الله الله في السرائر

الله الله في السرائر
محمد رشيد العويد

كان يحدثني عن زوجته التي طلقها ومعاناته منها ، وكان مما ذكره لي أنه كان يسألها : أريد أن آكل تفاحة فهل أحضر لك واحدة ؟ فترد عليه : لا أشتهي الآن . يضيف : أُحضر تفاحة فأقشرها وما إن أقطع قطعة منها تخطفها مني فتأكلها . ثم أقطع قطعة أخرى فتخطفها أيضاً وهي تمضغ القطعة الأولى بشهية واضحة . وهكذا حتى تأكل التفاحة كلها .
سألته : وحين تستنكر عليها فعلها وقد عرضتَ عليها أن تحضر لها تفاحة وردها عليك بأنها لا تشتهيها .. بم ترد عليك ؟
قال : تنسحب ضاحكة ضحكة صفراء لنجاحها في إثارة غضبي وإغاظتي !
قلت : من أجل هذا طلقتها ؟!
قال : هذا موقف من عشرات المواقف التي كانت تتعمد فيها استفزازي وإغاظتي .
قلت : لعلها تريد بها ممازحتك ومداعبتك !
قال : لا .. لا ، إنها تريد إغاظتي وإغضابي ، وأحس بها تتشفى وهي تجدني قد غضبت من فعلها ، وثرت عليها .

O O O

أجل ، نحتاج إلى أن يراعي كلٌ منا صاحبه فلا يفعل ما يُغيظه ويُغضبه ويُحزنه ، وليس له أن يقول : إني أريد ممازحته ، لأنه يعلم أن ما يفعله لا يريح صاحبه ولا يسعده ، وعليه ، من ثم ، أن يجتنب فعل ما يؤذيه .
قال الله تعالى وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم . إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً أمر الله المؤمنين ، فيما بينهم خاصة ، بحسن الأدب ، وإلانة القول ، وخفض الجناح ، واطراح نزغات الشيطان الذي يسعر للفساد وإلقاء العداوة بين المؤمنين ومنهم الزوجان .
وقال ابن كثير : يأمر الله تعالى رسوله أن يأمر الله المؤمنين ، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن ، والكلمة الطيبة ، فإنه ، إذا لم يفعلوا ذلك ، نزغ الشيطان بينهم ، وأخرج الكلام إلى الفعال ، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة ، فإن الشيطان عدو لآدم وذريته ، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة فإن الشيطان ينزغ في يده ؛ أي فربما أصابه بها .

نحتاج في حياتنا عامة ، والزوجية منها خاصة ، أن يراعي بعضنا بعضاً ، فلا يسخر أحدنا من الآخر ، ولا يتكبر عليه ، ولا ينتقص منه . قال ( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا يخذله ، كل المسلم على المسلم حرام ؛ عرضه ، وماله ، ودمه ، التقوى هاهنا ( وأشار إلى القلب ) بحسب امرئ مسلم من الشر أن يحقر أخاه المسلم ) صحيح مسلم وغيره . وفي رواية ( ومن فرج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) فكيف إذا كان هو من سبب له تلك الكربة ؟!!
فلنراقب ألستننا ، ولنمنع أي كلمة تصدر عنا ونحن نعلم أنها قد تؤذي غيرنا .
لنتق الله ربنا في جميع أفعالنا وتصرفاتنا ، ولنطع أمره ( وكونوا عباد الله إخواناً ) .
بل لنتق الله أيضاً في سرائرنا ، فقد يكون الإثم الذي في الباطن هو الذي يدفع إلى ذاك الإيذاء بالفعل أو الكلام قال تعالى وذروا ظاهر الإثم وباطنه .
وما أجمل كلام ابن الجوزي عن السريرة النقية ودورها في جعل الناس يحبون صاحبها ويقبلون عليه ؛ بينما ينفرون من صاحب السريرة الفاسدة ويبتعدون عنه ( والله لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت ، ويخشع في نفسه ، والقلوب تنبو عنه – أي تبتعد ، وقدره في النفوس ليس بذلك . ورأيت من يلبس فاخر الثياب ، وليس له كبير نفل ، والقلوب تتهافت على محبته !!
فتدبرت السبب فوجدته السريرة ؛ فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله ، وعبقت القلوب بنشر طيبه . فالله الله في السرائر فإنه لا ينفع بفسادها صلاح الظاهر .
ولو عدنا إلى بدايـة هذا الكلام الذي عرضت فيه ما تفعله تلك الزوجة لإغاظة زوجها وهي تعلم وتستمتع لوجدنا أن فساد سريرتها كان وراء ما تفعله ، ولو صلحت سريرتها لصلحت أقوالها وأفعالها .

الإعلانات

One thought on “الله الله في السرائر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.