افهميه حتى لا تظلميه

افهميه حتى لا تظلميه
محمد رشيد العويد

كتبت للرجل تحت عنوان ( افهمها حتى لا تظلمها ) وشرحت له طبيعة المرأة العاطفية التي يساعده فهمه لها على الإحسان إلى زوجته ، والصبر عليها ، وكسب محبتها .
واليوم أكتب للمرأة تحت عنوان ( افهميه حتى لا تظلميه ) لأشرح لها أيضاً طبيعة الرجل المباشرة التي يساعدها فهمها لها على الإحسان إلى زوجها ، والصبر عليه ، وكسب محبته .
الرجل غير المرأة ، فلا تتوقعي أن يكون عاطفياً ، حتى وإن كان كذلك في بعض الأحيان ، فإنه لن يستطيع أن يبقى عاطفياً دائماً .
طبيعته المباشرة تجعله يريد توفير حاجاته دون تلكؤ ، وطاعة أوامره دون مناقشة ، والإنصات إليه دون مقاطعة .
قد تجدينها طبيعة متعبة لك ، مرهقة لأعصابك ، لكنك إذا فهمت هذه الطبيعة جيداً ، واستفدت من فمها في مداراتـه ومراعاته والصبر عليه ، فستأخذين منه كثيراً مما تريدين من كرم مادي وعاطفي ؛ ولو بعد حين .
من طبيعة الرجل أنه لا ينجح كثيراً في الجمع بين عملين أو اهتمامين أو متابعتين في وقت واحد ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه فحين تجدينه منصرفاً إلى أمر ، أو مشغولاً بعمل ، أو يتابع برنامجاً ، أو يقرأ في صحيفة أو كتاب ، فاحرصي على ألا تقتحمي عليه ما هو فيه ؛ إلا إذا كان سؤالاً عابراً ، أو إخباراً بأمر ، أو استئذاناً بالخروج من البيت مثلاً .
أما أن تحاولي انتزاعه مما هو فيه ليتفرغ لك تماماً ، فستبوء محاولتك ، في الأغلب ، بالإخفاق ، وقد يكون رده غاضباً وقاسياً .
ومن طبيعة الرجال أنهم لا يرتاحون لانتقادهم ولومهم ، وانتقاصهم ؛ وخاصة إذا كان أسلوبك في ذلك فوقياً ، وحاداً ، واتهامياً .
إذا كان لا بد من نصحهم ، وتنبيههم ، وتحذيرهم ، فليكن أسلوبك رفيقاً ، لطيفاً ، غير مباشر .
ابدئي بتقدير زوجك ، أو شكره ، أو الثناء عليه ، ثم انتقلي بلطف إلى إبداء ملاحظتك ، أو طلبك ، أو اقتراحك .
ابتعدي عن المواجهة ، واحرصي على الرفق ، واحتالي في مخاطبته .
أنتقل إلى أمر يهتم به الرجل كثيراً ، وقد لا تقابله المرأة باهتمام مماثل ، بل إن كثيرات من الزوجات يستنكرن على أزواجهن ذلك .
وأعني به المعاشرة الزوجية ، فهي عند أكثر الرجال أهم شيء في حياتهم الزوجية ، وأكثر ما لا يتسامحون فيه مع زوجاتهم إن امتنعن عنهم .
في نيويورك صدر كتاب عنوانه :
( Secrets About men Every woman should know )
( أسرار عن الرجال ينبغي على المرأة معرفتها )
مؤلفة الكتاب ( باربرادي انجيليس ) استشارية ذات خبرة طويلة ، تشرح فيه للمرأة كثيراً من طبائع الرجل التي تجهلها كثيرات من النساء .
قالت المؤلفة في مقدمتها إنها نجحت في معالجة مشكلات زوجية كثيرة حتى اكتسبت معرفة لا تقدر بثمن ، ولهذا فهي تريد أن تُطْلع الزوجات على تلك الأسرار ليستفدن منها في كسب أزواجهن .
وتشير المؤلفة إلى أهمية معرفة المرأة لهذه الأسرار بقولها : إنني لا أبالغ إذا قلت إن كشف هذه الأسرار واطلاع الزوجة عليها يمكن أن يؤدي إلى تغيير حياتها تغييراً إيجابياً كبيراً .
وتحذر المرأة من صدها زوجها إذا رغب في معاشرتها بقولها :
يشعر الرجل بأن امتناع الزوجة عن المعاشرة دليل على أنها ترفضه ، فالجنس بالنسبة للرجال عموماً وسيلة لتقديم أنفسهم على المستويين الشعوري والجسدي ، فإذا أعرب الزوج عن رغبته في المعاشرة فإنه يعرض ما هو أكثر من الجنس ، فهو يقول على المستوى اللاشعوري : (( من فضلك اقبليني )) . فإذا رفضت المرأة طلبه فإنه لا يأخذ قولها (( إنني متعبة )) و (( ليس الآن )) بالمعنى الحرفي ، وإنما يفهم أنها لا تحبه ، أو كأنها تقول له : (( لا أريدك )) فأنت إنسان غير مرغوب .
فإذا امتنعت الزوجة عن العاشرة عدة مرات فإنه ببساطة يتوقف عن المراودة ، والأسوأ من ذلك قد يجد لنفسه متنفساً آخر ساعياً إلى من يستطيع قبوله خارج نطاق الزواج ، وهذا هو الانحراف بعينه !.
لهذا تنصح المؤلفة الزوجات بعدم رفض المراودة من الأزواج . وهذا لا يعني أن على الزوجة أن تقول (( نعم )) دائماً ، وإنما عليها أن تفهم حساسية الزوج كأن تقول له : مثلاً (( إنني أحبك .. لكنني أشعر بالإرهاق والتوتر بسبب العمل ، ولن أستطيع تلبية رغبتك بالطريقة التي أريدها الآن .. هل يمكنني أن أنعم بالنوم في حضنك حتى الصباح .. وحتى أستطيع أن أعرف طبيعة حالتي ؟ )) .
بعبارة أخرى ، كما تقول الكاتبة ، إنه إذا لم تكن الزوجة مهيأة نفسياً للمعاشرة فإن بإمكانها أن تقول : (( لا )) للمعاشرة ، و (( نعم )) للحب ، إن مثل هذا الرد لا يؤذي الزوج ، ومن يدري .. فبعد تبادل العواطف الهادئة والحنان الدافئ معاً قد تتهيأ الزوجة نفسياً للعلاقة الحميمة ! .
وتنصح المؤلفة الزوجـة بأن تكون أكثر تفتحاً وأن تقوم هي أحياناً بالمبادرة ، فالرجل يحب ذلك . ثم إن الرجل إذا بدأ بالمبادرة – كما يفعل في معظم الأحيان – فإنه يغامر باحتمال الرفض أو الصد . لذلك يحب الزوج زوجته إذا شعر أنها مستجيبة على طوال الخط . وعندئذ تتعلم المرأة أهمية الاستجابة لرجلها بأسلوب سلس يدل على الحب والإعزاز وتقدير المشاعر .

ومن الأمور الأخرى التي يحتاجها الرجل في زوجته :
روح الدعابة والمرح ، على أن يكون ذلك في إطار الاحترام وبعيداً عن السخرية من الزوج .
تقول المؤلفة :
إذا حاول زوجك أن يكون مرحاً ورفضت مشاركته فإنه يشعر بأنك تصدينه أو تهملينه ، أو أنك تتصرفين وكأنك أفضل منه . بل إنه قد يشعر في أعماق نفسه بأنك تحكمين سراً على تصرفاته بما في ذلك أداؤه للعلاقة الزوجية .
وربما كان التزامك الجدية الزائدة تجاه الزوج وقت نزوعه إلى المرح وسيلة تذكرة بمعلمته المتزمتة في المرحلة الابتدائية أو بأمه الحازمة أو بأية شخصية أخرى متسلطة وتكون النتيجة أنه لا يستطيع اعتبارك شخصية لطيفة جذابة .
إن المؤلفة تنصح الزوجة بان تضحك حتى على نفسها وأن تتقبل المزاح من زوجها في غرفة النوم أو خارجها ، فبهذه الطريقة يعم الشعور بالمرح ويشعر الزوج بالاسترخاء ، وتصبح الزوجة أحلى وألطف ، وأكثر جاذبية في عين زوجها . والرجال يدركون مدى جاذبية (( خفة الدم )) ومدى تأثيرها على العلاقة .

Advertisements

استجابتك .. ترد ما في نفسه

استجابتك .. ترد ما في نفسه
محمد رشيد العويد

عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها فقضى حاجته ، ثم خرج إلى أصحابه فقال : ( إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان ، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله ؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه ) صحيح مسلم .
وفي رواية عنه أيضاً أن رسول الله : ( إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه ) صحيح مسلم .
تمعس منيئة ؛ المعس : الدلك . والمنيئة : هي الجلد أول ما يوضع الدباغ .
لعل قائلاً : كيف لا يصبر النبي على ما أثارته هذه المرأة فيبادر على الفور إلى امرأته ليقضي حاجته ثم يخرج إلى صحابته ؟!
قال العلماء : إنما فعل هذا بياناً لهم ، وإرشاداً لما ينبغي لهم أن يفعلوه ، فعلَّمهم بفعله وقوله .
إنه الأسوة ، أسوة في أمور الحياة وشؤونها كلها ، أسوة حسنة كما وصفه ربنا سبحانه لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً .
والأسوة : من يُقتدى به ليكون على مثاله ، ولقد أورد مسلم الحديث في باب ( ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها ) .
يقول النووي رحمه الله : ومعنى الحديث أنه يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن يأتي امرأته أو جاريته إن كانت له فليواقعها ليدفع شهوته ، وتسكن نفسه ، ويجمع قلبـه على ما هو بصدده .
( إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان ) . قال العلماء : معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن ، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له . ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها أن لا تخرج بين الرجال إلا لضرورة ، وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها ، والإعراض عنها مطلقاً .
وقد ترى نسوة أن في هذا انتقاصاً للمرأة أن تقبل وتدبر في صورة شيطان ،وكتبت إحداهن بذلك حين أوردت هذا الحديث على حسابي في التويتر ، ولو سألنا النساء : كيف ترين المرأة التي تغوي أزواجكن ؟

لأجبن بأنهن يرينها شيطانة الشياطين ، أو ما يشبه هذا من وصف يعبرن به عن غيظهن من كل امرأة تجذب أزواجهن وتخطفه منهن .
وفي الحديث توجيه للزوجات ألا يمتنعن عن أزواجهن إذا دعوهن إلى حاجاتهم ، في ليل أو نهار ، وألا ينظرن إلى ذلك نظرة استنكار عليهم ، بل لينظرن نظرة أشمل وأعمق ، نظرة ترى فيها المرأة استجابتها لزوجها إعفافاً له ، وإعانة على إتقانه عمله ، كما قال النووي ( ويُجمع قلبه على ما هو بصدده ) وقال ( وفيه أنه لا بأس بطلب الرجل امرأته إلى الوقاع في النهار وغيره ، وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركـه لأنه ربما غلبت على الرجل شهوة يتضرر بالتأخير في بدنه أو في قلبه وبصره ) .
ولبيان ما في حديثه من حكمة عظيمة ، أورد واقعة نشرتُها وعلقتُ عليها في كتابي ( إلى الممتنعة من زوجها ) تحت عنوان ( امتناعها جعل زوجا مجرماً ) :
هبّت زوجة رجل يواجه تهمة ارتكاب 37 جريمة اغتصاب لنجدته بشهادتها أمام محكمة الجنايات في (( اكس آن بروفانس )) ؛ حيث أوضحت أن انحراف زوجها يعود إلى عدم قدرتها على تلبية رغبته في معاشرتها معاشرة الأزواج .
وقالت آن ماري زوجة المتهم آلان غارسيا (( إنه لم يتزوج من المرأة التي كان يجب أن يتزوجها )) في شهادة منها على أنها لم تكن تصلح زوجة له .
وقد أدلت بشهادتها وهي تضع نظارة سوداء لتغطي عينيها ، وبدا عليها الحرج الكبير عند حديثها عن ندرة استجابتها لزوجها حين يرغب في معاشرتها .
وأضافت أنها كانت مريضة ، وأنها كانت تشعر بنوع من الاشمئزاز . وقالت : إن ممارسة الجنس شيء لم أستطع يوماً تحمله .
وقالت اختصاصية علم النفس نويل ماجو فولان : إن ماري شعرت بالذنب ، واعتقدت أنها تسببت في تأجيج النزعة الشريرة لزوجها بسبب امتناعها منه .
وأشارت فولان إلى أن المتهم بعد ارتكابه جرائم الاغتصاب كان يشعر بتأنيب الضمير ؛ فكان يبكي ويشعر برغبة في التقيؤ .
ويذكر أن القضاء وجه إلى غارسيا تهمة اغتصاب عشرات النساء الوحيدات اللاتي كان يعتدي عليهن في منازلهن بعد تسلق الجدران المحيطة بالمباني ليلاً . وبعد اعتقاله اعترف بأنه ارتكب نحو 100 اعتداء جنسي في الفترة بين عامي 1970 إلى 1988 غير أنه لن يحاكم إلا على 37 منها نظراً لأن الدعاوى الأخرى سقطت بمرور الزمن ( التقادم ) .
ألم يكن واضحاً أن امتناع الزوجة من زوجها كان وراء ارتكابه نحو مائة جريمة اغتصاب ؟!
لم تنكر الزوجة أن امتناعها من زوجها كان الدافع الرئيسي ، إن لم يكن الوحيد ، لارتكاب هذه الجرائم المائة الخطيرة ؛ بل إنها هي التي شهدت بذلك في قاعة المحكمة التي يحاكم فيها زوجها .

إن جريمة واحدة ، من هذه الجرائم المائة ، تكفي لبيان ضرر هذا الامتناع ، وأذاه الكبير ؛ اللذين يلحفان بامرأة أخرى : فكيف وقد لحقا بمائة من النساء .
مائة من النساء اللواتي يفترض أنهن يعشن آمنات في بيوتهن ، يتسلق هذا الزوج جدران مبانيهن ، أو المباني المحيطة ، ليقتحم عليهن بيوتهن ، ويستغل عيشهن وحيدات ؛ فيغتصبهن .
هذا الزوج مجرم . نعم . ولكن مـن كان سبب ارتكابه جرائمه تلك ؟ أليست زوجته الممتنعة منه ؟ أليست شهواته التي كانت الزوجة ترفض تلبيتها هي التي تدفعه إلى اغتصاب النساء الأخريات ؟
لعل ما سبق يظهر حكمة الإسلام العظيم في التشديد على الزوجات الممتنعات من أزواجهن ؛ فيكُنَّ ، بامتناعهن ، السبب في ارتكاب أزواجهن أخطاء وانحرافات ، وأحياناً جرائم بشعة مثل تلك التي ارتكبها ذاك الزوج .
فيا أيتها الزوجة ؛ لا تنظري إلى تلبية دعوة زوجك إلى فراشه على أنها دعوة إلى المتعة المجردة .. بل انظري إليها على أنها تحرره من شهوة جامحة قد تدفعه إلى انحراف أو جريمة .

إنها قصيرة جداً !

إنها قصيرة جداً !
محمد رشيد العويد

هل وجدتم راكبين في حافلة ، يتنازعان على مقعد ، وكلاهما سيغادر في المحطة المقبلة التي ستصل إليها الحافلة بعد دقيقتين ؟
أحسب أنكم جميعاً ستجيبون قائلين : لا ، لم نجد ، ولا نحسب أن نجد مثليهما في ما بقي من أعمارنا إلا إذا كان هناك راكبان مجنونان ، أو أنهما يحبان إثارة النزاع مهما كان السبب هيّناً ، أو تافهاً .
هذا مثل أضربه للزوجين اللذين يتنازعان كثيراً في هذه الحياة الدنيا ، رغم قصرها ، وهوانها على الله ، وتزهيده بها .
يقول النبي ( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم ، فأدخل إصبعه فيه ، فما خرج منه فهو الدنيا ) صحيح مسلم .
وفي رواية ( ما آخذت الدنيا من الآخرة ، إلا كما أخذ المِخْيَطُ غُمس في البحر من مائه ) صحيح مسلم .
وفي حديـث آخر ( ما لي وللدنيا ، وما للدنيا وما لي ! والذي نفسي بيده ؛ ما مثلي ومثل الدنيا ؛ إلا كراكب سار في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار ثم راح وتركها ) صحيح الجامع .
إن إدراك الزوجين لهذا حق الإدراك ، واستحضاره دائماً ، يجعلهما متوافقين بعون الله ، يتجاوز كل منهما عن صاحبه ، ويلين له ، ويصبر عليه ، ويرفق به .
لما جاء أحد المسلمين إلى الفاروق عمر بن الخطاب ليشتكي إليه زوجته ، وسمع صوت امرأة عمر يرتفع عليه ، عاد أدراجه ، لكن عمر أدركه وسأله عن حاجته فأخبره فقال كلامه الجميل الذي يصبِّر كل رجل على زوجته ومنه ( … إنما هي مدة يسيرة ) .
علينا ألا نحصر آمالنا في الدنيا ، وكأننا خالدون فيها ، بل ينبغي أن نعلق قلوبنا بالآخرة ، ونرى الدنيـا جسراً إليها ، فإذا نجحنا في ذلك بتوفيق الله لنا ؛ نجحنا في أن يصبر كل منا على صاحبه ؛ الرجل على زوجتـه ، والمرأة على زوجها ، وهو يستحضر ما يأتيه من أجر على هذا الصبر ، وما يظفر به من ثواب في تحمل ما يلقاه من صعاب .
اللهم أصلح كلاً مـن الزوجين لصاحبه ، وألِّف بين قلبيهما ، وأبعد شياطين الإنس والجن عنهما .

إن لم تكن زوجتي معي .. فلا

إن لم تكن زوجتي معي .. فلا
محمد رشيد العويد

عن أنس بن مالك أن جاراً للرسول فارسياً كان طيب المرق ، فصنع لرسول الله ، ثم جاء يدعوه ، فقال النبي له : ( وهذه ) لعائشة رضي الله عنها ، فقال الرجل : لا ، فقال رسول الله ( لا ) . فعاد الرجل يدعوه ، فقال رسول الله ( وهذه ) قال الجار : لا . قال رسول الله ( لا ) . ثم عاد يدعوه ، فقال رسول الله ( وهذه ؟ ) قال نعم في الثالثة ، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله . صحيح مسلم .

هذا حديث عظيم في بيان رفقه ، وسعة رحمته ، وعظم عطفه وشفقته ، وخاصة بزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن .
فعلى الرغم من أن الجار الفارسي يدعو النبي لتناول ما صنعه له من مرق وطعام ، فإنه عليه الصلاة والسلام يأبى تلبية الدعوة وحده ، فيشير إلى عائشة ليشملها الجار بدعوته ، لكنه يرفض فيقابله النبي برفض تلبية الدعوة دون أن تكون معه زوجته السيدة عائشة .
يكرر الجار دعوته لعل النبي يغير رأيه فيوافق على تلبية الدعوة وحده دون زوجته ، لكنه يثبت على رفضه تلبيتها دون زوجه عائشة رضي الله عنها .
حتى في المرة الثالثة يثبت على رفضه تلبية الدعوة وحده دون زوجه ، فيستجيب الجار الفارسي ويوافق على دعوة عائشة مع النبي .
هذا يوجه الأزواج إلى إبعاد الأنانية ، وعدم الاستئثار بشيء دون زوجاتهم ، ولهم في النبي الأسوة الحسنة ، يقول النووي رحمه الله : فكَرِهَ الاختصاص بالطعام دونها ، وهذا من جميل المعاشرة ، وحقوق المصاحبة ، وآداب المجالسة المؤكدة .
بينما نجد اليوم كثيراً من الأزواج يؤثرون أنفسهم على زوجاتهم ، ولا يشترطون دعوة زوجاتهم معهم ، بل نجدهم يتهربون من ذلك حتى وإن دُعين معهم .
وحين تبدي المرأة رغبتها في أن تكون مع زوجها في سفر ، أو زيارة ، أو نزهة ، فإن زوجها يتهرب متعللاً بعلة من العلل ، أو سبب من الأسباب ، وكثير منها غير حقيقي .
قد يقول لها زوجها : بقاؤك مع الأولاد أهم ، أو يقول : في المرات المقبلة إن شاء الله ، أو يقول : والله أنا رايح مجاملة ولو تُرك لي الاختيار لما ذهبت .

وقد يعلل ويبرر غيرهم بأنه طلب من الداعي أن تكون معه زوجته فلم يقبل ؛ دون أن يكرر الزوج طلبه ، بل قد يجدها فرصةً حتى لا يصحب زوجته معه ، وهذا على غير ما وجدنا عليه النبي الذي يشترط ثلاث مرات أن تشمل الدعوة زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .
وقد يبرر آخرون بأنهم مرغمون على تلبية الدعوة دون أن تكون زوجاتهم معهم عملاً بأمر النبي بتلبية الدعوة ( إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ) صحيح مسلم .
( إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليُجب ) صحيح مسلم .
( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن شاء طَعِم وإن شاء ترك ) صحيح مسلم .
يقول النووي الذي أورد هذه الأحاديث وغيرها في باب ( الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة ) : وأما الأعذار التي يسقط بها وجوب إجابة الدعوة أو ندبها فمنها أن يكون في الطعام شبهة ، أو يخص بها الأغنياء ، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه ، أو لا تليق به مجالسته ، أو يـدعوه لخوفِ شرِّه ، أو لطمعٍ في جاهه ، أو ليعاونه على باطل ، وأن لا يكون هناك منكر من خمر ، أو لهو ، أو فرش حرير ، أو صور حيوان غير مفروشة ، أو آنية ذهب أو فضة ؟ فكل هـذه أعذار في ترك الإجابة .
يضيف النووي : ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه ( أي يقبل الداعي اعتذاره ) . ولو دعاه ذمي لم تجب إجابته على الأصح .
وعلى هذا فإن النبي كان له إجابة الدعوة وعدم تلبيتها ، فاختار عدم التلبية إلا إذا دعيت معه زوجته عائشة ، يقول النووي : فلما أذن لها ( أي أذن الجار الفارسي حضورها مع النبي ) اختار النبي الجائز لتجدد المصلحة ، وهو ما كان يريده من إكرام جليسه ، وإيفاء حق معاشرته ، ومواساته في ما يحصل .
وأرجو أن نتأمل في الكلمات الأخيرة من كلام النووي رحمه الله : ( إكرام جليسه ، وإيفاء حق معاشرته ، ومواساته في ما يحصل ) والمقصود بهذا كله السيدة عائشة رضي الله عنها ، فهل نفعل مثل هذا مع زوجاتنا من إكرام ، وإيفاءِ حق ، ومواساة ؟!
وأرجو أن نتأمل في وصف تلبية النبي وزوجه عائشة دعوة جارهما بعد أن قال نعم في الثالثة ( فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله ) يقول النووي : ( يمشي كل منهما في أثر صاحبه ) ففي هذا بيان فرحتهما بأن يكونا معاً في تلبية الدعوة .
ولعلنا لا حظنا أن النبي لم يرجع إلى زوجته عائشة ليسألها : هل ألبي دعوته وحدي ؟
أو : هل رأيت .. إنه يأبى أن يدعوك ، فيحضرها أحدنا خير من أن لا يحضرها أحد !
أو : ماذا أفعل .. لقد طلبت منه مرتين أن يدعوك معي .. أنا حريص على هذا ، لكنه مصرٌ على رفضه .

لم يقل شيئاً من هذا ، مؤكداً أنه يحب لعائشة ما يحبه لنفسه ، ويريد لها أن تأكل مثلما يأكل ، وأن تسعد مثلما يسعد ، حتى وإن أذنت له أن يلبي الدعوة وحده .
ما أعظم الحب الذي سيفيض في قلب كل امرأة لا يتراجع زوجها عن إصراره على أن تنال من الخير مثل ما ينال ، وأن تأكل من الطعام ما يأكله ، كما قال ( أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تُقَبِّح ، ولا تهجر إلا في البيت ) . صحيح الجامع .
يبقى سؤال يخطر في الأذهان : لماذا اقتصر الجار الفارسي في دعوته على النبي وتأخر في استجابته للنبي الذي طلب مشاركة أم المؤمنين له في الدعوة ؟
يقول النووي : قالوا ، ولعل الفارسي إنما لم يدعُ عائشة رضي الله عنها أولاً لكون الطعام كان قليلاً ؛ فأراد توفيره على رسول الله .
وبعد ؛ فإن هذا الحديث يضيئ لنا صورة مشرقة من حبه ورفقه وعطفه ، وشفقته بالناس عامة ، وبالمرأة خاصة ، نحتاج كثيراً الاهتداء بها ، والاقتباس منها ، في حياتنا الزوجية اليوم ، وقد كَثُرتْ فيها النزاعات ، واحتدت فيها المشاحنات ، وسيطرت عليها الماديات ، وامتلأت قلوب أطرافها بالأنانيات .

إلى أي مدى يكون المزاح؟

إلى أي مدى يكون المزاح؟
محمد رشيد العويد

ندعو إلى شيء من المرح ، ونوصي ببعض المزاح ، لكن أن نجعل أوقاتنا كلها ضحكاً ومزاحاً فهذا أمر لا يتفق مع الإسلام ولا يرضى عنه شرعه الحنيف .
لقد كان يمازح أصاحبه ، ويداعب أمهات المؤمنين ، ويلاطف أطفال المسلمين ، ولكن بقدر محدود ، وفي التزام بالصدق والأدب ، ومراعاةٍ للوقت والحال .
عـن أنس بن مـالك رضي الله عنه أن النبي قال له ( يا ذا الأذنين ) رواه أبو داود والترمذي ( صحيح الجامع ) .
وعنه رضي الله عنه قال ك كان النبي أحسن الناس خلقاً ، وكان لي أخ يقال له أبو عمير ، وكان إذا جاء قال : ( يا أبا عمير ما فعل النغير ) النغير : الطائر الصغير . والحديث في البخاري ومسلم .
وأتي رجل إلى النبي فقال : يا رسول الله احملني . ( أي أعطني دابة أركب عليها ) فقال : ( أنا حاملوك على ولد ناقة ) . قال الرجل : وما أصنع بولد الناقة ؟ فقال النبي ( وهل تلد الإبل إلا النوق ؟ ) صحيح الجامع ( أحمد وأبو داود ) .
ولما ذهب النبي إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن حدث شيء من الخلاف بينه وبين زوجته السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها ، وجده راقداً في المسجد وقد أثَّر التراب في صفحة وجهه فقال له ( قم يا أبا تراب ، قم يا أبا تراب ) .
وتتعدد هذه الملاطفات والمداعبات منه لكنها بمجموعها لا تتجاوز ثلاثين موقفاً ، بل لعلها لا تزيد عن عشرين ، أي أن نصيب هذا الأمر في حياته قليل جداً ، فلو وزعنا تلك المواقف على ثلاث وعشرين سنة هي الزمن الذي عاشه بعد أن أنزل عليه الوحي لكان نصيب كل سنة موقفاً واحداً .
ثم إننا نجد أنه في مداعباته وملاطفاته لا يقول إلا حقاً ، ولا يؤذي الآخرين بذاك المزاح ، ولا ينال منهم ، وليس فيه قهقهة فقد كان ضحكه تبسماً ( ما كان ضحك رسول الله إلا تبسماً ) وفي رواية ( كان لا يضحك إلا تبسماً ) صحيح الجامع 4861 .
بل إنه طعن أسيد بن حضير مداعباُ حين وجده يحدث قوماً ويضحكهم وكأنه ينهاه بلطف عن ذلك ، فعن أسيد بن حُضير قال : بينما أُحدِّث القوم ، وفيه مزاح ، وأُضحكهم ، طعنني النبي بعود في خاصرتي ، فقلت : أصبرني ( أي أجعلني أقتص منك ) فقال ( اصطبر ) قال أسيد : إن عليك قميصاً وليس عليَّ قميص ، فرفع النبي عن قميصه ، فاحتضنه أسيد وجعل يقبل كشحه ( ما بين الخاصرة والضلع ) ويقول : إنما أردت هذا يا رسول الله ، صحيح الجامع .
وكم من موقف ممازحة سمجة أدت إلى نزاع وشجار ، وربما إلى قتل ودماء ، تقول الدكتورة نهي السيد ، وهي عالمة اجتماع : ( قد تؤدي الممازحات السمجة إلى انهيار العلاقات بين الناس ، إنها كالفايروس الذي يحول الصداقة إلى جحيم لا يطاق ، والمودة إلى كراهية ، ولقد سمعنا كثيراً عن ضحايا لقوا حتفهم بسبب مزاح ثقيل سخيف ، وأضرب مثلاً بشاب في كلية العلوم كان يشرح أرنباً في بيته ، وأراد أن يمازح أخته التي كانت تزورهم لوضعها طفلاً من حملها ، وأخذ طفلها من سريره ووضع مكانه الأرنب بعد تشريحه ، بعد أن أخرج أمعاءه فوق اللحاف ، وحين ذهبت أخته لترضع طفلها رأت الأمعاء المتدلية فحسبتها لرضيعها فأصيبت بصدمة نتجت عنها سكتة قلبية قتلتها على الفور .
وأذكر أن فتاة في الثالثة عشرة من عمرها كانت في حفل زفاف شقيقتها ، فمازحها أخوها بقوله : هذا النمش في وجهك لن يجعل أحداً يخطبك فلا تحلمي بالزواج مثل أختك . فما كان منها إلا أن ذهبت واحتست سم الفئران قاتلة نفسها .
يقول الله تعالى وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ؛ إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبيناً أمر الله تعالى المؤمنين ، فيما بينهم خاصة ، بحسن الأدب وإلانة القول ، وخفض الجناح ، واطراح نزغات الشيطان ( القرطبي ) .
إن الشيطان ينزغ بينهم أي بالفساد وإلقاء العداوة والإغواء . ( تفسير القرطبي ) .
وبعد ، فيرجى من الآباء والأمهات ، والأبناء والبنات ، والأزواج والزوجات أن تكون ممازحاتهم ومداعباتهم وملاطفاتهم في إطار الدين والخلق والأدب والصدق ومراعاة الآخرين .