أغرب من الخيال

أغرب من الخيال
محمد رشيد العويد

اشتد بها مرض السرطان ، وزادت آلامها منه ، وقلَّت حركتها وقد خضعت لجهاز يساعدها على التنفس ، ولم يمنعها هذا كله من استمرارها في ذكر الله سبحانه ، كلما صحت من المسكنات القوية التي تتناولها للتخفيف من آلامها .
قبل أسبوع من وفاتها ، وبينما كان زوجها وأولادها محيطين بها في غرفتها بالمستشفى ، طلبت من زوجها أن يقترب منها لتهمس في أذنه بشيء ، اقترب زوجها المشفق عليها ، وأصاخ بسمعه لها ؛ فقالت هامسة في أذنه بصوتها الواهن : أريد أن تأخذني إلى بيتي !
رد عليها زوجها مندهشاً من طلبها : لا يمكن نقلك إلى البيت وأنت في هذه الحال !
ألحت قائلة : أرجوك حقق لي طلبي هذا . أرجوك .
أشفق عليها زوجها ، لكنه كرر محاولته صرفها عن ذلك قائلاً : حبيبتي .. ماذا تريدين أن أحضر لك من البيت أحضره لك . أما نقلك إلى هناك فخطر عليك .
قالت : استجب لي أرجوك .. قد يكون هذا آخر ما أطلبه منك في حياتي .
قال : بعيد الشر عنك .. إن شاء الله تُشفين وتعودين إلى بيتك وأنت في صحتك وعافيتك ؟
قالت بصوت يغلبه الحزن : لماذا تحرمني من زيارة بيتي ؟
أجاب مشفقاً : سأسأل الطبيب ، إذا وافق فسآخذك إلى البيت .
ردت بامتنان : الله يجزيك الخير .
أخبر زوجها الطبيب برغبة زوجته في زيارة بيتها ، فوافق على ذلك على أن تعود إلى المستشفى بعد ذلك دون تأخير .
تم إحضار الكرسي المتحرك ، وتعاونت الممرضات على نقلها إليه ، وأصر زوجها على أن يقوم هو بدفع الكرسي إلى المصعد ، ومنه إلى سيارته حيث انتقلت الزوجة بها إلى بيتها وهي ضعيفة منهوكة القوى .
طلبت من زوجها أن يـذهب بها إلى غرفة نومها ، وأعانها على صعود سريرها ، فتمددت عليه ، ثم سألته عن أولادها ، فأخبرها أنهم في بيت جدهم ، فقالت : إذن نحن وحدنا في البيت . قال لها : أجل . قالت : خذ حقك الشرعي مني .
فوجئ الزوج بطلبها ، وعرف سر إلحاحها على نقلها إلى بيتها ، ولم يملك عينيه من أن يسيل دمعهما على خديه .
قالت زوجته : تسعة أشهر وأنت لا تستطيع أخذ حقك . لقد حرمتك وأتعبتك .
رد زوجها : ماذا تقولين يا حبيبتي ، وأنت على هذه الحال .
قالت : أريد أن ألقى الله وأنت راض عني .
قال : أوتشكين في ذلك أيتها الحبيبة الغالية .
وتمَّ للزوجة ما أرادت ، ثم تيممت ، وصلت ، وطلبت من زوجها أن يعيدها إلى المستشفى .
بعد أسبوع توفيت الزوجة ، رجعت إلى ربها وزوجها راضِ عنها أعظم ما يكون الرضا .
هذه الواقعة الحقيقية ، التي حكاها لي الزوج ، أنقلها للقارئات الكريمات ، والزوجات منهن خاصة ، لأبين لهن مدى التقوى التي وصلت إليها هذه الزوجة الحريصة على طاعة ربها سبحانه .
لقد كانت في حال يعفيها الشرع من ذاك ، لكنها تحاملت على نفسها ، وصبرت على آلامها ، تبتغي أن ترضي ربها ، ثم ترضي زوجها ، حتى تلقى الله تعالى وهو راض عنها .
فماذا تقول المرأة التي تمتنع عن زوجها لأسباب لا تصلح أن تكون أعذاراً مقبولة شرعاً .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.