ابتعد عني حتى أراك
محمد رشيد العويد

حين أسافر أشتاق إلى زوجتي ، ولا أذكر إلا فضائلها ، وأعد الأيام ، بل الساعات ، التي بقيت على يوم عودتي إلى بلدي لألقى زوجتي .
لكنني ، بعد أيام قليلة من عودتي إليها ، يغيب ذاك الشوق أو ينطفئ ، وترجع الخلافات والنزاعات بيننا من جديد ، فما سبب ذلك ؟ وهل يمكن أن نجعل الشوق في حياتنا الزوجية دائماً حتى ونحن نعيش معاً ؟

يقولون ( القرب حجاب ) أو ( شدة القرب حجاب ) ، وحين يكون الزوجان معاً طوال الوقت فإن كلا منهما لا يرى كثيراً من فضائل صاحبه وحسناته .
ولقد قال أحد الأدباء ( ابتعد عني حتى أراك ) وهو يريد أن شدة القرب حجبت الرؤية ، ولهذا يدعو حبيبه إلى أن يبتعد عنه حتى يراه بصورة أفضل .
ولهذا أنصح كلا الزوجين بأن لا يضيقا إذا افترقا بعض الوقت ، أو بعض الزمن ، فهذا الافتراق يجدد الشوق ، ويوقظ ما نام من حب ، وما رقد من اهتمام .
ومن العبارات الطريفة المعبرة عن هذا ؛ تلك العبارة القائلة : إذا سمعت امرأةً تذكر زوجها بخير وتثني عليه كثيراً فاعلم أنها أرملة !
إنها صارت ترى فضائل زوجها وحسناته حين ابتعد عنها ابتعاداً نهائياً في الدنيا ؛ حين مات .
وعليه فإني أدعو ألا يلح أحد الزوجين على صاحبه أن يكون معه دائماً حين يريد أن يخلو بِنفسه ، أو أن يبتعد عن صاحبه قليلاً ، ففي هذا الابتعاد خير لهما بعون الله .
إن من صدق الحب أن نحب لمن نحب ما يحب ، وألا نحول بينه وبينه ، ولا نمنعه منه . ولعل خير مثل على ذلك ما كان من النبي  وهو مع أحب الناس إليه ، مع أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ، فقد طلب منها أن تتركه يتعبد ربه سبحانه ، فتركته وقد آثرت ما يحب على ما تحب ، فالنبي  يحب أن يتعبد ربه وهي تحب قربه ، فقدمت ما يحب على ما تحب . قالت رضي الله عنها قام النبي  ليلة من الليالي فقال ( يا عائشة ؛ ذريني أتعبد لربي ) فقام فتطهر ، ثم قام يصلي ، فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره ، ثم بكى ؛ فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض .
لنقدر ما يحبه الزوج الآخر إن لم نستطع أن نحب ما نحبه .
ولنخفف من هذه الأنانية التي تجعلنا أحياناً نحيط من نحبه بأسوارنا حتى لا يخرج من دائرتنا ، ولا يبتعد عنا ، فنقتله ونقتل معه حبنا .

لكن المرجو من الزوج الآخر أن يقدر تقدير الأول ذلك ، وتركه وما يحب ، فيحرص من ثم على أن يسعده حين يلتقيان ، وأن يجعله لا يندم على لينه وموافقته .
وأهم عمل يفعله هو أن يقابله بالمِثْل ، فيؤثر ما يحبه على حب بقائه معه . أن يتركه مع ما يحب ، وإن أبعده هذا قليلاً عنه ، فيشتاق كل منهما لصاحبه ، فيكون اللقاء جميلاً .
ولقد أكدت فائدةَ الافتراق المؤقت دراسات حديثة ذكرت في إحداها مستشارة للعلاقات الإنسانية هي إيان كيرنر فقالت إنها تفضل أن يتجه مزيد من الأزواج إلى تطبيق فكرة الإجازات المنفصلة ، ووصفتها بأنها أمر حسن ، لأن غياب الزوجين عـن بعضهما يزيد من مشاعر الشوق والوله فيهما معاً .
وتقول روغوف موراغا ، وهي امرأة تعيش مع زوجها حياة هانئة طوال ست سنوات إنها وزوجها رود ريغو اعتادا طوال هذه السنين أن يخرجا في إجازات منفصلة وأوضحت أن زوجها يفضل قضاء إجازاته في التزلج وركوب الدراجات الهوائية في الجبال ، بينما هي تفضل الإجازات الهادئة التي يغلب عليها التواصل الإنساني والاجتماعي .
بل إن البعد المؤقت ، أو الانصراف المتعمد ، يمكن أن يكون وسيلة لاستعادة الآخر أكثر من الإلحاح اللزج أو الاقتراب المحاصِر ، فإن هذا يزيد في النفور ، ويضاعف الهجر .
تقول إحدى الباحثات وهي تنصح المرأة التي ابتعد عنها زوجها : عليـك أن تفكري في خطوات ، وأن تخططي لها بهدوء ، واحذري من اندفاعك إلى عتبة بابه باكيته متوسلة رجوعه ، فقد يزيد ذلك في اعتقاده بخطئك وتقصيرك وأنه كان محقاً في ابتعاده عنك وهجره لك .
لكـن هذا لا يعني أن تهملي واجباتك في بيتك ، وتجاه زوجك ، بل واظبي عليها ، واستمري في أدائها ، وأنت تكثرين من الاستغفار ، وتحافظين على ذكر الله تعالى ، والدعـاء بأن يصلح الله بينكما .
وراجعي أخطاءك ، وحاسبي نفسك ، ولا بأس من أن تستشيري من تثقين فيه ليرشدك وينصحك .
وأختم بهذه الفائدة لافتراق الزوجين وهو أنه يمنح نزاعاتهما وقتاً لتهدأ فيه فيسهل حلها ؛ مثلما أننا نمنح الأطعمة الحارة وقتاً لتبرد فيسهل أكلها .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.