لقاء العويد مع اليقظة لرمضان

لقاء العويد مع اليقظة لرمضان
محمد رشيد العويد

1- مقدمة عن فضل شهر رمضان ومضاعفة الأجر والثواب وهو شهر تتنزل فيه الرحمات وترفع فيه الدرجات لذلك فهو فرصة عظيمة لمن أدركها لكي يعيد بناء علاقته الزوجية ويتخذ من هذا الشهر بداية لعامه يجدد به العهد مع الله .
* أرأيتم من يسافرون للتجارة ، يرغبون في الربح الوفير ، والمال الكثير ! وإلى من يسافرون لحضور معارض دولية ليعقدوا صفقات شراء منتجات حديثة ! وإلى الذين يهرعون للشراء في موسم التنزيلات ، مستفيدين من انخفاض أسعار السلع ، رغبة في التوفير !
هذا موسم خير كبير ، وربح وفير ، مقبل علينا ، ليكفينا مؤونة السفر إليه أفلا نُقبل عليه ، نعقد فيه الصفقات الكبرى ، لنجني من ورائها الأرباح الوفيرة ، والمكاسب الكثيرة ؟
رمضان موسم أرباح وتجارة ، تجارة تنجينا من عذاب أليم ، كما قال سبحانه (( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم )) الصف : 10 . ؟ وأرباح لا تعدلها أي أرباح ، بل لا يعدل ما ربحه الناس جميعاً من أمـوال ، منذ آدم عليـه السلام حتى اليوم ، بل ما سيكسبونه أيضاً حتى تقوم الساعة ، لا يعدل جزءاً يسيراً مما يكسبه المسلم المؤمن في هذا الشهر الفضيل المبارك .
ألا يكفي أن فيه ليلة خير من ألف شهر ؟! والألف شهر أكثر من ثلاث وثمانين سنة ، أي أكثر مما يعيشه ملايين الناس ، فهذه الليلة إذن خير من العمر كله .
ألا يـكفي أنـه (( إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة ، وغلّقت أبواب النار ، وصُفِّدت الشياطين )) ؟ متفق عليه .
ألا يكفي أنه سبحانه يغفر لمن صامه جميع ما تقدم من الذنوب (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً ، غُفرَ له ما تقدم من ذنبه )) متفق عليه ، (( إن الله عز وجل فرض صيام رمضان وسننتُ فيه قيامه ، فمن صامه وقامه احتساباً خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه )) رواه أحمد .
كثر فضل الله وطاب في هذا الشهر الكريم المقبل علينا ، فهلاّ أحسنا استقباله ، وكسبنا ما فيه من الخيرات العظام ، والمغفرة الواسعة ، والأجور الكبيرة ؟ !

2- في رمضان بشارات كثيرة .. فهلا حدثتنا عنها
* كيف تتلقى بشارة تقول لك : إن الله تعالى لن يعذبك أبداً ؟
ألن تملأ نفسك مشاعر السعادة والفرحة والبهجة ، وأنت تتلقى بشارتك بنجاتك من نار تلظى ، لا يصلاها إلا الأشقى ؟ نار عَظُم عذابها ، واشتد لهيبها ، حتى إن من غُمِسَ فيها غمسة يقول : لم أر نعيماً قط !
وكيف تكون مشاعرك حين تتلقى بشارة أخرى تقول لك : إن الجنة ذات النعيم المقيم ، والفرح العظيم ، والتي فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .. إن هذه الجنة تستعد لمجيئك ، وتتزين لاستقبالك ، لترتاح فيها من تعب الدنيا الذي لا ينتهي ، ألن تكون مشاعرك مشاعر فرح عظيم ، وسرور كبير ، وطمأنينة ما بعدها طمأنينة ؟
وإذا علمت أن أبوين لك صالحين يستغفران لك ويدعوان ، أما كنت تسعد وتفرح وتطمئن ، فكيف إذا كان من يستغفر لك ، وكل يوم وليلة ، هم الملائكة ؟
هذه ثلاث من خمس بشارات يـزفها إليك حبيبك صلى الله عليه وسلم وأنت تستقبل أيام رمضان الفضيل ، أفما تحب قراءتها : روى البيهقي عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أُعطيت أمتي في رمضان خمساً لم يُعطهن نبي قبلي : أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من رمضان ينظر الله إليهم ، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً . وأما الثانية فإن خلوف أفواههم ( رائحتها ) حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك . وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم كل يوم وليلة . وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها : استعدي وتزيني لعبادي .. أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا .. إلى دار كرامتي . وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعاً )) .
فقال رجل من القوم : أهي ليلة القدر ؟
فقال : (( لا ، ألم تر إلى العمال يعملون ، فإذا فرغوا من أعمالهم وُفوا أجورهم ؟)) .
ما أعظم هذا العطاء الرباني الكريم ، وما أحرى المؤمنين بالحرص ليكونوا ممن يشملهم ويعمهم .
أما تدفعنا هذه العطايا الخمس إلى استقبال رمضان بفرح ورغبة وسعي إليه ؟
أما تجعلنا ننطلق إليه لنحسن فيه صيامنا ، ونطيل في لياليه قيامنا ، ونلتزم فيه ما أمرنا فيه ربنا ، وننتهي عما نهانا عنه سبحانه ؟
أما تمتد أيدينا إلى حساباتنا في المصارف لنسحب منها ما نتصدق به على الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين ؟
أهلا بك يا رمضان .. قادماً حبيباً ، داعين الله تعالى أن نكون في أيامه مثلما يريد لنا ربنا ويرضى .

3- ماذا في رمضان ما ليس في غيره يجمع الأسرة المتفرقة ؟
* في غير رمضان لا تجتمع الأسرة على الفطور في الصباح ، فالأبناء يأخذون شطائـرهم معهم ، وكذلك الزوج ، أو أنه يكتفي بما يتناوله في عمله من قهوة وبعض قطع الحلوى والمكسرات .
حتى على الغداء قلما تجتمع الأسرة ، فانصراف الأولاد من مدارسهم يختلف موعده عن موعد عودة الأب من عمله ، فلا يجتمعون على الغداء .
وفي العشاء نادراً ما يجتمعون أيضاً ، فالأبناء يتناولون الوجبات الجاهزة من المطاعم ، والآباء كذلك أحياناً ، وإذا اجتمعوا على العشاء فليس في جميع الأيام .
بينما في رمضان فإن الأسرة كلها تجتمع على مائدة الإفطار بعد أداء صلاة المغرب ، ويجلس أفرادها معاً يتناولون الحلوى من قطايف وغيرها ، ثم يذهبون معاً لأداء فريضة العشاء وبعدها صلاة التراويح .
ثم في السحور قد يجتمعون أيضاً على مائدة واحدة ، وقد لا يجتمعون . لكن يبقى رمضان متميزاً بهذا الاجتماع الذي كان مفقوداً في غيره . وهذا الاجتماع الأسري فرصة للأب ليحادث أبناءه وبناته ، ويسامرهم ، فيسمعون منه ويسمع منهم ، يسألونه ويجيبهم ، يستشيرونه وينصحهم … وهكذا .

4- ما الدروس التي ترى أن على المسلم تعلمها من شهر رمضان المبارك ؟
* لا شك في أن الدروس كثيرة وعظيمة . لكن أهم ما يتعلمـه المسلم – أو ما ينبغي أن يتعلمَه – هو الصوم نفسُه . فالصوم – كما جاء في قواميس اللغة – هو ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام ، والإمساك عنها . وترك هذه الأمور والامتناع عنها يحتاج إلى إرادة وعزيمة . والإرادة أو العزيمة تتقوى بهذا الصيام وتكبر .. مع ازدياد جوع المسلم وعطشه وصبره عليهما . ولقد قال سفيان بنُ عُيَيْنة : الصوم هو الصبر .
إذن حينما يصبح الصبر ملكة في خلق المسلم وطبعه .. يسهل عليه الامتناع عن المحارم . لقد كان في رمضان يمتنع عن الحلال ويصبر على هذا الامتناع ابتغاء مرضاة الله . وهو الآن – بعد رمضان – مدعو إلى استمرار امتناعه وإمساكه ، ليس عن الحلال من طعام وشراب ومعاشرة ، إنما عن الحرام كله … الصوم عنه ، وهجره .
لقد كان المسلم في رمضان يتدرب على الإمساك عن الحرام أيضاً .. مستفيداً إمساكه عن الحلال . وفي الحديث الشريف (( فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم )) .. فهل يعني هذا أنه يباح للمسلم إذا قاتله أحد أو شاتمه بعد رمضان أن يقاتِله ويشاتِمَه ؟! لا شك في أنه لا يباح له هذا في رمضان ولا في غيره . لكن امتناعه في رمضان عن الحلال كان يساعده ويقويه في الامتناع عن الحرام أيضاً .
هذه تربية عظيمة للمسلم ، تقوّي فيه ملَكََة الصبر ، مَلَكَة الإمساكِ عما حرم الله ، والامتناع عما يبغضه سبحانه ، حتى بعد توقفه عن الإمساك عن الطعام والشراب .

5- رمضان شهر المحبة والرحمة والخير فكيف نجعل شهورنا كلها مثل ما في رمضان .
* يحرص الخطباء والدعاة على الدعوة في نهاية رمضان إلى أن يواصل الناس ما فعلوه في رمضان فيفعلوه في الأشهر كلها ، ويذكرون في هذه الدعوة أن رب رمضان هو رب الأشهر جميعها ، وهذا صحيح ، ولكنه غير ممكن ، لأن رمضان رمضان ، وهو متميز بما فيه عن الأشهر كلها ، ويكفي أن الله سبحانه ميَّزه وخصَّه بخصائص ليست في سواه .
ويؤكد استحالة استمرار الناس على حالهم في رمضان طوال العام حديثه صلى الله عليه وسلم ( لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التي أنتم عليها عندي ، لصافحتكم الملائكة بأكفهم ، ولزارتكم في بيوتكم ) أحمد والترمذي ، فإذا كان الصحابة لا يستطيعون المحافظة على المستوى الإيماني العالي الذي يصلون إليه وهم عند النبي صلى الله عليه وسلم في أحوالهم حينما يكونون بعيدين عنه فكذلك لا يقوى المسلم على مواصلة ما كان يفعله في رمضان من قيام وتهجد وصيام وصدقة في سائر أيام العام ، وخاصة الصيام الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مواصلته .
لكن هذا لا يعني أن لا نتعلم شيئاً من مدرسة رمضان ، وأن نخرج منه كما دخلنا فيه ، بل يجب علينا أن يكون حالنا بعده خيراً من حالنا قبله .

6- لو طلب منك أن توجه رسالة إلى الزوج في رمضان فماذا تقول له في هذه الرسالة ؟
* أخي الزوج هذا شهر رمضان ، شهرُ الصبر ، فأرجو أن تزيد فيه صبرك على زوجتك وأبنائك ، وأن تعاهد فيه ربك سبحانه على أن تكتم ما يثور في نفسك من غضب وأنت تستحضر حديثه صلى الله عليه وسلم (( من كتم غيظاً وهو قادر على أن يُنْفِذَه ؛ دعاه الله على رؤوس الخلائق ؛ حتى يُخيِّرَه من الحور العين ، يزوجه منها ما شاء )) . فإذا هاج الغيظ في قلبك .. أغمض عينيك قليلاً ، وارسم في ذهنك مشهد الناس يوم القيامة وأنت تخرج من بينهم إثر دعوة كريمة من الله سبحانه وتعالى لتختار من أجمل ما تراه من الحور العين ، وما ذاك لأنك في الدنيا كتمت غيظاً كنت قادراً على إنفاذه .
استحضارُك هذا المشهد سيشحن نفسك بطاقة صبرٍ عجيبة ، وستجد من الله عوناً عظيماً ، وعندها افتح عينك من جديد وأنت تبتسم في وجه زوجتك التي ستدهش من حِلْمك المفاجئ ، ولعلها تجد في وجهك نوراً لم تره من قبل .

7- كلمة أخيرة أستاذنا الفاضل توجهها لكل من يشتكي منغصات في حياته الزوجية دون وجود أسباب ظاهرة لها ؟
* أوجز الإجابة عن هذا السؤال المهم بما يلي :
– التسليم بأن الحياة الزوجية لن تصفو دائماً ، وأنه لا بد أن يعكر صفوها بين حين وآخر منغصات مفاجئة وغير متوقعة .
– التدرب على الصمت حين يثور الطرف الآخر ، فهذا السكوت خير وقاية من حدوث نزاع ، كما أن الغاضب سيندم بعد قليل حين يجد الزوج الآخر وقد حلم عليه ولم يغضب في مقابل غضبه .
– الضغوط الحياتية تزداد يوماً بعد آخر ، والبيت هو المكان الوحيد تقريباً الذي يستطيع فيه الزوجان تفريج هذه الضغوط ، فليعذر كل من الزوجين صاحبه وليعلم أنه سيفعل هذا نفسه في يوم آخر .. وربما في اليوم نفسه .
– الشيطان ، عدو الزوجين الأول ، لا يريحه اتفاقهما واستقرارهما ، وسينجح في اقتناص مداخل يوقع منها بينهما ، لذا ينبغي استمرارهما في الاستعاذة منه ، وتذكير كل منهما صاحبه بأن إبليس هو وراء هذا الخلاف ، وهو الرابح فيه ، وأن كلاً منهما خاسر .
– قبل هذا كله لا بد من الاستعانة بالله سبحانه وصدق التوكل عليه ، ومواصلة الزوجين دعاءهما بأن يوفق الله بينهما ، ويؤلف بين قلبيهما ، وأن يبعد الشيطان عنهما .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.