طمأنينة الرضا

طمأنينة الرضا
محمد رشيد العويد

هل فرحت بأمر ، وأحببت حصوله ، ثم أحزنك ، وكرهت حصوله بعد أن اكتشفت أنه لم يكن خيراً لك ؟!
وهل أحزنك أمر ، وكرهت حصوله ، ثم فرحت به ، وأحببت حصوله بعد أن اكتشفت أنه كان خيراً لك ؟!
لعلك تجيبين فتقولين : بل كثيراً ما حدث هذا ، ولو استرجعت أحداث حياتي الماضية لذكرتُ لكَ عشرات الأمور التي أحببتُها فكانت شراً لي ، وعشرات أُخَر كرهتها فكانت خيراً لي .
الصحافية السويدية إينغر دو أرماس نجحت في الإجابة عن معظم الأسئلة في برنامج (( من سيربح المليون )) الذي تبثه القناة الرابعة في التلفزيون المحلي .
ولدى تسليمها مبلغ المليون كرون سويدي قالت الصحافية إنها ستستخدم جزءاً منه لتحقيق حلمها في القيام برحلة إلى كوبا لمساعدة ابنة زوجها الموجودة هناك على المجيء إلى السويد . ولكن فرحة الفائزة لم تكتمل ؛ إذ بلغها فوراً نبأ إصابة والدتها بنوبة قلبية من شدة فرحها خلال متابعتها البرنامج ، ولما توجهت ابنتها إلى المستشفى لتزور أمها فيه وجدتها قد فارقت الحياة .
وكانت الصحافية السويدية تخوفت من ذلك ؛ لذا طلبت من والدتها ألا تتابع البرنامج ، وأن تنتظر عودتها لتشاهداه معاً عبر شريط مسجل ، لكن الوالدة لم تتمالك نفسها فتحولت الفرحة إلى مأساة .. وألغت (( دو أرماس )) الرحلة وانهمكت في الجنازة .
أتراها كرهت هذا الفوز وقد كان سبباً في وفاة والدتها ؟ أما ألغت رحلتها التي تمنت القيام بها و (( قد تحولت الفرحة إلى مأساة )) كما جاء في الخبر ؟
لقد ربَّانا ربُنا في القرآن الكريم على أن نكون راضين دائماً ؛ فلا نفرح فرح البطر إذا أوتينا شيئاً ، ولا نحزن على فواتـه إذا لم نحصل عليه :   ما أصاب من مصيبة في الأرض ، ولا في أنفسكم ، إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ؛ إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور  الحديد 22-23 .
يقول ابن كثير في تفسير الآيتين : (( أي أعلمناكم بتقدم علمنا ، وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها ، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها .. لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم ، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم ؛ فلا تأسوا على مافاتكم لأنه لو قُدّر شيء لكان  ولا تفرحوا بما أتاكم  أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم ، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم ؛ فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس ، ولهذا قـال تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  أي مختال في نفسه ، متكبر فخور على غيره ، وقال عكرمة : ليس أحد إلا هو يـفرح ويحزن .. ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً )) .
وفي تنوير الأذهان (( أخبرناكم بإثباتها وكتابتها في كتاب كيلا يحصل لكم الحزن والألم  على مافاتكم  من نعم الدنيا كالمال والخصب والصحة والعافية  ولا تفرحوا بما آتاكم  أي أعطاكم الله منها ؛ فإن من علم أن كلاً من المصيبة والنعمة مقدر ، لا يعظم جزعه على مافات ، ولا فرحه بما هو آت ، إذ يجوز أن يُقَدَّر ذهابه عن قريب . قيل لأحد الحكماء : أيها الحكيم ؛ مالك لا تحزن على مافات ، ولا تفرح بما هو آت ؟ قال : لأن الفائت لا يُتلافى بالعَبْرة ( الدمعة ) ، والآتي لا يُستدام بالحَبْرة ( أي الحبور والسرور ) ، ولا التأسف يرد فائتاً ، ولا الفرح يُقَرِّب معدوماً .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لأَنْ أَمَسَّ جمرةً أحرقتْ ما أحرقتْ ، وأبقت ما أبقت ، أحب إليَّ من أن أقول لشيء لم يكن : ليته كان . والمراد بالآية : نفي الأسى المانع عن التسليم لأمر الله ، والفرح الموجب للبطر والاختيال ؛ ولذا عقب بقوله تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  فإن من فرح بالحظوظ الدنيوية ، وعظمت في نفسه ، اختال وافتخر بها لا محالة .
وفي الآية إشارة إلى أنه يلزم أن يثبت الإنسان على حال في السراء والضراء ؛ فإن كان لا بد له من فرح ، فليفرح شكراً على عطائه ، وإن كان لا بـد من حزن فليحزن صبراً على قضائه لا ضجراً .
قال قتيبة بن سعيد : دخلت على بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء مملوء من الإبل الميتة بحيث لا تُحصى ، ورأيت شخصاً على تل يغزل صوفاً ، فسألته فقال : كانت باسمي ؛ فارتجعها من أعطاها ، ثم أنشأ يقول :
لا والذي أنا عبدٌ من خلائقـهِ        والمرءُ في الدهر نَصْبَ الرزْء والمحنِ
ما سرَّني أن إبْلي في مباركها         وما جرى مـن قضاءِ الله لـم يـكُـنِ

وقيمة هذه الحقيقة التي لا يتصور العقل غيرها حين يتصور حقيقة الوجود الكبرى ؛ قيمتها في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها ؛ قلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعاً وتذهب معه حسرات عند الضراء . ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء :  لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم  .
فاتساع أفق النظر ، والتعامل مع الوجود الكبير ، وتصور الأزل والأبد ، ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم الله ، الثابتة في تصميم هذا الكون .. كل أولئك يجعل النفس أفسح وأكبر وأكثر ثباتاً ورزانة في مواجهة الأحداث العابرة ، حين تتكشف للوجود الإنساني وهي مارة به في حركة الوجود الكوني .
إن الإنسان يجزع ويُستطار وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود ، ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير . فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به ، وتمر بغيره ، والأرض كلها .. ذرات في جسم كبير هو هذا الوجود .. وأن هذه الذرات كائنة في موضعها في التصميم الكامل الدقيق . لازمٌ بعضها لبعض . وأن ذلك كله مقدر مرسوم معلوم في علم الله المكنون .. حين يستقر هذا في تصوره وشعوره ؛ فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء ؛ فلا يأسى على فائت أسىً يضعفه ويزلزله ، ولا يفرح بحاصل فرحاً يستخفه ويذهله ؛ ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية وفي رضى ؛ رضى العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون .
وهذه درجة قد لا يستطيعها إلا القليلون . فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء ، ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله ، وذكره بهذه وتلك ، والاعتدال في الفرح والحزن .
وها هي آية سورة البقرة ينبهنا فيها ربنا إلى أننا قد نكره شيئاً هو خير لنا ، وقد نحب شيئاً هو شر لنا :  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون  البقرة 96 .
قال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة ؛ فلربما أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولربما أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير :
رب أمرٍ تتقيه        جرّ أمراً ترتضيه
خفي المحبوب منه     وبدا المكروهُ فيه

إن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق ؛ ولكن وراءه حكمة تهوِّن مشقته ، وتسيغ مرارته ، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنساني القصير .. عندئذ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر ، ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها . نافذة تهب منها ريح رخية عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور .. إنه من يدري فلعل وراء المكروه خيراً ، ووراء المحبوب شراً . إن العليم بالغايات البعيدة ، المطلع على العواقب المستورة ، هو الذي يعلم وحده حيث لا يعلم الناس شيئاً من الحقيقة .
وعندما تنسم تلك النسمة الرخية على النفس تهون المشقة ، وتتفتح منافذ الرجاء ، ويستروح القلب في الهاجرة ، ويجنح إلى الطاعة والأداء في يقين وفي رضاء .
إنه منهج في التربية عجيب . منهج عميق بسيط . منهج يعرف طريقه إلى مسارب النفس الإنسانية وحناياها ودروبها الكثيرة . بالحق وبالصدق . لا بالإيحاء الكاذب ، والتمويه الخادع .. فهو حق أن تكره النفس الإنسانية القاصرة الضعيفة أمراً ويكون فيه الخير كل الخير . وهو حق كذلك أن تحب النفس أمراً وتتهالك عليه ، وفيه الشر كل الشر .
وهو الحق كل الحق أن الله يعلم ، والناس لا يعلمون ! وماذا يعلم الناس من أمر العواقب ؟ وماذا يعلم الناس مما وراء الستر المسدل ؟ وماذا يعلم الناس من الحقائق التي لا تخضع للهوى والجهل والقصور ؟!
إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالماً آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه . وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون ، وتقلب الأمور . وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه . وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيعاً في يد القدر ، يعمل ويرجو ويخاف ، ولكن يرد الأمر كله لليـد الحكيمة والعلم الشامـل ، وهو راض قرير .. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع .. فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة في ما اختاره الله .. وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان ! إن الإذعان الواثق والرجاء الهادئ والسعي المطمئن .. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة .. وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط ، في يسر وفي هوادة وفي رخاء . يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال ؛ فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال .
وكل إنسان – في تجاربه الخاصة – يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم ، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم . وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ، ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذاً من الله أن فوتّ عليه هذا المطلوب في حينه . وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثاً يكاد ينقطع لفظاعتها ، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل .
إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية ، لتؤمن وتسلّم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء ، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف .
والآن ، أختي المؤمنة ، كيف تحققين في نفسك ، وفي حياتك ، هذه المعاني الإيجابية العظيمة الأثر ، العميمة النفع ، الحافظة لك من اليأس والقنوط والضعف والإحباط ؟
استحضري المعاني السابقة ، ورددي قوله تعالى  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  كلما تلقيت خبراً محزناً ، أو حلّ بك مصاب ، أو حدث لك أي أمر تكرهينه .
وعيشي معية الله إذا وجدت الناس من حولك لا يقفون معك ، ولا ينصرونك ، ويتخلون عنك .
وتذكري أن أشد الناس بلاء الأنبياء ، وكيف كان  عظيم الصبر على البلاء ، وكيف احتسب أولاده وبناته جميعاً وقد ما توا قبله إلا السيدة فاطمة رضي الله عنها .
واحسبي الأجر الذي يُكتب لك جزاء صبرك على ما أصابك واحتسبته عند الله تعالى .
وقيسي الدنيا إلى الآخرة : هل نسبتها واحد إلى مليون ؟ إلى مليار ؟ إلى ألف مليار ؟ إنها أقل من ذلك . إنها نسبة الدنيا الفانية الزائلة القليلة إلى الخلود العظيم الدائم . نسبة الدنيا الملأى بالهموم والآلام والأمراض إلى الجنة الملأى بالمسرات والأفراح والعافية التي لا مرض معها أبداً . نسبة الدنيا التي يكثر فيها فراق الأهلين والأقارب والأحبة إلى الجنة التي يجتمعون فيها فلا يفترقون أبداً .

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.