سعد يأبى الخروج من مدينة الألعاب

سعد يأبى الخروج من مدينة الألعاب
محمد رشيد العويد

كان سعد ، الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره ، يحب العزلة ، ولا يميل إلى الخروج كثيراً من بيته ، إلا إلى مدرسته ، وفي بعض الزيارات القليلة لأقاربه بصحبة والديه .
ذات يوم ، عاد سعد من المدرسة ومعه مغلف مغلق ناوله أمه وهو يقول لها : هذا من الاختصاصي الاجتماعي في المدرسة .
أخذت الأم المغلف وهي قلقة مما فيه ، وفتحته فإذا فيه كتاب من الاختصاصي الاجتماعي جاء فيه : يرجى مراجعة الاختصاصي الاجتماعي لأمر هام يتعلق بولدكم سعد .
أرادت الأم أن تسأل ولدها إن كان ارتكب عملاً خاطئاً ، أو تصرف تصرفاً سيئاً ، لكنها قدرت حساسية ولدها ، ورهافة مشاعره ، فآثرت عدم الاستعجال .
حين عاد والده من عمله بعد الظهر ، لاحظ أمارات قلق على زوجته ، فسألها : خير إن شاء الله ، أرى في وجهك ما يشير إلى أمر يشغلك .
أشارت بعينها إلى ولدها سعد وهي تقول : خير إن شاء الله ، لا تقلق .
فهم الأب أن الأمر يتعلق بولده سعد ، وأن أمه لا تريد أن تتكلم أمامه .
بعد أن ذهب سعد إلى غرفته ليكتب وظائفه المدرسية ، التفت الأب إلى زوجته يسألها : طمنيني عن سعد ، لقد شُغل بالي عليه .
أجابت : لقد أرسل الاختصاصي الاجتماعي معه كتاباً إلينا يطلب فيه منا مراجعته .
قال الأب : أين الكتاب ؟
ناولته زوجته إياه فقرأه بسرعة ، ثم قال : ليس في الكتاب ذكرُ شيء . هل سألت سعداً إن كان قد ارتكب عملاً غير حسن ؟!
أجابت : تعرف حساسيته ورهافة مشاعره لذا تجنبت سؤاله عن أي شيء .
قال : حسناً فعلتِ غداً أذهب إلى المدرسة وأعرف منهم ما الأمر .
في اليوم التالي ، كانت أم سعد تنتظر بصبر اتصال زوجها ليخبرها بسبب استدعاء الاختصاصي الاجتماعي لهما ، فقد أوصت زوجها عند خروجه من البيت أن يتصل بها فور مغادرته المدرسة ليطمئنها .
وأخيراً ، بعد انتظار مشحون بالقلق والتوتر ، اتصل بها زوجها ؛ فسألته فور ردها على سلامه : طمني ، ماذا قال لك الاختصاصي الاجتماعي ؟
أجابها زوجها : اطمئني ، ليس هناك ما يشغل البال .

سألته زوجته من جديد وهي متلهفة : إذن ماذا قال لك ؟
قال الزوج : لقد أثنى عليه كثيراً ، وأشاد بتفوقه في دراسته ، وأبدى رضاه عن أدبه وخلقه .
قاطعته زوجته : لماذا دعانا لمراجعته إذن ؟
قال زوجها : لقد لاحظ حب سعد للعزلة ، وعدم مخالطته زملاءه ، وانصرافه عن اللعب معهم .
سألته زوجته : الحمد لله طمأنتني .
قال زوجها : لكنه حذرني من التأثير السلبي لهذه العزلة في شخصيته ، وفي نموها نمواً صحيحاً ، وأنها تعيق نجاحه في الحياة مستقبلاً .
سألته ثانية : وبم أوصاك ؟
أجاب : بإخراجه من عزلته ، وتشجيعه على اللعب ، ومخالطة زملائه .
سألته : وكيف نفعل هذا ؟
قال : نبحث فيه معاً بعد أن أرجع إن شاء الله .
بعد أن رجع أبو سعد إلى بيته ، وتناول الجميع غداءهم ، وذهب سعد إلى غرفته ليكتب وظائفه المدرسية ، التفتت أم سعد إلى زوجها وقالت : هل اقترح عليك الاختصاصي ما نفعله لنخرج سعداً من عزلته ؟
قال أبو سعد : ذكر لي مدينة ألعاب جديدة ، ونصحني بأخذ سعد إليها .
سألتْه : أتراه يقبل ؟
أجاب : آمل ذلك .
قالت : يا رب يلهمه أن يوافق .
سألها : مَنْ أحب أصدقائه إليه ؟
قالت : حسن ، ابن جيراننا .
قال : اطلبي من أمه أن تأذن له لمرافقة سعد إلى مدينة الألعاب .
بعد أن أنهى سعد مراجعة دروسه وكتابة وظائفه أخبرته أمه أن والده يريد أن يصحبه إلى مدينة ألعاب جميلة جديدة ، فأبدى سعد تردده ، فردت عليه أمه : صدقني ستسعد فيها كثيراً ، ولا تنسى أن اسمك سعد : ستسعد يا سعد .
ابتسم سعد ولم يجب أمه التي أضافت مشجعةً له : سيذهب معك صديقك حسن .
هنا ابتسم سعد ابتسامة ضاحكة وقال : من أجلك وأجل أبي سأذهب .
دخل سعد مع صديقه حسن مدينة الألعاب الجديدة ، والوالدان يدعوان الله تعالى أن يستمتع ولدهما فيها ؛ لتكون بداية ناجحة تخرجه من عزلته .
مضت الساعة الأولى بنجاح كبير ؛ فسعد ينتقل مع صديقه حسن من لعبة إلى لعبة وهو متحمس نشط ، يبرق السرور في وجهه ؛ وتفيض السعادة من عينيه .

التفتت أم سعد إلى زوجها وقالت له : يبدو أننا كنا مقصرين حينما لم نبادر إلى مثل هذا إلا بعد نصيحة الاختصاصي الاجتماعي .
أجابها زوجها : الحمد لله ، هذا خير من استمرارنا في إهمالنا ، سنعوضه ما فات بعون الله .
ومضت ساعة أخرى ، وسعد يزداد سعادة وفرحاً وسروراً .
قال أبو سعد لزوجته وهو ينظر في ساعته : لقد تأخرنا ، ينبغي أن نعود إلى البيت اقترب موعد نومه ، ومازال هناك ما يفعله قبل ذلك .
قالت أم سعد : صدقت . ولقد وعدت أم حسن أن نرجع قبل السابعة .
ثم اقتربت من سعد وقالت له : هيا يا ولدي ، حان موعد عودتنا إلى البيت .
رد عليها سعد منفعلاً : لا ، لا يمكن ، أريد أن أن أركب في جميع الألعاب .
قالت له أمه : غداً يا ولدي ، غداً إن شاء الله نأتي بك مع حسن لتركبا في بقية الألعاب .
رد سعد بإصرار : لن أخرج من المدينة ، أما كنت تقنعينني مع أبي بالذهاب إليها .. ما بك الآن تريدين إخراجي منها ؟!!
التفتت إلى زوجها وقالت : هل رأيت ، لقد نجحنا في إقناعه بدخولها وما عدنا قادرين على إقناعه بالخروج منها .
اقترب أبوه منه وقال : يا سعد يا حبيبي ، سأشتري لك في طريق عودتنا (( صندويش الشاورما )) التي تحبها .
رد سعد : لا أريد شاورما ، لست جائعاً . حاول والده من جديد : وسأشتري لك الدراجة التي وعدتك بها إذا نجحت … الآن ، وقبل الامتحانات .
رفض سعد عرض والـده وقال : والله لو اشتريت لي دراجات الكويت كلها .. لن أخرج من هنا .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي  قال : ( ما من نفس تموت ، لها عند الله خير ، يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد ، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل مرة أخرى ، لما يرى من فضل الشهادة ) متفق عليه .
وعن أبي هريرة  أن النبي  قال :
( إذا حُضِرَ المؤمنُ ، أتتْه ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ، فيقولون : اُخرجي راضية مرضياً عنكِ ، إلى روح وريحان ، ورب غير غضبان ، فيخرج كأطيب ريح المسك ، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً ، حتى يأتوا به السماء ، فيقولون : ما أطيب هذا الريح التي جاءتكم من الأرض ! فيأتون به أرواح المؤمنين ، فلَهُم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه ، فيسألونه : ماذا فعل فلان ؟ ماذا فعل فلان ؟ فيقولون : دعوه فإن كان في غم الدنيا ، فإذا قال : أما أتاكم ؟ قالوا : ذُهب به إلى أمه الهاوية .

وإن الكافر إذا حُضرَ أتته ملائكة العذاب بمسح ، فيقولون اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك ، إلى عذاب الله ، فيخرج كأنتنِ ريح ، حتى يأتوا بها باب الأرض ، فيقولون : ما أنتن هذه الريح ! حتى يأتوا بها أرواح الكفار ) النسائي والحاكم وابن حبان ( صحيح الجامع 490 ) .
وسمع الحسن رجلاً يبكي ميتاً له فقال : عجباً من قوم مسافرين يبكون مسافراً بلغ منزله .

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.