كل البيوت فيها أب إلا بيتنا

كل البيوت فيها أب إلا بيتنا
محمد رشيد العويد

إن إي طفل دون العاشرة من العمر يحتاج حناناً كبيراً ، وعطفاً عظيماً ، وحباً دافقاً ، وينبغي أن نبعد عنه أي شكل من أشكال القسوة أو العنف ، حتى الصلاة لم يأذن لنا النبي  بضربه عليها دون العاشرة ، فكيف بطفلة يتيمة فقدت ما يوفره الأب من أمن ، ودعم ، وعطف ، وحب ، منذ كانت في الثانية ومعها أشهر ثمانية ؟!!
إن معاناة طفلتك طبيعية إلى حد كبير ، ومخاوفها فطرية لا يمكن لأحد أن ينكرها ، وهي تحتاج أن نمنحها مع حب الأم المتوفر لها حب الأب الذي فقدته ، ومع قرب الأم قرباً آخر يمنحه الآباء أبناءهم عادة ، وهذا لا شك يزيد في أعبائك تجاه طفلتك ، لكنه يزيد من أجرك أيضاً بإذن الله .
والحمد لله أنك لم تشيري إلى أي زجر يصدر منك تجاهها ، ولا إلى أي قسوة في تربيتك لها ، وهذا أمر طيب ومطمئن ، فجزاك الله خيراً .
واسمحي لي أن أبدأ بما نقلته في آخر رسالتك ، بعبارتها التي تكررها عليك كل يوم ( كل البيوت فيها أب إلا بيتنا ) .
وأرجو أن تبدئي بعبارتها هذه في بث روح الرضا فيها ، وفي جعلها تحس بالتميز والفخر لكونها يتيمة ، ولكون والدها شهيداً .
أما كونها يتيمة فإني أشير عليك أن تقولي لها : أنتِ يا شذا تشبهين النبي  في كونك فقدت أباك وأنت طفلة صغيرة ، بل إن النبي  فقد أباه قبل أن يولد ، فحتى أبوه لم يره ، لكن أباك رآك وعاش معك سنتين وثمانية أشهر .
وانطلقي من هنا إلى إسهابك في الحديث عن وصايا الإسلام باليتيم ، وما أكثر الآيات والأحاديث في ذلك ، وكلها تقدمهم ، وتكرمهم ، وتميزهم .
هكذا تجعلينها تفخر بكونها يتيمة ، وبأنـها ستأخذ أجراً من ربها سبحانه لأنها حُرمت من أبيها ، ذلك أنه لا يصيب المؤمن أي شيء في الدنيا فصبر ورضي إلا أثيب عليه .
ثم انتقلي إلى كون أبيها شهيداً ، وأخبريها أن لها أن تفخر بهذا كثيراً ، واشرحي لها كل يوم أمراً من الأمور التي كرّم بها الإسلام الشهيد مما جاء في القرآن الكريم و أحاديث النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم .
ولعل في مقدمة هذه الأمور التي كرَّم الله بها الشهيد أنه حي عند ربه ، يُرزق ، فرح ، يستبشر بمن لم يلحق به . وقولي لـ (( شذا )) : كل الذين ماتوا ليسوا أحياء ، إلا الشهداء ومنهم أبوك فهم أحياء عند ربهم يرزقون .
ثم أخبريها أن الشهيد يشفع لسبعين من أهل بيته ، وأنكم جميعاً ستكونون معه بإذن الله في الجنة .

هذا كلـه سيجعلها أسعد مما هي عليه الآن ، وأكثر طمأنينة ورضا ، وسيقلل من مخاوفها كثيراً ، وأوصيك لتزيدي في إشعارها بالأمن وتبددي كثيراً مما تحس به من خوف بما يلي :
– أكثري من تبسمك في وجهها ، لأن تبسم الوالدين في وجوه أبنائهم يشعرهم بالأمن والطمأنينة .
– كرري ضمها إلى صدرك في اليوم مرات كثيرة خاصة حين تجدد خوفها .
– خاطبيها بما يجعلها تشعر بالعزة والفخر والقوة : أهلاً بابنة البطل ، مرحباً بابنة الشهيد الحي .. وهكذا .
– دعيها تنام معك ، ولا حرج في ذلك ، واستجيبي لكل ما تطلبه منك مما ذكرته : يبقى وجهك في وجهها ، النوم بجانبها ، عدم مفارقتها لك ، …
– أبعدي عنها كل ما يثير مخاوفها وخاصة ما أشرت إليه من رؤية بعض مشاهد الرعب في رسوم الأطفال .
– علميها أن معية الله خير من معية الناس جميعاً ؛ واحكي لها قول النبي  لصاحبه الصديق وهما في الغار ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) واتلي عليها قوله تعالى  إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا  . وذكريها دائماً بأن الله معنا ، وأنه سبحانه يدافع عن الذين آمنوا .
– لا تنسي الدعاء لها بأن يبدل خوفها أمناً ، وينزل سكينته عليها .
وفقك الله وأقر عينك بهم جميعاً .

Advertisements

لقاء العويد مع اليقظة لرمضان

لقاء العويد مع اليقظة لرمضان
محمد رشيد العويد

1- مقدمة عن فضل شهر رمضان ومضاعفة الأجر والثواب وهو شهر تتنزل فيه الرحمات وترفع فيه الدرجات لذلك فهو فرصة عظيمة لمن أدركها لكي يعيد بناء علاقته الزوجية ويتخذ من هذا الشهر بداية لعامه يجدد به العهد مع الله .
* أرأيتم من يسافرون للتجارة ، يرغبون في الربح الوفير ، والمال الكثير ! وإلى من يسافرون لحضور معارض دولية ليعقدوا صفقات شراء منتجات حديثة ! وإلى الذين يهرعون للشراء في موسم التنزيلات ، مستفيدين من انخفاض أسعار السلع ، رغبة في التوفير !
هذا موسم خير كبير ، وربح وفير ، مقبل علينا ، ليكفينا مؤونة السفر إليه أفلا نُقبل عليه ، نعقد فيه الصفقات الكبرى ، لنجني من ورائها الأرباح الوفيرة ، والمكاسب الكثيرة ؟
رمضان موسم أرباح وتجارة ، تجارة تنجينا من عذاب أليم ، كما قال سبحانه (( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم )) الصف : 10 . ؟ وأرباح لا تعدلها أي أرباح ، بل لا يعدل ما ربحه الناس جميعاً من أمـوال ، منذ آدم عليـه السلام حتى اليوم ، بل ما سيكسبونه أيضاً حتى تقوم الساعة ، لا يعدل جزءاً يسيراً مما يكسبه المسلم المؤمن في هذا الشهر الفضيل المبارك .
ألا يكفي أن فيه ليلة خير من ألف شهر ؟! والألف شهر أكثر من ثلاث وثمانين سنة ، أي أكثر مما يعيشه ملايين الناس ، فهذه الليلة إذن خير من العمر كله .
ألا يـكفي أنـه (( إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة ، وغلّقت أبواب النار ، وصُفِّدت الشياطين )) ؟ متفق عليه .
ألا يكفي أنه سبحانه يغفر لمن صامه جميع ما تقدم من الذنوب (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً ، غُفرَ له ما تقدم من ذنبه )) متفق عليه ، (( إن الله عز وجل فرض صيام رمضان وسننتُ فيه قيامه ، فمن صامه وقامه احتساباً خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه )) رواه أحمد .
كثر فضل الله وطاب في هذا الشهر الكريم المقبل علينا ، فهلاّ أحسنا استقباله ، وكسبنا ما فيه من الخيرات العظام ، والمغفرة الواسعة ، والأجور الكبيرة ؟ !

2- في رمضان بشارات كثيرة .. فهلا حدثتنا عنها
* كيف تتلقى بشارة تقول لك : إن الله تعالى لن يعذبك أبداً ؟
ألن تملأ نفسك مشاعر السعادة والفرحة والبهجة ، وأنت تتلقى بشارتك بنجاتك من نار تلظى ، لا يصلاها إلا الأشقى ؟ نار عَظُم عذابها ، واشتد لهيبها ، حتى إن من غُمِسَ فيها غمسة يقول : لم أر نعيماً قط !
وكيف تكون مشاعرك حين تتلقى بشارة أخرى تقول لك : إن الجنة ذات النعيم المقيم ، والفرح العظيم ، والتي فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .. إن هذه الجنة تستعد لمجيئك ، وتتزين لاستقبالك ، لترتاح فيها من تعب الدنيا الذي لا ينتهي ، ألن تكون مشاعرك مشاعر فرح عظيم ، وسرور كبير ، وطمأنينة ما بعدها طمأنينة ؟
وإذا علمت أن أبوين لك صالحين يستغفران لك ويدعوان ، أما كنت تسعد وتفرح وتطمئن ، فكيف إذا كان من يستغفر لك ، وكل يوم وليلة ، هم الملائكة ؟
هذه ثلاث من خمس بشارات يـزفها إليك حبيبك صلى الله عليه وسلم وأنت تستقبل أيام رمضان الفضيل ، أفما تحب قراءتها : روى البيهقي عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أُعطيت أمتي في رمضان خمساً لم يُعطهن نبي قبلي : أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من رمضان ينظر الله إليهم ، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً . وأما الثانية فإن خلوف أفواههم ( رائحتها ) حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك . وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم كل يوم وليلة . وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها : استعدي وتزيني لعبادي .. أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا .. إلى دار كرامتي . وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعاً )) .
فقال رجل من القوم : أهي ليلة القدر ؟
فقال : (( لا ، ألم تر إلى العمال يعملون ، فإذا فرغوا من أعمالهم وُفوا أجورهم ؟)) .
ما أعظم هذا العطاء الرباني الكريم ، وما أحرى المؤمنين بالحرص ليكونوا ممن يشملهم ويعمهم .
أما تدفعنا هذه العطايا الخمس إلى استقبال رمضان بفرح ورغبة وسعي إليه ؟
أما تجعلنا ننطلق إليه لنحسن فيه صيامنا ، ونطيل في لياليه قيامنا ، ونلتزم فيه ما أمرنا فيه ربنا ، وننتهي عما نهانا عنه سبحانه ؟
أما تمتد أيدينا إلى حساباتنا في المصارف لنسحب منها ما نتصدق به على الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين ؟
أهلا بك يا رمضان .. قادماً حبيباً ، داعين الله تعالى أن نكون في أيامه مثلما يريد لنا ربنا ويرضى .

3- ماذا في رمضان ما ليس في غيره يجمع الأسرة المتفرقة ؟
* في غير رمضان لا تجتمع الأسرة على الفطور في الصباح ، فالأبناء يأخذون شطائـرهم معهم ، وكذلك الزوج ، أو أنه يكتفي بما يتناوله في عمله من قهوة وبعض قطع الحلوى والمكسرات .
حتى على الغداء قلما تجتمع الأسرة ، فانصراف الأولاد من مدارسهم يختلف موعده عن موعد عودة الأب من عمله ، فلا يجتمعون على الغداء .
وفي العشاء نادراً ما يجتمعون أيضاً ، فالأبناء يتناولون الوجبات الجاهزة من المطاعم ، والآباء كذلك أحياناً ، وإذا اجتمعوا على العشاء فليس في جميع الأيام .
بينما في رمضان فإن الأسرة كلها تجتمع على مائدة الإفطار بعد أداء صلاة المغرب ، ويجلس أفرادها معاً يتناولون الحلوى من قطايف وغيرها ، ثم يذهبون معاً لأداء فريضة العشاء وبعدها صلاة التراويح .
ثم في السحور قد يجتمعون أيضاً على مائدة واحدة ، وقد لا يجتمعون . لكن يبقى رمضان متميزاً بهذا الاجتماع الذي كان مفقوداً في غيره . وهذا الاجتماع الأسري فرصة للأب ليحادث أبناءه وبناته ، ويسامرهم ، فيسمعون منه ويسمع منهم ، يسألونه ويجيبهم ، يستشيرونه وينصحهم … وهكذا .

4- ما الدروس التي ترى أن على المسلم تعلمها من شهر رمضان المبارك ؟
* لا شك في أن الدروس كثيرة وعظيمة . لكن أهم ما يتعلمـه المسلم – أو ما ينبغي أن يتعلمَه – هو الصوم نفسُه . فالصوم – كما جاء في قواميس اللغة – هو ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام ، والإمساك عنها . وترك هذه الأمور والامتناع عنها يحتاج إلى إرادة وعزيمة . والإرادة أو العزيمة تتقوى بهذا الصيام وتكبر .. مع ازدياد جوع المسلم وعطشه وصبره عليهما . ولقد قال سفيان بنُ عُيَيْنة : الصوم هو الصبر .
إذن حينما يصبح الصبر ملكة في خلق المسلم وطبعه .. يسهل عليه الامتناع عن المحارم . لقد كان في رمضان يمتنع عن الحلال ويصبر على هذا الامتناع ابتغاء مرضاة الله . وهو الآن – بعد رمضان – مدعو إلى استمرار امتناعه وإمساكه ، ليس عن الحلال من طعام وشراب ومعاشرة ، إنما عن الحرام كله … الصوم عنه ، وهجره .
لقد كان المسلم في رمضان يتدرب على الإمساك عن الحرام أيضاً .. مستفيداً إمساكه عن الحلال . وفي الحديث الشريف (( فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم )) .. فهل يعني هذا أنه يباح للمسلم إذا قاتله أحد أو شاتمه بعد رمضان أن يقاتِله ويشاتِمَه ؟! لا شك في أنه لا يباح له هذا في رمضان ولا في غيره . لكن امتناعه في رمضان عن الحلال كان يساعده ويقويه في الامتناع عن الحرام أيضاً .
هذه تربية عظيمة للمسلم ، تقوّي فيه ملَكََة الصبر ، مَلَكَة الإمساكِ عما حرم الله ، والامتناع عما يبغضه سبحانه ، حتى بعد توقفه عن الإمساك عن الطعام والشراب .

5- رمضان شهر المحبة والرحمة والخير فكيف نجعل شهورنا كلها مثل ما في رمضان .
* يحرص الخطباء والدعاة على الدعوة في نهاية رمضان إلى أن يواصل الناس ما فعلوه في رمضان فيفعلوه في الأشهر كلها ، ويذكرون في هذه الدعوة أن رب رمضان هو رب الأشهر جميعها ، وهذا صحيح ، ولكنه غير ممكن ، لأن رمضان رمضان ، وهو متميز بما فيه عن الأشهر كلها ، ويكفي أن الله سبحانه ميَّزه وخصَّه بخصائص ليست في سواه .
ويؤكد استحالة استمرار الناس على حالهم في رمضان طوال العام حديثه صلى الله عليه وسلم ( لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التي أنتم عليها عندي ، لصافحتكم الملائكة بأكفهم ، ولزارتكم في بيوتكم ) أحمد والترمذي ، فإذا كان الصحابة لا يستطيعون المحافظة على المستوى الإيماني العالي الذي يصلون إليه وهم عند النبي صلى الله عليه وسلم في أحوالهم حينما يكونون بعيدين عنه فكذلك لا يقوى المسلم على مواصلة ما كان يفعله في رمضان من قيام وتهجد وصيام وصدقة في سائر أيام العام ، وخاصة الصيام الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مواصلته .
لكن هذا لا يعني أن لا نتعلم شيئاً من مدرسة رمضان ، وأن نخرج منه كما دخلنا فيه ، بل يجب علينا أن يكون حالنا بعده خيراً من حالنا قبله .

6- لو طلب منك أن توجه رسالة إلى الزوج في رمضان فماذا تقول له في هذه الرسالة ؟
* أخي الزوج هذا شهر رمضان ، شهرُ الصبر ، فأرجو أن تزيد فيه صبرك على زوجتك وأبنائك ، وأن تعاهد فيه ربك سبحانه على أن تكتم ما يثور في نفسك من غضب وأنت تستحضر حديثه صلى الله عليه وسلم (( من كتم غيظاً وهو قادر على أن يُنْفِذَه ؛ دعاه الله على رؤوس الخلائق ؛ حتى يُخيِّرَه من الحور العين ، يزوجه منها ما شاء )) . فإذا هاج الغيظ في قلبك .. أغمض عينيك قليلاً ، وارسم في ذهنك مشهد الناس يوم القيامة وأنت تخرج من بينهم إثر دعوة كريمة من الله سبحانه وتعالى لتختار من أجمل ما تراه من الحور العين ، وما ذاك لأنك في الدنيا كتمت غيظاً كنت قادراً على إنفاذه .
استحضارُك هذا المشهد سيشحن نفسك بطاقة صبرٍ عجيبة ، وستجد من الله عوناً عظيماً ، وعندها افتح عينك من جديد وأنت تبتسم في وجه زوجتك التي ستدهش من حِلْمك المفاجئ ، ولعلها تجد في وجهك نوراً لم تره من قبل .

7- كلمة أخيرة أستاذنا الفاضل توجهها لكل من يشتكي منغصات في حياته الزوجية دون وجود أسباب ظاهرة لها ؟
* أوجز الإجابة عن هذا السؤال المهم بما يلي :
– التسليم بأن الحياة الزوجية لن تصفو دائماً ، وأنه لا بد أن يعكر صفوها بين حين وآخر منغصات مفاجئة وغير متوقعة .
– التدرب على الصمت حين يثور الطرف الآخر ، فهذا السكوت خير وقاية من حدوث نزاع ، كما أن الغاضب سيندم بعد قليل حين يجد الزوج الآخر وقد حلم عليه ولم يغضب في مقابل غضبه .
– الضغوط الحياتية تزداد يوماً بعد آخر ، والبيت هو المكان الوحيد تقريباً الذي يستطيع فيه الزوجان تفريج هذه الضغوط ، فليعذر كل من الزوجين صاحبه وليعلم أنه سيفعل هذا نفسه في يوم آخر .. وربما في اليوم نفسه .
– الشيطان ، عدو الزوجين الأول ، لا يريحه اتفاقهما واستقرارهما ، وسينجح في اقتناص مداخل يوقع منها بينهما ، لذا ينبغي استمرارهما في الاستعاذة منه ، وتذكير كل منهما صاحبه بأن إبليس هو وراء هذا الخلاف ، وهو الرابح فيه ، وأن كلاً منهما خاسر .
– قبل هذا كله لا بد من الاستعانة بالله سبحانه وصدق التوكل عليه ، ومواصلة الزوجين دعاءهما بأن يوفق الله بينهما ، ويؤلف بين قلبيهما ، وأن يبعد الشيطان عنهما .

قولي خيراً .. أو اصمتي

قولي خيراً .. أو اصمتي
محمد رشيد العويد

تبدأ (( لورا دويل )) أحد فصول كتابها (( الزوجة المستسلمة )) بهذه العبارة (( إذا لم تستطيعي قول شيء جميل فلا تقولي أي شيء )) .
ولعله لا يغيب عن قارئاتنا الكريمات أن النبي  سبق إلى هذا التوجيه الحكيم قبل أكثر من أربعة عشراً قرناً في حديثه الشريف : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت )) صحيح مسلم . وفي رواية أخرى (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت )) البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه .
وما أحسب زوجة تعمل بهذه الوصية الذهبية إلا وقد أرضت زوجها ، وحفظت بيتها بعيداً عن أسباب انهياره ؛ ذلك أن أكثر الخلافات الزوجية إنما تنشأ من اللسان ، لسان الزوجة أو لسان الزوج ، فإذا حفظ الزوجان لسانيهما حتى لا يصدر عنهما إلا كل ما هو خير ، وأمسكاهما عن كل ما هو شر ؛ فقد أغلقا منافذ كثيرة يتسلل منها الشيطان للإيقاع بينهما .
أخرج مسلم في صحيحه عن جابر  عن النبي  قال : (( إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ، ثم يبعث سراياه في الناس ؛ فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة . يجيء أحدهم فيقول : مازلت بفلان حتى تركته يقول كذا وكذا . فيقول إبليس : لا والله ما صنعت شيئاً . ويجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله . قال : فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول : نعم أنت )) .
فلتحرص الزوجة على أن تحكم ضبط لسانها ، فلا تستجيب لوساوس الشيطان بأن تقول لزوجها كذا ، وترد على كلامه بكذا ، فهو إنما يريد بوساوسه هذه أن يفرق بينها وبين زوجها كما أوضح لنا  في الحديث السابق .

حقائبي كانت دائماً جاهزة
تواصل لورا دويل حديثها في فصلها الجديد فتنقل حال صديقة لها بهذه الكلمات (( جميع حقائبها جاهزة وهي تلبس حذاء الجري )) ، أي أنها في استعداد دائم لتجمع حاجاتها وتهرب خلال دقائق من زوجها وحياتها معه . فهي جاهزة دائماً للبحث عن حياة تستطيع من خلالها تقديم كل شيء تحتاجه دون مساعدة من زوجها .
ولقد ذكرتني هذه الصديقة – كما تقول لورا – بحال مشابهة كنت أحياها مع زوجي ؛ فقد كنت أشعر بأنني سأكون في حال أفضل لو طُلِّقت ، أو عشت مع زوج آخر أكثر حساسية ومراعاة لمشاعر الآخرين .
ومع الصورة الجميلة التي رسمتها في خيالي للعيش برفقة ذاك الزوج لم أكن مضطرة لأن أخطط وأرتب وأنظم وأتحقق من كل شيء . وكان موقفي السيء هذا يلقي بالكآبة على علاقتنا .
كنت على شفا جرف هار ، وهكذا فإن أتفه مشكلة كانت تبدو سبباً كافياً لإنهاء هذا الزواج والتطلع إلى زواج أفضل في المرة المقبلة .
في ذلك الوقت كنت متألمة جداً ، وواثقة من كوني على صواب ، إلى درجة بدا فيها البرّ بَقَسم الزواج غير ذي أهمية .
واليوم فإن صديقاتي يضحكن منى عندما أخبرهن بتلك المشاعر والأحاسيس والأفكار التي كانت تراودني في التخلص من زوج رائع جداً .

وأرجو أن نقف الوقفات التاليات من كلام المؤلفة السابق :

احذري المقارنات غير العادلة
– احذري تلك المقارنات الظالمة التي تقارنين فيها زوجك بإنسان آخر ترينه مثالياً . قد يكون هذا الإنسان موجوداً في الواقع وقد يكون من رسم خيالك كما فعلت لورا دويل .
احذري هذه المقارنات لأنها غير عادلة ، فهي تظهر زوجك في حال شديدة القبح ، بسبب تضخيم مثالبه وأخطائه وطمس حسناته وفضائله ، وفي الجهة المقابلة طمس مثالب الرجل الأخر وأخطائه ، أو عدم معرفتها أصلاً ، وتضخيم حسناته وفضائله .. أو إسقاطها عليه وهماً وتخيلاً .
إن للشيطان دوراً رئيسياً في هذه المقارنات حتى يزداد نفور الزوجة من زوجها ، ويعظم بغضها له ، ويطول ابتعادها عنه .
في حين لو أنها أظهرت فضائل زوجها ، واستحضرتها ، وفكرت بواقعية في الرجل الآخر ، سواء أكان موجوداً أم متخيلاً ، وفي أنه لن يخلو من النقائص والمساوئ ، وأن عدم رؤيتي لها لا يعني عدم وجودها ؛ لو أن الزوجة فعلت ذلك لكانت أعدل وأنصف لزوجها ، وأرضى لحياتها معه ، ولجاء اليوم الذي تجد فيه زوجها رائعاً كما وجدت المؤلفة زوجها بعد أن كانت تفكر في الهرب منه والانفصال عنه حينما تجري مقارنات غير واقعية .

واحذري الخيالات والأوهام
– قرأنا للمؤلفة كلماتها التالية (( ومع الصور الجميلة التي رسمتها في خيالي للعيش برفقة ذاك الزوج لم أكن مضطرة لأن أخطط وأنظم وأرتب وأتحقق من كل شيء )) .
أي أن الأوهام والخيالات التي يخيلها إبليس للزوجة تجعلها غير عملية ، مهملة في بيتها ، مقصرة في واجباتها ، أقرب إلى الفوضى والتخبط منها إلى التخطيط والتنظيم .
ومن ثم ، إذا حدث ذلك للزوجة ، تفتر صلتها بزوجها ، وتخبو المودة بينهما ، وتفتر الرحمة التي تجمعهما ، وتلقي الكآبة بظلالها عليهما ؛ كما ذكرت لورا (( وكان موقفي السيء هذا يلقي بالكآبة على علاقتنا )) .
ولقد أحسنت المؤلفة حين وصفت موقفها القديم بأنه سيء ؛ فلم تكابر ، وهذا هو المرجو من كل زوجة : أن تراجع مواقفها في حياد وتجرد فما وجدته سيئاً منها فلتصلحه .
– (( أتفه مشكلة كانت تبدو سبباً كافياً لإنهاء هذا الزواج والتطلع إلى زواج أفضل في المرة المقبلة )) .
هـذه العبارة تكاد تتكرر في خاطر كل زوجة ، ذلك أن أكثر الزوجات يفكرن في الطلاق عند أول مشكلة تطرأ على الحياة الزوجية . وتحسب زوجات أنهن أخطأن الاختيار ، وأنهن لم يوفقن في الزواج .

لست دائماً على صواب
– (( في ذلك الوقت كنت متألمة جداً وواثقة من كوني على صواب )) .
وما كان الألم الذي تشعر به المؤلفة إلا نتيجة الثقة بأنها على صواب ، وهذا ما يحدث أيضاً لزوجات كثيرات يتصلبن في مواقفهن لاعتقادهن الجازم أنهن غير مخطئات ، وأن الخطأ كل الخطأ إنما هو من الزوج ، بينما كان عليهن أن يراجعن أنفسهن ، ويطرحن احتمالات أن يكون الخطأ منهن ، فهذا يخفف كثيراً من الإحساس بالألم ، ويقرب من الزوج ، ويبعد الشيطان ، ويحفظ الزواج من التصدع والانهيار .
والآن ، أختي الزوجة ، أرجو أن يأتي اليوم الذي تكتشفين فيه أن زوجك رائع حقاً ، وأتمنى أن يكون هذا اليوم قريباً جداً .

كانت أعظم بركة

كانت أعظم بركة
محمد رشيد العويد

في سنة خمس للهجرة ، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم برة بنت الحارث سيد بني المصطلق وسماها جويرية ، وكان أبوها وقومه قد ساعدوا المشركين على المؤمنين في غزوة أحد سنة أربع ، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الحارث يجمع الجموع لقتاله فخرج له ، فالتقى الجمعان في المريسيع ، وهو ماء لخزاعة ، فأحاط بهم المسلمون ، وأخذوهم أسرى بعد قتل عشرة منهم ، وكانت برة بنت سيدهم ضمن الأسرى ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم وعرّفته بنفسها وأنها بنت سيد قومها وذكرت له سبيها ، واستعانته على كتابتها لتحرير نفسها ( الكتابة اشتراء الرقيق نفسه من سيده بمال يؤديه ولو أقساطاً ) .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أو خير من ذلك : أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك )) قالت : نعم ، فتزوجها صلى الله عليه وسلم فقال المسلمون : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أي أن أهلها وقومها صاروا ذوي قرابة له صلى الله عليه وسلم ) فأعتقوا جميع الأسرى والسبايا ، فأسلموا كلهم ، فكانت أعظم امرأةٍ بركةً على قومها ، وكان لهذا العمل أحسن التأثير في العرب كلها . وكانت جويرية – رضي الله عنها – من أعبد أمهات المؤمنين ، وروى عنها ابن عباس وجابر وابن عمر وعبيد بن السباق ، وابن أختها الطفيل وغيرهم .
حقٌ أن جويرية – رضي الله عنها – كانت أعظم بركة على قومها ، وأن هذه البركة لتظهر وتتأكد مما يلي :
1- سبي المرأة فيه من العار ما فيه لقومها ، فأنجت جويرية – رضي الله عنها – نفسها وقومها من هذا العار بموافقتها الفورية على الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا دلالة على حكمتها وبعد نظرها وحصافتها .
2- حين أصبحت زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم وأماًّ للمؤمنين بات أهلها وقومها ذوي نسب للنبي صلى الله عليه وسلم ولقد بادر المسلمون إلى تقدير هذه القرابة بإطلاق سراح أهلها وقومها ، فكانت – رضي الله عنها – سبباً بذلك في كسب العتق والحرية لأهلها وقومها .
3- وأفضل مما سبـق : إسلامها – رضي الله عنها – وإسلام قومها لما أطلق المسلمون سراحهم ، فكانت سبباً في نجاتهم من النار كما كانت سبباً في نجاتهم من الأسر .

قليل من الضحك والابتسام ينفع

قليل من الضحك والابتسام ينفع
محمد رشيد العويد

هل يصل الحال إلى درجة يمنع فيها رجل أفراد أسرته من الضحك ، بل حتى من الابتسامة ؟!
لماذا يفعل ذلك ؟ هل يكره المرح ؟ هل يضيق بالسعادة ؟ هل يزعجه أن يكون مَنْ حوله مسرورين ؟!
كيف يمكن أن تستقبل زوجته قراراته هذه ؟ هل توافقه عليها ؟ أم تتصدى لها ؟ وإذا لم تنجح في صرفه عنها فهل تطلب منه الطلاق ؟!
تعالوا نقرأ خبراً عن رجل منع الضحك والابتسام في بيته ، وكيف تصرفت زوجته تجاه هذا المنع !
بعد حياة زوجية هانئة استمرت أكثر من تسع سنوات ، تفاقمت الخلافات بين الزوجين حتى صارت تلك الحياة الهانئة جحيماً لا يطاق ، وصار الزوج يكره أسرته ومنزله إلى درجة بدأ فيها يطلق أوامر صارمة ؛ منها أمر بمنع الضحك والابتسام في البيت ، فلم ترضخ الزوجة وطلبت من زوجها الطلاق ، لكنه لم يستجب لطلبها ، فما كان منها إلا أن أسرعت إلى محكمة الأسرة في القاهرة لتقيم دعوى خلع من زوجها لأنه يمنعها من الضحك والابتسام .
لم يذكر الخبر أكثر من هذا ، فإذا أردنا أن نبحث عن سبب إصدار الزوج لهذا القرار فالأرجح أنه الشجارات الزوجية التي جعلت الحياة جحيماً في بيته صوّرت له أن الضحك لا يتفق معها ، والابتسام مناقض لها ، ومن ثم يجب أن يمتنع الجميع منهما فلا يضحكوا ولا يبتسموا .
ولا شك في أن الزوج أخطأ في اعتقاده ، ثم أخطأ في قراره ، لأن الابتسام الجميل المتفائل يهوَّن من حدة تلك الشجارات ، ويعين على توقّيها وعلى إيجاد الحلول لها .
ولقد وجدنـا النبي  يبتسم في مواقف صعبـة كثيرة ، وما ذاك إلا لعظيم حلمه ، وشدة تفاؤله ، وكثرة رضاه ، وصدق توكله على الله تعالى .
وأختار موقفين ضحك فيهما النبي  ، رغم ما صاحبهما من تأزم وتوتر وضيق ، وهذا يؤكد ضرورة تناول الأمور ومعالجتها بالحلم والهدوء والأناة .
عن ابن عباس  قال : لبثت سنة وأنـا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي  . فجعلت أهابه فنزل يوماً منزلاً فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال : عائشة وحفصة ، ثم قال : كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً ، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقاً من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا ، وكان بيني وبين امرأتي كلام فأغلظت لي ، فقلت لها : وإنك لهناك ، قالت : تقول هذا لي وابنتك تؤذي النبي  فأتيت حفصة فقلت لها : إني أحذرك أن تعصي الله ورسوله وتقدمت إليها في أذاه فأتين أم سلمة فقلت لها : فقالت : أعجب منك يا عمر قد دخلت في أمورنا فلم يبق إلا أن تدخل بيني وبين رسول الله  وأزواجه فرددت . وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله  وشهدته أتيته بما يكون وإذا غبت عن رسول الله  وشهد أتاني بما يكون من رسول الله  وكان من حول رسول الله  قد استقام لـه فلم يبق إلا ملك غسان بالشام ، كنا نخاف أن يأتيََنا فما شعرت إلا بالأنصاري وهو يقـول : إنه قد حدث أمر ، قلت له : وما هو ؟ أجاء الغساني ؟ قال : أعظم من ذلك طلق رسول الله  نساءه فجئت فإذا البكاء من حجرهن كلها ، وإذا النبي  قد صعد في مشربة له وعلى باب المشربة وصيف ، فأتيته فقلت : أستأذن لي فأذن لي فدخلت فإذا النبي  على حصير أثَّر في جنبه وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف وإذا أهب معلقة وقرظ فذكرت الذي قلت لحفصة وأم سلمة : والذي ردت علي أم سلمة فضحك الرسول  فلبث تسعاً وعشرين ليلة ثم نزل . البخاري .
وروي النعمان بن بشير  قال : جاء أبو بكر  يستأذن النبي  فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله  فأذن له ، فدخل فقال : يا ابنة أم رومان ؟ وتناولها ، أترفعين صوتك على رسول الله  ؟ قال : فحال النبي  بينه وبينها ، قال : قلما خرج أبو بكر جعل النبي  يقول لها يسترضيها : (( ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك )) ، قال : ثم جاء أبو بكر مستأذن عليه فوجده يضاحكها ، قال : فأذن له ، فدخل فقال له أبو بكر : يا رسول الله أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما . الإمام أحمد .
لقد وجدنا النبي  في هذين الموقفين العظيمين يضحك ، وفي هذا دعوة لنا نلكون بسامين ضحاكين حتى في الموقف الجلل .