عليها بمقاتلة الله تعالى لها .

إن المسلم الذي يستحضر كلمات زوجته من الحور العين يشعر بشفاء صدره المحزون من إيذاء زوجته في الدينا ، ولعله يزداد تصبراً عليها ، وتحملاً لما يصدر عنها .

* يحمل الحديث تحذيراً شديداً للمرأة التي تؤذي زوجها المسلم . فلعلها حين تقرأ الحديث ، وتدرك ما في هذا التحذير من وعيد ؛ ترعوي وترتدع وتتوقف عن إيذاء زوجها حتى لا يستجاب دعاء زوجته من الحور العين عليها .
* حتى ندرك ونقدر أهمية كلام الزوجة من الحور العين وقيمته ؛ علينا أن نعرف من هي هذه الزوجة الحورية ومن تكون ؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم (( .. ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينها ريحا ولطاب ما بينهما . ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ) البخاري .
ويذكر الرازي رحمه الله ثلاث لطائف في قوله تعالى ( وزوجناهم بحور عين ) فيقول : وفيه ما يدل على كمال الحال من وجوه :
أحدها أنه تعالى هو المزوِّج ، وهو يتولى الطرفين ، يزوج عباده بإمائه ، ومن يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء .
ثانياً : أنه سبحانه قال (( وزوجناهم بحور )) ولم يقل زوجناهم حوراً . مع أن لفظ التزويج يتعدى فعله إلى مفعولين بغير حرف ، يقال : زوجتكما ، قال تعالى ( فلما قضى زيد منها وطراً زوجنكاها ) وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج لهم فهم إنما زُوِّجوا للذتهم بالحور ، لأن ذلك بمعنى جعلنا ازدواجهم بهذا الطريق وهو الحور .
ثالثاً : وصفهن بالحسن ، واختار الأحسن من الأحسن ، فإن أحسن مـا في صورة الآدمي وجهُه ، وأحسن ما في الوجه العين ، ولأن الحور والعين يدلان على حسن المزاج في الأعضاء ، ووفرة المادة في الأرواح ، أما حسن المزاج فعلامته الحور ، وأما وفرة الروح فإن سعة العين بسبب كثرة الروح المصوبة إليها .

أثني أولاً على أسلوبك الذي عرضت به مشكلتك فهو أسلوب واضح سهل جميل ، وأثني ثانياً على موضوعيتك في بيان مواقف جميع من حول ، سواء الشاب الذي يريد خطبتك أم أهلك الذين يرفضون زواجك منه ، وأثني أخيراً على خلقك ودينك اللذين جعلاك محافظة على نفسك مما تساهلت فيه بعض الفتيات .
وأصل إلى استشارتك لي في هذا الواقع الشائع والمنتشر في كثير من البلدان التي يرفض فيها الأهل زواج ابنتهم من رجل يحمل جنسية دولة أخرى .
ووجهة نظر الأهل معتبرة في هذا الموضوع ، وخاصة حين يكون المتقدم للزواج من ابنتهم طامعاً في مالها أو غيره ، أو إذا لم يكن متديناً .
أما في حالك التي شرحتها فأرى أن أهلك ليسوا على حق في رفضهم خطبة هذا الشاب لك وذلك لما يلي :
– بلغت الثلاثين من العمر ، وهذه سن ليست صغيرة ، وفرص الزواج تكون أقل كلما تقدمت الفتاة في السن .
– الشاب المتقدم للزواج منك على درجة عالية من الخلق والدين كما ظهر واضحاً في حديثك عنه .
– تعهد الشاب بأن يجعل أهلك أهله ، ووعده لك بأن لا يمنعك من زيارتهم في أي وقت تشائين ، ينبغي أن يطمئنا أهلك فيوافقا على زواجك منه .
– نجاح زواج من حولك من فتيات ، على الرغم من أن أزواجهن قد يكونون أقل تديناً خلقاً من زوجك ، يزيد في طمأنة أهلك على زواجك من هذا الشاب .

وأصل إلى سؤالك : كيف أستطيع إقناعهم بتغيير موقفهم ؟ وأجيبك فأقول :
– ادعيهم إلى أن يؤدوا الاستخارة الشرعية ، وهي صلاة ركعتين ثم الدعاء بعدهما بدعاء الاستخارة الذي علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم . واذكري لهم أن الله تعالى أعلم منا جميعاً فإن كان في زواجي من هذا الشاب خير لنا جميعاً فسيجعله من نصيبي .. وإن لم يكن فيه ذلك فسيصرفه الله عنا ويصرفنا عنه .
– اعرضي ما شرحته لي في رسالتك على أحد أقاربك الذين يسمع منه أهلك ويقدرون رأيه ، فإذا اقتنع بكلامك فاطلبي منه أن يكلم أهلك بذلك ليقنعهم به .
– ذكّري أهلك بحديثه صلى الله عليه وسلم ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) . وقولي لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخلق والدين ولم يذكر الجنسية ، وأن هذا أمر منه صلى الله عليه وسلم لجميع المسلمين .
أدعو الله أن يختار لك الخير ، ويوفقك لما يسعدك في الدنيا والآخرة . ولا تترددي في الكتابة إلي مرة ثانية .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.