كيف تمتلكين فضيلة الصمت

كيف تمتلكين فضيلة الصمت
محمد رشيد العويد

لوحات تذكيرية

من العبارات التي أقترح عليك خطها باليد ، أو بالكمبيوتر :
(( ولا يغتب بعضكم بعضاً )) .
(( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) .
(( فليقل خيراً ، أو ليصمت )) .
(( أمسك لسانك )) .
(( كف عليك هذا )) .
(( سلامة الإنسان في حفظ اللسان )) .
وهكذا ، يمكنك كتابة ما ترينه مذكراً لك على حفظ لسانك ، وصونك من عثراته ، ووقايتك من زلاته .

أين تضعين هذه اللوحات الإرشادية ؟

ضعي واحدة على سماعة الهاتف ، لتذكرك باستمرار ، حيـن تحادثين صديقة أو قريبة أو زميلة ، بأن تراقبي لسانك ، فلا يصدر عنه غيبة أو نميمة .
علقي واحدة على جدار غرفة الضيوف ، بعد أن تضعيها في إطار ، أو ضعيها ، ضمن إطار أيضاً ، على إحدى الطاولات في الغرفة نفسها .
ضعي واحدة في حقيبتك ، لتذكرك – كلما فتحتها لتتناولي منها شيئاً – بحفظ لسانك ومراقبته .
إذا كنت طالبة فتعاوني مع زميلاتك على تعليق لوحة على أحد جدران الفصل تذكركن جميعاً بحفظ اللسان .
وهكذا … فقد ترين هناك أماكن لم أفطن إليها يمكنك وضع اللوحات فيها .
وفقك الله ، وأعانك على حفظ لسانك .

كيف تتقين سخريتك من الناس ؟

{ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيـراً منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا بالألقاب ، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } الحجرات 11 .
يقول القرطبي رحمه الله (( .. فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رثَّ الحال ، أو ذا عاهة في بدنه ، أو غير لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميراً ، وأتقى قلباً ، ممن على ضد صفته ، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله ، والاستهزاء بمن عظمه الله ، ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل : لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه لخشيت أصنع مثل الذي صنع . وعن عبدالله بن مسعود : البلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً )) .
ولعل في حديث رسول الله  الذي رواه مسلم في صحيحه معيناً لكل مؤمن في اجتناب السخرية ؛ عن أبي هريرة  قال رسول الله  (( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )) . يقول القرطبي : (( هذا حديث عظيم يترتب عليه ألا يقطع بعيب أحد لما يُرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة ؛ فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفاً مذموماً لا تصح معه تلك الأعمال . ولعل من رأينا عليه تفريطاً أو معصية يعلم الله من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه . فالأعمال أمارات ظنية لا أعمال قطعية ، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة ، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة ، بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة ، لا تلك الذات المسيئة . فتدبر هذا ؛ فإنه نظر دقيق ، وبالله التوفيق )) .
وما أبلغ قوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } فهو مثل قولـه سبحانه : { ولا تقتلوا أنفسكم } أي لا يقتل بعضكم بعضاً ، لأن المؤمنين كنفس واحدة ، فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه . وكقوله تعالى : { فسلموا على أنفسكم } يعني يسلم بعضكم على بعض . والمعنى } أي في (( ولا تلمزوا أنفسكم )) { : لا يعب بعضكم بعضاً . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير : لا يطعن بعضكم . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير : لا يطعن بعضكم على بعض . وفي قوله : { أنفسكم } تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه ؛ فلا ينبغي أن يعيب غيـره لأنـه كنفسه ، قال  (( المؤمنون كجسد واحد ، إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) . وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام ، (( يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه )) .

وقال بكر بن عبدالله المزني : إذا أردت أن تنظر العيوب جمّة فتأمل عيّاباً ؛ فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب . وقيل : من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره ؛ قال الشاعر :
المرء إن كان عاقلاً ورعـاً أشغله عن عيوبـه ورعـه
كما السقيم المريض يشغله عن وجع الناس كلهم وجعه
وقال آخر :
لا تلمس من مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله ستراً من مساويكا
واذكـر محاسن ما فيـهم إذا ذُكـروا ولا تَعبْ أحداً منهم بما فيكا
يمكننا تحديـد معالم تساعدك على السير ببصيرة في طريق تنجيك من الوقوع في سخرية الناس ، بعد عون الله تعالى .
من هذه المعالم :
السخرية كلها محرمة ، سواء أكانت من الشكل ، أم من العقل ، أم من الفعل ، أم من الأهل . يقول  في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه : (( بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم )) .
على الأخت أن تخشى انتقال ما سخرت منه في أختها المسلمة .. إليها ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : (( لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك )) رواه الترمذي وقال حديث حسن .
لتتذكر الأخت أننا لا نخلو من العيوب ، فإذا كانت تعيب في غيرها عيباً فلعل فيها أكثر من عيب ، كما يقول الشاعر :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تُعّدَّ معايبه
المسلمات أخوات ، فمن تسخر من أختها فإنما تسخر من نفسها ، كما فهمنا من قوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } .
إنه لظلم عظيم أن تعيب الأخت في غيرها ما لا بد لها فيه ، مثل أن تعيب شكلها أو جسمها أو نطقها ، فهي لم تختر هذا كله . عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (( .. فقلت يا رسول الله ؛ إن صفية امرأة – وقالت بيدها – هكذا يعني أنها قصيرة . فقال  (( لقد مزجت بكلمة لو مزج بها البحر لمزج )) .
التفات الأخت إلى عيوبها تعالجها ، وتحاول التخلص منها ، يشغلها عن تقصي عيوب الآخرين ومتابعتها وإعلانها ، مثل ما وجدنا في تصوير الشاعر للمريض الذي شغله ألمه من مرضه عن آلام الناس من أمراضهم :
كما السقيم المريض يشغله عن وجع الناس كلهم وجعه
تأمُّل هذه المعالم الستة ، أختي المسلمة ، وتذكرها دائماً ، يساعدك بعد عون الله تعالى ، على اكتساب مناعة نفسية ضد السخرية من الآخرين ، إن شاء الله تعالى .

الندم

قيل : اجتمع أربعة ملوك ، فتكلموا ، فقال ملك الفرس : ما ندمت على ما لم أقل مرة ، وندمت على ما قلت مراراً . وقال قيصر : أنا على رد ما لم أقل .. أقدر مني على رد ما قلت . وقال ملك الصين : ما لم أتكلم بكلمة ملكتها ، فإذا تكلمت بها ملكتني . ويروى أن داود عليه السلام قال : رُبَّ كلام قد ندمت عليه ، ولم أندم على صمت قط .
إنه الندم إذن ، يذكرك أختي ، بما جرّه عليـك الكلام ، فتجدين نفسك تمتنعين عنه ، وتتحاشينه ، حتى لا تقعي في الندم من جديد .
لما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت طال صمته ، فقيل له : ألا تتكلم ؟ فقال : الكلام صيّرني في بطن الحوت .
وقيل : الكلمة أسيرة في وثاق الرجل ؛ فإذا تكلم بها صار في وثاقها .
ويروى أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه تعالى عنه كان على الصفا يلبي ، ويقول : (( يا لسان قل خيراً تغنم ، أو أنصت تسلم ، من قبل أن تندم )) ، قالوا : يـا أبا عبدالرحمن ، هذا شيء تقوله ، أو شيء سمعته ؟ قال : لا ، بل سمعت رسول الله  يقول : (( إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه )) . رواه الطبراني بإسناد صحيح وأورده الهيثمي وقال : رجاله رجال الصحيح .
خاطبي لسانك ، أختي المؤمنة ، وقولي له كما قال له ابن مسعود : (( أنصت تسلم من قبل أن تندم )) … ورددي : من قبل أن تندم ، من قبل أن تندم .

ألا تمنعين ولدك ؟

احفظ لسانـك أيـها الإنسان لا يـلدغنك إنـه ثعبــانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعانُ
أجل .. كما تحبسين طفلك إذا أوردك المشاكل وأوقعك في الخصومات مع الآخرين ؛ فاحبسي لسانك لأنه أولى بالحبس .
عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : (( ما شيء أحق بطول سجن من لسان )) . وفي رواية أخرى قال : (( والذي لا إله غيره ، ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان )) . أخرجه الطبراني في أسانيد رجالها ثقات ، وأخرجه الهيثمي في الزوائد .
وعن عمر بن دينار أن شاعراً تكلم عند النبي  فأكثر فقال : (( كم دون لسانك من حجاب ؟ قال : أسناني وشفتاي . قال : (( أما كان في هذا ما يرد من كلامك ؟ . إن من البيان لسحراً )) أورده السيوطي في الجامع الصغير مرفوعاً .

هل تتقبل نفسك أكل لحم جيفة حمار ؟!

لعلك تتفقين معي ، أختي المسلمة ، في أن أكثر ما يوقعنا به اللسان وأخطره هو الغيبة . يقول الله تعالى { ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } ( الحجرات 12 ) .
ويقول  في الحديث الذي رواه أبو هريـرة وأخرجه مسلم في صحيحه : (( أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا الله ورسوله أعلم . قال : (( ذكرك أخاك بما يكره )) قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول : قال : (( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته )) . يقال اغتابه اغتياباً إذا وقع فيه . والاسم الغيبة . وهي ذكر العيب بظهر الغيب .
قال الحسن البصري : الغيبة ثلاثة أوجه ؛ كلها في كتاب الله تعالى : الغيبة والإفك والبهتان . فأما الغيبة فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه . وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه . وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه .
وعن شعبة قال : قال لي معاوية بن قرة : لو مرّ بك رجل أقطع ؛ فقلت هذا أقطع كان غيبة . قال شعبة : فذكرته لأبي اسحاق فقال : صدق .

وروى أبو هريرة أن الأسلمي ماعزاً جاء إلى النبي  فشهد على نفسه بالزنى فرجمه رسول الله  فسمع النبي  رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجم رَجْم الكلب ؛ فسكت عنهما ، ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائل برجله فقال : (( أين فلان وفلان ؟ )) فقالا : نحن ذا يا رسول الله ، قال (( انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار )) فقالا : يا نبي الله ومن يأكل من هذا ! قال : (( فما نلتما من عرض أخيكما أشد من الأكل منه ، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها )) .
يقول القرطبي : مثّل الله الغيبة بأكل الميتة ، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه ، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه . وقال ابن عباس : إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر ، وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيح في النفوس . وقال قتادة : كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته حياً .
وعن قيس بن حازم قال : مرَّ عمرو بن العاص على بغل ميت فقال لأصحابه : (( والله لأن يأكل أحدكم من لحم هذا ، حتى يمتلئ ، خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم )) أخرجه البخاري في الأدب المفرد .

الصنبور المكسور .. وفضول الكلام

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( أنذركم فضول الكلام ، بحسب أحدكم ما بلغ حاجته )) .
وعن يعلى بن عبيد قال : دخلنا على محمد بن سوقة فقال : أحدثكم بحديث لعله ينفعكم فإنه قد نفعني ، قال لنا عطاء بن أبي رياح : (( يا بني أخي ، إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدون ( يحصون ) فضول الكلام ، ما عدا كتاب الله أن تقرأه ، أو تأمر بمعروف ، أو تنهى عن منكر ، أو تنطق بحاجتك في معيشتك ، التي لا بد لك منها ، أتنكرون : { وإن عليكم لحافظين  كراماً كاتبين } ( الانفطار 10 – 11 ) .
{ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد  مـا يلفظ من قول إلا لديـه رقيبٌ عتيد } ( ق 17 – 18 ) .
(( أما يستحي أحدكم أنه لو نشرت عليه صحيفته التي أملى صدر نهاره ؛ كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه )) . وقال إبراهيم التيمي : (( المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر ؛ فإن كان كلامه له تكلم ، وإلا أمسك عنه ، وإنما الفاجر لسانه رِسْلاً رِسْلاً )) . ويروى أن رجلاً قال لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أوصني قال : (( عليك بالصمت إلا في حق ، فإنك به تغلب الشيطان )) .
ورأى أبو الدرداء رضي الله عنه : امرأة سليطة اللسان فقال : لو كانت هذه خرساء ، كان خيراً لها .
وقال إبراهيم النخعي : يهلك الناس في خلتين : فضول المال وفضول الكلام .
أختي المؤمنة : حين يريد الكلام أن ينطلق .. تذكري الصنبور المكسور .. وأمسكي فضول الكلام .

عقبة في دخول الجنة

عن ابنة أبي الحكيم الغفارية رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله  يقول : إن الرجل ليدنو من الجنة ، حتى ما يـكون بينه وبينها إلا قيـد رمح فيتكلم بالكلمة ، فيتباعد منها أبعد من صنعاء )) ( أخرجه الإمام أحمد في مسنده وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح وأورده السيوطي في الجامع الكبير والطبراني في الكبير ) .
(( من يضمن لي ما بين لحييه ، وما بين رجليه ، أضمن له الجنة )) رواه البخاري .
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه : قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ قال : أمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك )) الترمذي وأحمد .
سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ قال : (( تقوى الله ، وحسن الخلق )) . وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ قال : (( الأجوفان : الفم والفرج )) البخاري .

إذا أغراك غيرك بالغيبة

1- لا بأس من أن تطلبي من اللواتي تشاركينهن جلسة ما ، وبلطف ، أن تتعاونّ على إبعاد الغيبة عن جلستكن تلك ، قبل أن تبدأن الحديث ، حتى لا تحسب إحدى الجالسات أنها المعنية بطلبك هذا . وقولي لهن : لا نريد لمن لا نحبها ، وأساءت إلى إحدانا أو إلينا جميعاً ، أن تأخذ من حسناتنا ، دون أن تسمي امرأة ما ؛ طبعاً ، وإلا كان كلامك هذا نفسه غيبة .
2- غيري وجهة الحديث : إذا بدأت إحدى الجالسات حديث غيبة فحاولي أن تغيري وجهة الحديث بسؤال عن أمر ، أو إخبار بحدث ، فلعل هذا يصرف المتحدثة عن حديث الغيبة .
إذا لم تنجحى .. في ذلك ، ووجدت إصراراً من المتحدثة ، فلا تشاركي في الحديث ، وإذا كنت صاحبة البيت فيمكنك أن تقومي لإعداد الضيافة ، أو فتح حديث جانبي مع التي تجلس بجانبك . ولقد كان ميمون بن سياه لا يغتاب ، ولا يدع أحداً عنده يغتاب ، ينهاه ، فإذا انتهى .. وإلا قام .

3- دافعي عن التي تقع الغيبة عليها ؛ بنفي ما تتهم به ، وإذا لم يكن دفاعك هذا متقبلاً ؛ لظهور ما اتهمت به فيها ، فحاولي أن تذكري صفاتها الحسنة الأخرى ، أو التماس العذر لها .
إن دفاعك هذا عنها ينجيك من المشاركة في غيبتها ، بل إنه يكسبك أجراً إن شاء الله تعالى . عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله  قال : (( من ذبَّ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار )) . أخرجه الترمذي في سننه وقال حديث حسن . وخرجه أحمد في مسنده . وأورده السيوطي في الجامع الصغير براويتين . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله  : (( من حمى عن عرض أخيه في الدنيا بعث الله إليه ملكاً يوم القيامة يحميه من النار )) . أخرجه أبو داود في سننه.
وكان منصور بن ذاذان يقول : إني لفي جّهْد ( تعب ومشقة ) من جليسي حتى يفارقني ، مخافة أن يأثم ويؤثمني )) .

صمت الزوجة في مقابل صراخ الزوج

1- إذا كان زوجي في حال عصبية فإني ألتزم الصمت ولا أكلمه . وهذا الدرس تعلمته بعد خبرة طويلة في الحياة الزوجية . سكوت المرأة في مثل هذه الأوقات أفضل ، وإذا واجهت المرأة زوجها بالعصبية نفسها .. وقع الشجار واهتزت ركائز الأسرة .
2- التزام الصمت أهم شرط لنجاح العلاقة الزوجية ، والتزام الصمت أجدى من تـأجيج المواقف ، وأنا ( أفوت ) في الكثير من المواقف ، وهذا أقل شيء مطلوب مني لأكسب في النهاية ، وأتحين الفرصة المناسبة لأتفاهم مع زوجي وأسأله عن سبب عصبيته ، وطرق معالجتها .
3- وقت الشدة أتعمد عدم الرد ، ليقيني أن ذلك ، لو حصل ، سيؤدي إلى رد آخر يؤزم الموقف أكثر فأكثر ، ولذلك ألجأ إلى الصمت لأتجنب زيادة حجم المشكلة ، فالصبر وطول الأناه .. ضروريان في كل بيت .
ولكن .. كيف تظفر الزوجة بالصمت مقابل كلمات زوجها الغاضبة ؟
– تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في سرها ، ولتحذر من الاستعاذة جهراً ، فقد يزيد في غضب الزوج ، ولتكرر هذه الاستعاذة باستمرار .
– تحاول أن تشغل نفسها بعمل من الأعمال . تقول لطيفة س . ن : (( من خلال تجربتي في فترة زواجي الطويلة ، التي بلغت الآن سبعة وعشرين عاماً ، أرى أنه من الأصوب أن أشغل نفسي مباشرة بعمل في المطبخ مثلاً ، أو عمل آخر ، حين أشعر أنه متوتر الأعصاب ومعكر المزاج )) .
– خاطبي نفسك بهذه الكلمات : أيحسبني عاجزة عن الرد عليه ؟ لو شئت لأسمعته أشد مما يسمعني ، ولأفهمته أنه المخطئ ، لكني أريد أن أكسب بصمتي هذا ، أكسب رضا ربي ، وأكسب استقرار بيتي .

من ثمرات الصمت

1- أهم ثمرة من ثمرات الصمت أنه يحفظ رصيد الحسنات . ( حديث المفلس ) .
وعن رياح بن عبيدة قال : كنت عند عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ، فذكر الحجاج ، فشتمته ووقعت فيه ، قال : فنهاني عمر وقال : (( مهلاً يا رياح ؛ فإنه بلغني أن الرجل يُظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه ، حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه )) .
أي أن الظالم يأخذ من حسنات المظلوم لقاء ما شتمه وانتقصه ، حتى يستوفي ما كان للمظلوم من حق عليه ، فيسبقه الظالم بالفضل .
2- من ثمرات الصمت عن الكلام الذي لا يرضي الله سبحانه ، كسب مودة صديقاتك وجاراتك وقريباتك وزميلاتك وجميع الناس . إن إمساكك عن الكلمات القاسية ، وحبسها في نفسك ، ونطقك ، بدلاً منها ، بالكلمات الطيبة ، يجعلك محبوبة من كل حولك في البيت ، وخارج البيت . قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (( الصمت داعية إلى المحبة )) .
وقال بعض الحكماء : (( الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوانح )) .
وقال غيرهم : (( كل كلام لا يسخط ربك ، ولا يخالف دينك ، إلا أنك ترضي به جليسك ، فلا تكن به عليه بخيلاً ، فلعله يعوضك منه ثواب المحسنين )) .
إن مجادلة غيرك تنفرك منها إن غلبتك في الحجة ، وتنفرها منك إن غلبتها أنت . قيل لميمون بن مهران : (( مالك لا يفارقك أخ لك عن قلى ( بغض ) ؟
قال : إني لا أشاريه ، ولا أماريه ( أجادله ) . وعن مجاهد رضي الله عنه قال : (( لا تمار أخاك ولا تفاكهه – يعني المزاح – )) . وقال عبدالرحمن بن أبي ليلى (( لا أماري صاحبي ، فإما أن أكذبه ، وإما أن أعصيه )) .
3- من ثمرات الصمت اكتساب الحكمة التي يفتقدها صاحب الكلام الكثير ؛ فالصمت يمنح العقل التفكر ، ويتيح له التدبر والتأمل .
قال وهيب بن الورد : (( الحكمة عشرة أجزاء ، فتسعة منها في الصمت ، والعاشرة عزلة الناس )) .
وقال أيضاً : (( إن الرجل ليصمت .. فيجتمع إليه لبه )) .
وقال علي رضي الله عنه : (( إذا تم العقل نقص الكلام . فإن كان الصمت يثمر الحكمة ، فإن الحكمة تثمر قلة الكلام )) .
وقال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه : (( إذا رأيتم الرجل يطيـل الصمت ويـهرب من الناس ، فاقتربوا منه ، فإنه يلقن الحكمة )) .
4- ومن ثمرات الصمت أنه يحيط صاحبه بالوقار . عن محمد بن النضر الحارثي قال : كان يقال : كثرة الكلام تذهب الوقار .
وعن خلف بن بن إسماعيل قال : (( قال لي رجل من عقلاء الهند : كثرة الكلام تذهب بمروءة الرجل )) .

الغيبة صمتاً !

هل يمكن أن يغتاب المسلم أخاه دون أن يتكلم بكلمة ؟ دون أن يتحرك لسانه بذكر أخيه ؟ نعم يمكن أن تغتابي أختك المسلمة ، عزيزتي ، دون أن تنطقي ! تسألينني كيف ؟ إذا ذكُرِت أمامك امرأة بصفة فيها ؛ فضحكت لذلك ؛ فقد اغتبتها . وإذا ابتسمت استهزاء فقد اغتبتها . وإذا أشرت بيدك دلالة على نقص فيها فقد اغتبتها .
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } قال : الصغيرة : التبسم بالاستهزاء بالمؤمن ، والكبيرة القهقهة بذلك .
وجاء في منهاج القاصدين (( واعلم أن كل ما يُفهم منه مقصود الذم ؛ فهو داخل في الغيبة ، سواء أكان بكلام أم بغيره ، كالغمز ، والإشارة ، والكتابة بالقلم ، فإن القلم أحد اللسانين )) ومن الغيبة مع الصمت سوء الظن فقد (( تحصل الغيبة في القلب ، وذلك سوء الظن بالمسلمين . والظن ما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب ، فليس لك أن تظن بالمسلم شراً ، إلا إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل ، فإن أخبرك بذلك عدل ، فمال قلبك إلى تصديقه ؛ كنت معذوراً ، لأنك لو كذبته كنت قد أسأت الظن بالمخبر ، فلا ينبغي أن تحسن الظن بواحد وتسيئه بآخر ، بل ينبغي أن تبحث : هل بينهما عداوة وحسد ؟ فتتفرق التهمة حينئذ بسبب ذلك ، ومتى خطر لك خاطر سوء على مسلم ، فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير ، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك ، فلا يلقي إليك خاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاه .. )) .

خمسمائة فقط كل يوم !
لو أعطاك زوجك خمسمائة دينار وقال لك : سأسافر شهراً ، وهذه الدنانير الخمسمائة لتنفقي منها عليك وعلى أولادك طوال غيابي ، أكنت تذهبين في أول يوم وتشترين به ثلاجة جديدة .. وتبقين باقي أيام الشهر ؟! دون نقود ؟!
لا شك في أنك لن تفعلي هذا ، ولن تفعله امرأة عاقلة .
لنفترض أنك لم تُمنحي ، في يوم ما ، سوى خمسمائة كلمة ، ليس لك غيرها من استيقاظك في الصباح إلى نومك في الليل ، واستثني من هذا صلاتك ، وتسبيحك ، وقراءتك القرآن الكريم ، فماذا كنت تفعلين ؟ أما كنت تقتصدين كثيراً في الكلام إلا في حاجة ماسة ؟!
أما كنت تختارين أقصر العبارات للتعبير عن طلباتك من زوجك وأولادك ؟ أما كنت تتفادين رفع سماعة الهاتف للاتصال بصديقة أو قريبة حتى لا تذهب الكلمات هدراً ؟ أما كنت تفكرين كثيراً قبل أن تنطلق الكلمات من لسانك ؟ أما كنت تحسبين الكلمات وتعدينها عداً وكأنك تعدين دنانيرك التي تنفقين منها ؟
ما رأيك الآن لو تجعلين من هذا حقيقة وواقعاً ؟ تعاهدين نفسك صبيحة يوم على ألا تتكلمي فيه أكثر من خمسمائة كلمة ؟ وتبدأين بعدّ الكلمات التي يتحرك بها لسانك ؟

حين يكون الكلام فضيلة
التحدث بنعم الله وآلائه { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى 11 ) .
التحدث إلى الوالدين بما يرضيهما ويفرحهما . قال الله تعالى : { وقل لهما قولاً كريماً } ( الإسراء 23 ) .
3- التحدث إلى الزوجة بما يبعث المودة في قلبها ويوفق بينها وبين زوجها . وكذلك تحدث الزوجة إلى زوجها بما يرضيه عنها ويكسبها مودته يقول  : (( كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب ، إلا أن أيكون في أربعة : ملاعبة الرجل أمرأته ، وتأديب الرجل فرسه ، ومشي الرجل بين الغرضين ، وتعليم الرجل السباحة )) حديث صحيح رواه النسائي .
4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : عن أم حبيبية رضي الله عنها قالت : قال النبي  (( كل كلام ابن آدم عليه ، إلا أمراً بالمعروف ، أو نهياً عن منكر ، أو ذكراً لله )) ( الترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي والإمام أحمد في الزهد ) .
5- الإصلاح بين الناس : قال الله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس . ومـن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيـه أجراً عظيما } ( النساء 114 ) .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.