طمأنينة الرضا

طمأنينة الرضا
محمد رشيد العويد

هل فرحت بأمر ، وأحببت حصوله ، ثم أحزنك ، وكرهت حصوله بعد أن اكتشفت أنه لم يكن خيراً لك ؟!
وهل أحزنك أمر ، وكرهت حصوله ، ثم فرحت به ، وأحببت حصوله بعد أن اكتشفت أنه كان خيراً لك ؟!
لعلك تجيبين فتقولين : بل كثيراً ما حدث هذا ، ولو استرجعت أحداث حياتي الماضية لذكرتُ لكَ عشرات الأمور التي أحببتُها فكانت شراً لي ، وعشرات أُخَر كرهتها فكانت خيراً لي .
الصحافية السويدية إينغر دو أرماس نجحت في الإجابة عن معظم الأسئلة في برنامج (( من سيربح المليون )) الذي تبثه القناة الرابعة في التلفزيون المحلي .
ولدى تسليمها مبلغ المليون كرون سويدي قالت الصحافية إنها ستستخدم جزءاً منه لتحقيق حلمها في القيام برحلة إلى كوبا لمساعدة ابنة زوجها الموجودة هناك على المجيء إلى السويد . ولكن فرحة الفائزة لم تكتمل ؛ إذ بلغها فوراً نبأ إصابة والدتها بنوبة قلبية من شدة فرحها خلال متابعتها البرنامج ، ولما توجهت ابنتها إلى المستشفى لتزور أمها فيه وجدتها قد فارقت الحياة .
وكانت الصحافية السويدية تخوفت من ذلك ؛ لذا طلبت من والدتها ألا تتابع البرنامج ، وأن تنتظر عودتها لتشاهداه معاً عبر شريط مسجل ، لكن الوالدة لم تتمالك نفسها فتحولت الفرحة إلى مأساة .. وألغت (( دو أرماس )) الرحلة وانهمكت في الجنازة .
أتراها كرهت هذا الفوز وقد كان سبباً في وفاة والدتها ؟ أما ألغت رحلتها التي تمنت القيام بها و (( قد تحولت الفرحة إلى مأساة )) كما جاء في الخبر ؟
لقد ربَّانا ربُنا في القرآن الكريم على أن نكون راضين دائماً ؛ فلا نفرح فرح البطر إذا أوتينا شيئاً ، ولا نحزن على فواتـه إذا لم نحصل عليه :   ما أصاب من مصيبة في الأرض ، ولا في أنفسكم ، إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ؛ إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور  الحديد 22-23 .
يقول ابن كثير في تفسير الآيتين : (( أي أعلمناكم بتقدم علمنا ، وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها ، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها .. لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم ، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم ؛ فلا تأسوا على مافاتكم لأنه لو قُدّر شيء لكان  ولا تفرحوا بما أتاكم  أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم ، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم ؛ فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس ، ولهذا قـال تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  أي مختال في نفسه ، متكبر فخور على غيره ، وقال عكرمة : ليس أحد إلا هو يـفرح ويحزن .. ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً )) .
وفي تنوير الأذهان (( أخبرناكم بإثباتها وكتابتها في كتاب كيلا يحصل لكم الحزن والألم  على مافاتكم  من نعم الدنيا كالمال والخصب والصحة والعافية  ولا تفرحوا بما آتاكم  أي أعطاكم الله منها ؛ فإن من علم أن كلاً من المصيبة والنعمة مقدر ، لا يعظم جزعه على مافات ، ولا فرحه بما هو آت ، إذ يجوز أن يُقَدَّر ذهابه عن قريب . قيل لأحد الحكماء : أيها الحكيم ؛ مالك لا تحزن على مافات ، ولا تفرح بما هو آت ؟ قال : لأن الفائت لا يُتلافى بالعَبْرة ( الدمعة ) ، والآتي لا يُستدام بالحَبْرة ( أي الحبور والسرور ) ، ولا التأسف يرد فائتاً ، ولا الفرح يُقَرِّب معدوماً .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لأَنْ أَمَسَّ جمرةً أحرقتْ ما أحرقتْ ، وأبقت ما أبقت ، أحب إليَّ من أن أقول لشيء لم يكن : ليته كان . والمراد بالآية : نفي الأسى المانع عن التسليم لأمر الله ، والفرح الموجب للبطر والاختيال ؛ ولذا عقب بقوله تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  فإن من فرح بالحظوظ الدنيوية ، وعظمت في نفسه ، اختال وافتخر بها لا محالة .
وفي الآية إشارة إلى أنه يلزم أن يثبت الإنسان على حال في السراء والضراء ؛ فإن كان لا بد له من فرح ، فليفرح شكراً على عطائه ، وإن كان لا بـد من حزن فليحزن صبراً على قضائه لا ضجراً .
قال قتيبة بن سعيد : دخلت على بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء مملوء من الإبل الميتة بحيث لا تُحصى ، ورأيت شخصاً على تل يغزل صوفاً ، فسألته فقال : كانت باسمي ؛ فارتجعها من أعطاها ، ثم أنشأ يقول :
لا والذي أنا عبدٌ من خلائقـهِ        والمرءُ في الدهر نَصْبَ الرزْء والمحنِ
ما سرَّني أن إبْلي في مباركها         وما جرى مـن قضاءِ الله لـم يـكُـنِ

وقيمة هذه الحقيقة التي لا يتصور العقل غيرها حين يتصور حقيقة الوجود الكبرى ؛ قيمتها في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها ؛ قلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعاً وتذهب معه حسرات عند الضراء . ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء :  لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم  .
فاتساع أفق النظر ، والتعامل مع الوجود الكبير ، وتصور الأزل والأبد ، ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم الله ، الثابتة في تصميم هذا الكون .. كل أولئك يجعل النفس أفسح وأكبر وأكثر ثباتاً ورزانة في مواجهة الأحداث العابرة ، حين تتكشف للوجود الإنساني وهي مارة به في حركة الوجود الكوني .
إن الإنسان يجزع ويُستطار وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود ، ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير . فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به ، وتمر بغيره ، والأرض كلها .. ذرات في جسم كبير هو هذا الوجود .. وأن هذه الذرات كائنة في موضعها في التصميم الكامل الدقيق . لازمٌ بعضها لبعض . وأن ذلك كله مقدر مرسوم معلوم في علم الله المكنون .. حين يستقر هذا في تصوره وشعوره ؛ فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء ؛ فلا يأسى على فائت أسىً يضعفه ويزلزله ، ولا يفرح بحاصل فرحاً يستخفه ويذهله ؛ ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية وفي رضى ؛ رضى العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون .
وهذه درجة قد لا يستطيعها إلا القليلون . فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء ، ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله ، وذكره بهذه وتلك ، والاعتدال في الفرح والحزن .
وها هي آية سورة البقرة ينبهنا فيها ربنا إلى أننا قد نكره شيئاً هو خير لنا ، وقد نحب شيئاً هو شر لنا :  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون  البقرة 96 .
قال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة ؛ فلربما أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولربما أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير :
رب أمرٍ تتقيه        جرّ أمراً ترتضيه
خفي المحبوب منه     وبدا المكروهُ فيه

إن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق ؛ ولكن وراءه حكمة تهوِّن مشقته ، وتسيغ مرارته ، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنساني القصير .. عندئذ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر ، ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها . نافذة تهب منها ريح رخية عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور .. إنه من يدري فلعل وراء المكروه خيراً ، ووراء المحبوب شراً . إن العليم بالغايات البعيدة ، المطلع على العواقب المستورة ، هو الذي يعلم وحده حيث لا يعلم الناس شيئاً من الحقيقة .
وعندما تنسم تلك النسمة الرخية على النفس تهون المشقة ، وتتفتح منافذ الرجاء ، ويستروح القلب في الهاجرة ، ويجنح إلى الطاعة والأداء في يقين وفي رضاء .
إنه منهج في التربية عجيب . منهج عميق بسيط . منهج يعرف طريقه إلى مسارب النفس الإنسانية وحناياها ودروبها الكثيرة . بالحق وبالصدق . لا بالإيحاء الكاذب ، والتمويه الخادع .. فهو حق أن تكره النفس الإنسانية القاصرة الضعيفة أمراً ويكون فيه الخير كل الخير . وهو حق كذلك أن تحب النفس أمراً وتتهالك عليه ، وفيه الشر كل الشر .
وهو الحق كل الحق أن الله يعلم ، والناس لا يعلمون ! وماذا يعلم الناس من أمر العواقب ؟ وماذا يعلم الناس مما وراء الستر المسدل ؟ وماذا يعلم الناس من الحقائق التي لا تخضع للهوى والجهل والقصور ؟!
إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالماً آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه . وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون ، وتقلب الأمور . وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه . وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيعاً في يد القدر ، يعمل ويرجو ويخاف ، ولكن يرد الأمر كله لليـد الحكيمة والعلم الشامـل ، وهو راض قرير .. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع .. فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة في ما اختاره الله .. وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان ! إن الإذعان الواثق والرجاء الهادئ والسعي المطمئن .. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة .. وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط ، في يسر وفي هوادة وفي رخاء . يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال ؛ فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال .
وكل إنسان – في تجاربه الخاصة – يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم ، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم . وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ، ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذاً من الله أن فوتّ عليه هذا المطلوب في حينه . وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثاً يكاد ينقطع لفظاعتها ، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل .
إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية ، لتؤمن وتسلّم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء ، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف .
والآن ، أختي المؤمنة ، كيف تحققين في نفسك ، وفي حياتك ، هذه المعاني الإيجابية العظيمة الأثر ، العميمة النفع ، الحافظة لك من اليأس والقنوط والضعف والإحباط ؟
استحضري المعاني السابقة ، ورددي قوله تعالى  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  كلما تلقيت خبراً محزناً ، أو حلّ بك مصاب ، أو حدث لك أي أمر تكرهينه .
وعيشي معية الله إذا وجدت الناس من حولك لا يقفون معك ، ولا ينصرونك ، ويتخلون عنك .
وتذكري أن أشد الناس بلاء الأنبياء ، وكيف كان  عظيم الصبر على البلاء ، وكيف احتسب أولاده وبناته جميعاً وقد ما توا قبله إلا السيدة فاطمة رضي الله عنها .
واحسبي الأجر الذي يُكتب لك جزاء صبرك على ما أصابك واحتسبته عند الله تعالى .
وقيسي الدنيا إلى الآخرة : هل نسبتها واحد إلى مليون ؟ إلى مليار ؟ إلى ألف مليار ؟ إنها أقل من ذلك . إنها نسبة الدنيا الفانية الزائلة القليلة إلى الخلود العظيم الدائم . نسبة الدنيا الملأى بالهموم والآلام والأمراض إلى الجنة الملأى بالمسرات والأفراح والعافية التي لا مرض معها أبداً . نسبة الدنيا التي يكثر فيها فراق الأهلين والأقارب والأحبة إلى الجنة التي يجتمعون فيها فلا يفترقون أبداً .

Advertisements

طاعتك زوجك.. كيف تصبح هيّنة يسيرة ؟

طاعتك زوجك.. كيف تصبح هيّنة يسيرة ؟
محمد رشيد العويد

لو وَعَدكِ زوجُكِ باصطحابك معه في رحلةٍ من رحلاتهِ إلى بلدٍ أجنبي لحرصت على طاعته ، على الأقل قبـل أن تتم الرحلة ، حتى لا يحدثَ بينكما خلافٌ يقرر بسببه عـدمَ اصطحابك معه في سفره ؟!
فإذا كان هذا الوعدُ قد أغراكِ بطاعته ، ولو مؤقتاً ، أفلا يغريك وعدٌ أفضل وأعظُم وأكبرُ ، بطاعةٍ دائمةٍ لزوجك ؟
ألا يغريكِ وعدُ خير الناس ،  ؛ بألا تمسَّك النارَ أبداً ، إذا أطعتِ زوجّك ؟
أليست النجاة من النـار أمراً عظيماً ، وفوزاً كبيراً ، يتمناه كلُّ إنسان ، ويرجوه كلّ رجلٍ وامرأة ؟!
استمعي إلى حديث النبي  : (( ثلاث لا تمسُّهُمُ النار : المرأةُ المطيعةُ لزوجها ، والولدُ البارُ بوالديه ، والعبدُ القاضي حقَّ اللهِ وحقَّ مولاه )) .
لا حظي ، عزيزتي ، كيف أن النبي  جعل المرأة المطيعةَ لزوجها أولَّ هؤلاء الثلاثةِ الذين لا تمسُّهم النار .
وإذا كانت طاعةُ المرأةِ لزوجّها تنجّيها من النار فإنها أيضاً تُدْخِلُها الجنة ، عن أمَّ سلمةَ رضي الله عنها قالت : قال رسول الله  (( أيّما امرأةٍ ماتت وزوجُها راضٍ عنها دخلت الجنة )) .
هل رأيتِ ، عزيزتي ، كم هو عظيمٌ الأجرُ الذي تنالينه على طاعة زوجك ؟
نجاةٌ من نار جهنم ، وفوزٌ بنعيم الجنة الأبدي .. ألا يجعلُ هذا الثوابُ الكبير طاعةَ الزوج .. أمراً هينا يسيراً .. بإذن الله وعونه سبحانه .
فإذا لم تطاوعك نفسك الصبر على زوجك ؛ تذكري جهنم وهول عذابها ، فستجدين الصبر عليه أهونِ بكثير من الصبر عليها .
وإذا كبر عليك خضوعك له ؛ تذكري النار وشدة لهيبها ، فستجدين الخضوع لزوجك أيسر من الخضوع للهيبها .
وإذا أغراك الشيطان بعصيان زوجك ، وجمّله في عينك ، فتذكري الجنة وما فيها ، فستجدينها أكثر إغراء وجمالاً .

ضعي يدك في يده

ضعي يدك في يده
محمد رشيد العويد

عن كعب بن عجرة  أن النبي  قال : (( ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة ؟ النبي في الجنة ، والشهيد في الجنة ، والصِّدِّيقُ في الجنة ، والمولود في الجنة ، ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة ؟ الودود ، الولود ، العؤود ؛ التي إذا ظُلمت قالت : هذه يدي في يدك ؛ لا أذوق غَمْضاً حتى ترضى ) الألباني 2607 .
أريد أن أعرض للجزء الثاني من الحديث الذي يعرض فيه النبي  للنساء اللواتي سيدخلن الجنة وهن : الودود ، والولود ، والعؤود .
فالودود هي التي تتودد للآخرين من صديقاتها وجاراتها وقريباتها وأهلها ووالديها وزوجها .
تتلطف معهم ، وتـرفق بهم ، وتلين لهم ، فتحبهم ويحبونها ، لما فيها من لين ، ويسر ، وقرب ؛ كما قال  واصفاً من تحرم عليهم النار ( ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غداً ؟ على كل هيِّن ، ليِّن ، قريب ، سهل ) الألباني .
إنها تغفر لمن يسيء إليـها ، ولا تنتقم لنفسها ، ولا تحمل حقداً على أحد ، ولا تضيق بمن جحد .
وما أبلغ الكلمات التي وصفت بها أم المؤمنين عائشة أفضل النساء فقالت رضي الله عنها : التي لا تعرف عيب المقال ، ولا تهتدي لمكر الرجال ، فارغة القلب إلا من الزينة لبعلها ، ولإبقاء الصيانة على أهلها .
أما الولود فهي التي تنجب كثيراً دون أن يمنعها عن الإنجاب ما يمنع كثيرات عنه ممن يتخففن من مسؤوليات التربية والرعاية ، ويُرحن أنفسهن من الحمل والرضاعة ، ويخشين على أجسادهن من تغيرها بكثرة الحمل ، ويحببن أنفسهن فلا يرغبن في بذل الوقت والجهد للأولاد والبنات .
إن الولود تكسب كثيراً حين تستحضر أن عملها الذي تؤجر عليه لن ينقطع ثوابه بعد موتها ، كما جاء في حديثه  ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) مسلم وغيره ، فهي تربح كثيراً من الأجور بأولادها الذين ربتهم التربية الصالحة فكانوا صالحين ، فصاروا يدعون لها في حياتها وبعد موتها .
وتبقى العؤود ، وأكاد أقول إن قليلات من النساء يتصفن بهذه الصفة ، ويتحلين بهذا الخلق ، إذ يحتاج مراغمة كبيرة للنفس ، ومجاهدة لها ، وخاصة أن تسترضي المرأة زوجها وهي مظلومة تحتاج أن يسترضيها زوجها حين يكون هو من ظلمها .
إنها درجة عالية لا تنجح كثيرات في الوصول إليها ، فإدراكها يحتاج عزيمة قوية ، عزيمة تجعلها تسمو فوق جراحها لتبادر هي بمصالحة زوجها .

وحين تنجح امرأة بالعودة إلى زوجها ، وهي مظلومة ، لتضع يدها في يده وهي تقول له : لن يغمض لي جفن حتى تخبرني أنك راض عني ، فإن على زوجها أن يضمها إليه ، ويقبل رأسها ، ويطمئنها إلى أنه راض عنها ، بل ويعتذر هو منها قائلاً : أنا من يجب عليه أن يعتذر ، لقد قسوت عليك ، فسامحيني .
إن هذا الاعتذار المتبادل يوثق عروة الميثاق الغليظ بين الزوجين ، ويبعد إبليس الذي يسعى جهده للتفريق بينهما ، ويحفظ الأسرة من الانهيار .
وغياب هذا الاعتذار الجميل المتبادل بين الزوجين وراء احتدام الشجارات العنيفة بينهما ، ووصول كثير من النزاعات الزوجية إلى المحاكم ؛ بينما كان يمكن تجاوزها بمثل هذا التصافي الودود بين الرجل وزوجته .
إن مبادرة الزوجة إلى مصالحة زوجها إنما هو من الدفع بالتي هي أحسن ، وهو ما أمر به سبحانه في قوله  ادفع بالتي هي أحسن ؛ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .
وهكذا فإن توجيهات الإسلام تقي كثيراً من النزاع الزوجي وتطوره ، ولا نحتاج إلا العمل بهذه التوجيهات وتربية أنفسنا عليها ، ومجاهدة إبليس الذي يمنعنا من العمل بها .
إن هذا الحديث النبوي الشريف يضمن للمرأة التي تعمل بما يوجه إليه ما يلي :
   * أن تكون من أهل الجنة ، كما جاء في الحديث ( ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة ) .
   * شهادة من الله تعالى لها بأنها من الذين صبروا فنجحوا في الدفع بالتي هي أحسن  وما يلقاها إلا الذين صبروا 
   * من توفق إلى ذلك صاحبة حظ عظيم  وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم  .
   * تكسب محبة زوجها ، وتظفر برحمته لها ، وتتقي غضبه وشره وانتقامه منها .
   * تريح نفسها من مواجهته ، والتصدي له ، فتعيش في أمن وسلام .
   * توفر لأبنائها أجواء آمنة ينشؤون ويتربون فيها ، لأن استمرار النزاعات الزوجية ، يؤثر فيهم تأثيرات سلبية نفسياً وتربوياً ، ويؤخرهم دراسياً .

صحتكما أهم

صحتكما أهم
محمد رشيد العويد

هل تحسبان ، أيها الزوجان الغاليان ، أن نزاعاتكما الخطيرة ، آثارها هينة يسيرة ؟!
لا ، إن أضرارها كبيرة ، نفسياً ، وبدنياً ، وتربوياً ، ولعلي تحدثت عن أضرارها النفسية على الزوجين ، وأضرارها التربوية على الأبناء .
واليوم أريد أن أعرض جانباً من أضرارها على جهاز المناعة في جسم الإنسان ، فقد توصل فريق من العلماء الأميركيين إلى أن المشاحنات الزوجية لا تشكل عبئاً على مشاعر الإنسان وأعصابه فحسب ، بل تضعف جهازه المناعي أيضاً .
لقد قام الباحثون بجامعة أوهايو بالتعاون مع معهد بحوث الطب السلوكي بأخذ عينة من لعاب المقبلين على الزواج ، ومجموعة من المتزوجين لاختبار مستويات هرمون الإجهاد ( الكورتيزول ) وخلايا المناعة المختلفة .
كشفت التحليلات أن لعاب المتزوجين المتوترين احتوى مستويات مرتفعة من هرمـون الإجهاد ( الكورتيزول ) مع تراجع عدد خلايا المناعة المعروفة باسم ( خلايا – تي ) المعنية بمحاربة العدوى المرضية ، مقارنة بالأزواج الأقل توتراً .
وشدد الباحثون على أن استمرار مشاعر التوتر والمشاحنات يعرض جهاز المناعة للضعف ويفقده قدرته أحياناً على مواجهة العدوى .
لعل اطلاع الزوجين على هذه الدراسة وأمثالها يجعلهما أحرص على تقليل نزاعاتهما ، وخفض حدتها إن وقعت .
وجميل أن يقول الرجل لزوجته : من أجل صحتك وصحتي دعينا نوقف هذا النزاع بيننا الآن .
وجميل أن تقول المرأة لزوجها : أذكرك بالدراسة التي قرأنا خبرها … صحتنا معاً أهم من خلافنا .
ألَّف الله بينكما أيها الزوجان ، وأبعد عنكما وساوس الشيطان .

شكاوى الزوجات من سوء عشرة الأزواج

شكاوى الزوجات من سوء عشرة الأزواج
محمد رشيد العويد

أهم النزاعات الزوجية ، وأشدها خطراً ، وأوسعها انتشاراً ، وأكثرها آثاراً ؛ ناتج عن سوء العشرة بين الزوجين ، لهذا جاء الأمر القرآني واضحاً في ذلك  وعاشروهن بالمعروف  فلم يـقل (( وأحبوهن )) ؛ إذن يبرر الزوج سوء عشرته بعدم حبه زوجته ، والحب لا يملكه المرء . وهكذا في سائر ما يمكن أن يُؤمر به الرجل تجاه زوجته .
أما الأمر بالمعاشرة بالمعروف فهو عام ، يشمل الرفق ، والصبر ، والقول الحسن ، وبشاشة الوجه ، وهذه يملكها الرجل ويقدر عليها بعون الله .
ولو تدبرنا هذا الأمر الرباني الحكيم لوجدناه موجهاً إلى الرجال ؛ لأنهم أقدر على منع عواطفهم من توجيه أفعالهم من النساء اللواتي توجههن عواطفهن أكثر مما توجههن عقولهن .
كذلك فإن القوامة للرجل ؛ ومن ثم فإن عليه أن يكون أحكم لتصرفاته ، وأضبط لانفعالاته ، وأحلم في غضباته ، وبهذا ينجح في معاشرة زوجته بالمعروف .
وقد نعجب حين نجد امرأة تشتكي زوجها الناجح في عمله ، المحبوب من زملائه ، المشهور بدماثته ، المحافظ على صلواته ، فنسأل عن سر نجاحه خارج بيته وإخفاقه داخل بيته !!
ولعل هذا يُظهر جانباً من حكمة قوله  ( خيركم خيركم لأهله ) فهو يوجه الرجل إلى أن الخيرية الأهم ، بل إن الخيرية كلها ، في أن يكون المرء معاشراً أهله ، ومنهم زوجته ، بالمعروف .
إن أكثر شكاوى النساء ، التي يتلقاها الاستشاريون والعلماء ، تدور حول فقدانهن عشرة أزواجهن لهن بالمعروف مع شهاداتهن لأكثرهم بحسن عشرتهم لأصدقائهم وجيرانهم وسواهم من الناس .
وأختار شكوى من تلك الشكاوى وجهتها امرأة إلى الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وتستشيره فيها وتستفتيه فيما إذا كانت تأثم لو تركت البيت لتربي أبناءها بعيداً عن زوجها .
تقول الزوجة في رسالتها :
زوجي – سامحه الله – على الرغم مما يلتزم به من الأخلاق الفاضلة والخشية من الله ، لا يهتم بي إطلاقاً في البيت ، ويكون دائماً عابس الوجه ضيق الصدر ، قد تقول : إنني السبب ، ولكن الله يعلم أنني ولله الحمد قائمة بحقّه وأحاول أن أقدم له الراحة والاطمئنان وأبعد عنه كل ما يسوؤه وأصبر على تصرفاته تجاهي .

وكلما سألته عن شيء أو كلمته في أي أمر غضب وثار ، وقال : إنه كلام تافه وسخيف مع العلم أنه يكون بشوشاً مع أصحابه وزملائه .. أما أنا فلا أرى منه إلا التوبيخ والمعاملة السيئة . وقد آلمني ذلك منه وعذبني كثيراً وترددت مرات في ترك البيت .
وأنا ولله الحمد امرأة تعليمي متوسط وقائمة بما أوجب الله عليَّ .
سماحة الشيخ : هل إذا تركت البيت وقمت أنا بتربية أولادي وأتحمل وحدي مشاق الحياة أكون آثمة ؟ أم هل أبقى معه على هذه الحال وأصوم عن الكلام والمشاركة والإحساس بمشاكله ؟

وقد أجابها الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله بقوله :
لا ريـب أن الواجب على الزوجين المعاشرة بالمعروف ، وتبادل وجوه المحبة والأخلاق الفاضلة ، مع حسن الخلق ، وطيب البشر ، لقول الله عز وجل :  وعاشروهن بالمعروف  . وقوله سبحانه  ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة  . وقول النبي  : (( البرّ حسْنُ الخُلُقِ )) وقوله ، عليه الصلاة والسلام : (( لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )) خرجهما مسلم في صحيحه وقوله  : (( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً وخياركم خِيَاركُم لنسائهم وأنا خيركم لأهْليِ )) . إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على الترغيب في حسن الخلق وطيب اللقاء وحسن المعاشرة بين المسلمين عموماً ، فكيف بالزوجين ، والأقارب ؟
ولقد أحسنتِ في صبركِ وتحملكِ ما حصل من الجفاء وسوء الخلق من زوجك .. وأوصيك بالمزيد من الصبر وعدم ترك البيت لما في ذلك – إن شاء الله – من الخير الكثير والعاقبة الحميدة لقوله سبحانه :  واصبروا إن الله مع الصابرين  . وقوله عز وجل :  إنه من يتّق ويصبر فإن الله لا يُضيعُ أجر المحسنين  . وقوله سبحانه :  إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  . وقوله عز وجل :  فاصبر إن العاقبة للمتقين  . ولا مانع من مداعبته ومخاطبته بالألفاظ التي تُلِيّن قلبه ، وتُسبب انبساطه إليك وشعوره بحقّك . واتركي طلب الحاجات الدنيوية ما دام قائماً بالأمور المهمة الواجبة ، حتى ينشرح قلبه ، ويتسع صدره لمطالبك الوجيهة وستحمدين العاقبة – إن شاء الله- ، وفقك الله للمزيد من كل خير ، وأصلح حال زوجكِ وألهمه رشده ومنحه حسن الخلق وطيب البشر ، ورعاية الحقوق . إنه خير مسئول وهو الهادي إلى سواء السبيل .
فالزوجة تشهد لزوجها بأخلاقه الفاضلة وخشيته الله ، إلا أنه ، رغم ذلك ، لا يهتم بها ، ويعبس في وجهها ، ويضيق صدره منها . يثور كثيراً ، ويغضب مرارا ، يوبخها ، ويُسَخِّف كلامها ، ويسيء معاملتها ، بينما يبش في وجوه أصحابه ويلين لهم .

ولقد أجاد ، رحمه الله ، في إجابته حين أوضح وجوب المعاشرة بالمعروف بين الزوجين خاصة ، ثم أثنى على صبر الزوجة وبشرها بعاقبة صبرها وثوابها عليه ، ووجهها إلى أمور مهمة قد تكون غائبة عن كثيرات من الزوجات وهي :
مداعبته .
مخاطبته بالألفاظ التي تلين قلبه .
التقليل من طلب حاجات يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها .
وبشَّرها رحمه الله بأنها ستظفر ، إن فعلت ذلك ، بانشراح قلبه ، واتساع صدره ، لها ولطلباتها .
وختم بالدعاء لها ولزوجها بانصلاح حاله .