تربية نبوية لا نظير لها

تربية نبوية لا نظير لها
محمد رشيد العويد

ما أكثر الآباء والأمهات ، والمعلمين والمعلمات ، الذين يشتكون عناد الأبناء والبنات ، والطلاب والطالبات ، وعدم استجابتهم للتوجيه والتعليم والنصح والإرشاد .
علينا أن نقرّ أن التوجيه المباشر ، على أهميته ، لا ينفع في أكثر الأحوال ، وأن التوجيه الغاضب غير مؤثر في أغلب الأحيان ، بل قد يكون له رد فعل رافض .
لقد جرَّب القيِّمون على المدارس البريطانية كل الطرق الممكنة لكبح جماح الطلبة العنيدين ؛ بدايةً من حجزهم في المدرسة عدة ساعات .. ونهايةً بتقديم رشاوى لهم .. لكن دون جدوى .
كيف نجحوا ؟
لقد اتجهوا إلى علاج جديد يقوم على ممارسة التلاميذ رياضة التأمل . وبدأت بعض المدارس بإعطاء طلابها ومدرسيها دورات في التأمل في محاولة جديدة لعلاج سوء سلوك التلاميذ وتحسين نتائج امتحاناتهم .
وكانت النتيجة مدهشة ، فاجأت الجميع ، فقد تراجعت عدوانية الطلبة ، وتحسنت أخلاقهم ونتائج امتحاناتهم .
تقول إحدى المدرسات القائمات على مشروع التأمل : نحن نركز على أهمية الفهم والتحكم في المشاعر ، وإذا لم يتم ذلك فإن فرص الإنجاز ضعيفة جداً .
تم تطبيق جزء من البرنامج على تلاميذ في الصف الخامس الابتدائي . كانوا يركزون على تجارب إيجابية بضع دقائق يومياً ، ويحافظون على الذكاء العاطفي النابع من مشاعرهم . وقد حققت بعض المدارس تقدماً كبيراً من خلال ممارسة طلبتها مراحل متقدمة في التأمل .
يقول مدرسون : إن المدارس التي شاركت في دورات التأمل تغيَّر مناخها العام ، فقدا انخفضت فيها الاتصالات الهاتفية بالإسعاف والخدمات الاجتماعية .
يقول اختصاصي تربوي : الأطفال ينشؤون في أجواء مشحونة جداً ؛ فوسائل الإعلام مجنونة ، والضغوطات المالية تأثيرها سلبي جداً ، ويأتي التأمل ليخفف من تلك الضغوط ، ويهذب الأحاسيس ، ويحسِّن مستويات الأداء في الامتحانات ، وصار التلاميذ أكثر محافظة على هدوئهم .
وقد لجأت المدارس البريطانية إلى تقنية التأمل بعد ازدياد حدة العنف تجاه زملائهم الضعفاف وتجاه مدرسيهم ، فكثير من الطلبة يحملون أسلحة ، و 50 % من المراهقين يرتكبون جرائم في سن الخامسة عشرة .

ومن أهم التوصيات التي وجهها التربويون بعد نجاح تقنية التأمل هي : حفزوا طلبتكم ، وركزوا على مهاراتهم الشخصية ، واعملوا على تنميتها لهم .
وبعد ، فإن هذا الأسلوب الذي سموه ( تقنية التأمل ) هو من صُلب التربية الإسلامية القائمة على التفكر والتأمل والتدبر .
ولعل خير مثل نضربه لذلك حوار النبي مع الفتى الذي جاء يستأذنه بالزنا :
‏عن أبي أمامة رضي الله عنه ‏ ‏قال : ( ‏إن فتى شاباً أتى النبي ‏‏فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ! فأقبل القوم عليه ‏‏فزجروه قالوا له :‏ ‏مه ‏‏مه ، فقال : ‏‏ادنُ فدنا منه قريباً . قال ( راوي الحديث ) : فجلس . قال : أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله ، جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه ‏‏لأمهاتهم . قال أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم . قال : أفتحبه لأختك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم . قال : أفتحبه لعمتك ؟ قال لا والله جعلني الله فداءك . قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم . قال : أفتحبه لخالتك ؟ قال لا والله جعلني الله فداك . قال : وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم .
قال ( راوي الحديث ) فوضع النبي يده عليه وقال : ‏ ‏اللهم اغفر ذنبه ، وطهَّر قلبه ، وحصِّن فرجه . فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء . وفي رواية : فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه من الزنا . ( صحيح الجامع ) .
ما أكثر الإضاءات التربوية في هذا الحوار الذي أداره النبي المربي المعلَّم مع هذا الفتى الشاب .
لقد بادر الصحابة رضي الله عنهم إلى أسلوب يتبعه أكثر الآباء والمعلمين مع أبنائهم وتلاميذهم إذا صدر عنهم مثل ما صدر عن ذاك الفتى الذي يستأذن في ارتكاب كبيرة من الكبائر ، لقد بادروا إلى الزجر : مه .. مه . أي اسكت وتوقف ، كفى ، حسبك ؟
ولعل بعض الآباء أو المعلمين اليوم يزيد فلا يكتفي بهذا الزجر فيصرخ : أما تستحي ؟ تأتي لتستأذنني بارتكاب الفاحشة ؟! تطلب مني أن آذن لك ؟! …. وغير هذه من العبارات التي قد يُتبعها الأب بلطم ولده وضربه وطرده .
لكنه ، الرحمة المهداة للعالمين ، يدعو الفتى ليقترب منه ( ادنُ ) وهذه إضاءة عظيمة لنا نحن الآباء والمعلمين ، فالموقف لا يستدعي الإبعاد والعنف ، بل التقريب واللطف ، وهذا ما فعله النبي حين دعا الفتى ليقترب منه دون صراخ أو زجر أو طرد .
ويظهر الارتيـاح على الفتى في جلوسه ، كما قـال راوي الحديث أبو أمامـة رضي الله عنه ( فجلس ) . ولنا أن نتوقع صراخ الآباء والمعلمين حين يجدون المذنب من الأبناء أو الطلبة وهو يجلس : قم وانهض ! أتجلس وقد قلت ما قلت وفعلت ما فعلت !
لكن النبي يسمح له بالجلوس ، ولا يمنعه منه ، بعد أن أدناه منه ، وقرَّبه إليه .
ويبدأ صلوات ربي وسلامه عليه حواره مع الفتى دون أن يستنكر عليه جرأته في ذاك الاستئذان ؛ فلم يقل له ، ألا تقرأ القرآن ؟ أم سمعت قوله تعالى في تحريم الزنا وأنه فاحشة وساء سبيلاً ؟ ولم يقل له : ألا تخاف الله ؟ أتحتمل عذاب جهنم ؟! وغيرها من العبارات التي يمكن أن يستنكر بها الآباء والمعلمون على أبنائهم وتلاميذهم فيما لو سمعوا مثل هذا منهم .
لقد دعا النبي الفتى أن يضع نفسه مكان أقارب من أراد أن يزني بها ، مكان ابنها ( أتحبه لأمك ) ومكان أبيها ( أتحبه لابنتك ) ومكان أخيها ( أتحبه لأختك ) ومكان ابن أخيها ( أتحبه لعمتك ) ، ومكان ابن أختها ( أتحبه لخالتك ) … وفي هذا تأثير أقوى ، وفي الوقت نفسه : أرفق ، بالفتى الذي كان يعيش ما جعله يعيشه بوضع نفسه مكان هؤلاء جميعاً فيجيب ( لا والله جعلني الله فداك ) .
وفي تكـرار السؤال وتنويعه تأكيد المعنى المراد ، وتثبيت التأثير المطلوب في قلب الفتى وعقله .
كذلك في تكرار إجابة الفتى ( لا والله ، جعلني الله فداك ) تعميق الإحساس برفض هذا الفعل ، وعدم قبوله فيما لو كان مع أمه أو أخته أو ابنته أو عمته أو خالته . وخاصة أن الفتى كان يكرر القسم بالله ( لا والله ) والدعاء ( جعلني الله فداك ) .
وأيضاً فإن قوله ( وكذلك الناس لا يحبونه .. ) وتكراره خمس مرات على مسمع الفتى ، يثير فيه الإحساس بقبح ما يريد فعله ويصرفه عنه .
ولا ينتهي العلاج النبوي الجميل الحكيم هنا ، بل يضع النبي يده الشريفة عليه ويدعو له ثلاث دعوات غاليـات يتمنى كل واحد منا لو كانت له : ( اللهم اغفر ذنبه ، وطهِّر قلبه ، وحصِّن فرجه ) ، فبدأ النبي بمغفرة ذنبه ، وهذا يطمئنه إلى أنه إذا كان أذنب بإرادة الزنا فقد غفر الله له ذلك بدعاء النبي . ثم ( طهِّر قلبه ) فيصفو ويخلص لله وطاعته ، وأخيراً ( وحصن فرجه ) وهو دعاء بحفظه من الزنا الذي أراده ، وهو دعاء بالزواج أيضاً لأن المحصن هو المتزوج .
ماذا كانت ثمرة هذه التربية النبوية التي لا نظير لها ؟ ( فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء ) ( فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا ) .
ويبقى أن نعجب بالفتى الذي جاء يستأذن النبي بالزنا ، وقد يستنكر علينا بعضهم إعجابنا بشاب يريد الزنا ، ونؤكد أن إعجابنا ليس برغبته في الزنا ، إنما في خصال ظهرت فيه نعرض لها فيما يلي :
الفتى لا يريد ارتكاب ما حرمه الله ، ويحرص على الحلال ، وإلا لما استأذن النبي ، ولمضى إلى ما رغب فيه ، لكنه يعلم أنه حرام ، ويريد إذن النبي الذي يجعله له مباحاً . وهذا يشير إلى تقواه وورعه .
نلحظ صدق الفتى ، فهو لا يخفي غير ما يُظهر ، إنه صريح واضح صادق .

لم يكن الفتى مجادلاً ، بل كان مستجيباً للنبي ومتفاعلاً معه ، ومذعناً للحق الذي أرشده إليه .
ولقد كسب الفتى الشاب بحرصه على الحلال ، وصدقه وإخلاصه وسرعة استجابته ، ثلاث دعوات ذهبيات منه وكان يستحقها : مغفرة الذنب ، وتطهير القلب ، وتحصين الفرج .

Advertisements

One thought on “تربية نبوية لا نظير لها

  1. نقطة هامة في هذا الحوار..انه حوار عقل..ليس عاطفة..
    والفتن التي عصفت بشابنا اليوم نتيجة ان اهل السوء يحاورونهم حوار العاطفة..
    وقد تربينا في بيوتنا على هذا الحوار..مثال على ذلك..جعل الطفل يشعر بالذنب عندما يقترف شئ ما..
    خاصة اذا كان للمرة الاولى..هذا النوع من الحوار يدمر..ويجعل الطفل يقدر مشاعره اكثر من عقله..
    ويحكم مشاعره اكثر من عقله..
    اما حوار النبي لم يكن عاطفيا البتة..وانما كان عقلانيا..ولذلك كان الزنا ابغض على الشاب بعد هذا الحوار..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.