ثلاثة أبعدها وإن كان يصعب عليك إبعادها

ثلاثة أبعدها وإن كان يصعب عليك إبعادها
محمد رشيد العويد

ثلاثة ، إذا نجح الرجل في تركها ، أو أبعادها على الأقل ، فإنه ينجح كثيراً في حياته الزوجية ، والمحافظة عليها ، وتجنيبها كثيراً من النزاعات التي تقع بين طرفيها ؛ الرجل والمرأة .
ويصعب على الرجل ترك هذه الثلاثة ، لهذا سينكر عليَّ دعوتي إلى تركها ، فهو يراها من رجولته ، ومن قوامته التي أعطاه إياها الله سبحانه في قوله  الرجال قوامون على النساء .
هذه الثلاثة هي : عقله ، وكرامتـه ، ونباهته . فهو يرى عقله مناط تكليفه ، وبه يدير كل شيء ، ويدبر كل أمر ، فكيف يتركه ؟ ولماذا يتركه ؟
ولعل تركه كرامته عنده أصعب ، وتخليه عنها مستحيل ، إذ كيف لرجل أن يبقى دون كرامة ، وأي مهانة ستلحق به إذا عاش دون كرامة ؟!
أما النباهة ، فتركها يعني أنه سيظهر غبياً ، لا يفطن لشيء ، ولا يدرك ما يدور حوله ، وهذا يسلبه حقه في الأمر والنهي واتخاذ القرارات .
ولعل اعتراض الرجل على دعوتنا هذه يقل ، ورفضه تخليه عن هذه الثلاثة يتراجع ، حين نخبره أننا لا نريد منه ذلك في حياته كلها ، إنما في حياته مع زوجته ، وفي بعض الأحوال مع أولاده .
ولعله يكون أكثر قبولاً لدعوتنا إذا بشرناه بأنه سيكون أول من يجني ثمرات استجابته لها ، وعمله بها ، من سلام يعيشه في بيته ، وانشراح يحسه في صدره ، وإنجاز يحققه في حياته .
ونبدأ بدعوتنا الرجل إلى إبعاد عقله فنقول له : لا نريد بدعوتنا هذه أن تترك عقلك أو تبعده فتصبح مجنوناً ، إنما نريد أن تبعد النظر إلى كثير من الأمور من خلال عقلك ، بل انظر إليها من خلال عاطفتك ، فهذا الأسلوب في التعامل مع الزوجة يقنعها أكثر ، ويفتح لك قلبها مع عقلها ، فتوافقك ، وتطيعك ، ولا تعاندك .
وسأضرب مثلاً بامرأة وقفت تتحدث عما تلقاه من زوجها ، في حضور أهله وأهلها ، وكانوا قد اجتمعوا لمحاولة الصلح بينهما ، وكان الزوج ينصت إلى زوجته وهي تكيل له التهم الكبيرة والكثيرة .
إن استخدام الرجل لعقله هنا سيجعله يقوم ليفند اتهامات زوجته ، ويرد عليها مدافعاً عن نفسه ، لكنه ترك ما يدعوه إليه عقله ، واكتفى بأن يخاطب زوجته على مسمع الجميع بقوله : ما أجملك وأنت تتحدثين غاضبة . فلم تملك الزوجة نفسها من الضحك ، وانطفأ غضبها ، وشاركها الضحك والابتسام كثير من أهل زوجها وأهلها . وانتهى الخلاف بين الزوجين .
هذا التصرف الذكي الحكيم من الزوج ، يطلقون عليه اليوم الذكاء العاطفي أو الوجداني ، وفيه إبعاد للذكاء المنطقي العقلاني .
وإذا كان الذكاء العاطفي ينفع في نزع فتيل كثير من النزاعات مع الرجال ، فإنه أكثر نفعاً ، وأعظم تأثيراً في النزاعات والخلافات التي تكون مع النساء .
وبعد العقل نصل إلى الكرامة التي يصعب على الرجل تركها أيضاً ، لكننا نُذكِّره أن ما بين الزوجين ليس بين أي اثنين آخرين ، ويرى كل منهما من صاحبه ما لا يراه سواهما منه ، ويكون القرب بينهما شديداً حتى إنه سبحانه جعل كلاً منها لصاحبه لباساً هُنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن  ، فقرب الإنسان من لباسه وقرب لباسه منه يصل إلى درجة الالتصاق ، واللباس يستر عيوب الجسم ، ويُجمِّل صاحبه ، ويدفئه ، ويحميه من أشعة الشمس ، ويحرص الإنسان على نظافة لباسه ، ويعمل على رتق ما ينفتق منه ، ويحفظه جميلاً أنيقاً جديداً ، هذه المعاني ترشد إلى أن ما بين الزوجين يجعلهما قريبين جداً ، أحدهما من الآخر ، قرب اللباس من صاحبه ، فلا كرامة كبيرة مع هذا التمازج والتلاحم والتلاصق .
نعم ، ندعو الزوجين إلى أن يحترم كل منهما صاحبه ، وأن يقدره ، وأن يشكره ، وأن يبتعد عن إيذائه ، والنيل منه بيده أو لسانه ، لكن استجابة الزوجين لذلك لا تحقق دائماً بسبب هذه المعايشة اليومية ، والقرب الشديد بينهما ، فلا بد ، من أن يكون من كلا الزوجين ، وخاصة من الرجل ، قدر كبير من التغافل عن كثير مما يصدر عن زوجته ، أو يسمعه منها .
وتبقى النباهة ، وهي مزلق من مزالق النزاع بين الزوجين ، إذ يحرص الزوج على ملاحظة كل شيء ، وتتبع كل صغيرة وكبيرة ، والمحاسبة على كل هفوة وخطأ ، ليؤكد لزوجته أنه يعرف كل شيء ، وأنه مراقِب لها ولما تفعله في بيتها ، فيحصي عليها أخطاءها ، ويبدي لها إهمالها ، ويكشف أمامها هفواتها ، ويذكر لها نسيانها … فتشعر أنها عاجزة عن إرضاء زوجها ، وأنها فاشلة ، وقد تتصدى له ، مدافعة عن نفسها ، فيقع النزاع ، وتقوى المواجهة ، ويطول الهجران ، ويُحبـط الزوجان .
لهذا كثرت الحِكَمُ والكلمات التي تثني على التغافل ، حتى جعله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تسعة أعشار العيش ، وروي أنه قال العافية عشرة أجزاء كلها بالتغافل .
ومن أقوالهم في التغافل قول علي  وأرضاه ( أشرف خصال الكرم غفلتك عما تعلم ) .
وقال الشافعي رحمه الله : الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل .
وقال الحسن البصري : مازال التغافل من فعل الكرام .
وقال الشاعر مؤكداً أن المتغافل محبوب :
أحب من الإخوان كل مواتي
وكل غضيض الطرف عن هفواتي
وقال غيره :
أغمض عيني عن صديقي تغافلاً
كأني بما يأتي من الأمر جاهلُ

والمتغافل يرفع شأنه وقدره بتغافله كما قال الإمام جعفر الصادق رحمه الله ك عظِّموا أقداركم بالتغافل .
أما من يصرُّ على التتبع والتدقيق والتفتيش والبحث تاركاً التغافل فإن حياته ستتنغص وعيشه سيتكدر .
قال علي  : من لم يتغافل تنغصت عيشته .

وقد يوصل التدقيق وعدم التغافل بين الزوجين إلى الفرقة بالطلاق :
تغافل في الأمور ولا تكثر
تقصيها فالاستقصاء فُرقة
وسامح في حقوقك بعض شيءٍ
فما استوفى كريمٌ قطُّ حقَّه

وقال أكثم بن صيفي :
من تشدد فرّق
ومن تراخى تألَّف

فيا أيها الأزواج الكرام ، أبعدوا عقولكم في مواقف كثيرة ، وتجاهلوا ما تجدونه من أخطاء صغيرة ، وتسامحوا حتى تمضي حياتكم سهلة يسيرة.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.