إنكم لا تربحون ولا تدخرون .. بل تجمعون !

إنكم لا تربحون ولا تدخرون .. بل تجمعون !
محمد رشيد العويد

لم يصف سبحانه عمل الذين يجمعون الأموال بـ (( الكسب )) أو (( الربح )) أو (( الادخار )) أو (( التوفير )) ، أو غيرها من الأوصاف التي قد تشير إلى أن ما يفعلونه من كنز للأموال هو خير لهم ، بل لقد وصف سبحانه عملهم هذا بـ (( الجمع )) لينبّه إلى أنهم إنما يضيفون مالاً إلى مال دون أن يكون لهم من هذا المال إلا ما يأكلونه من طعام ، أو يشربونه من شراب ، أو يلبسونه من ثياب . ومهما أكلوا وشربوا ولبسوا فإنهم لن يحتاجوا إلا إلى القليل مما يجمعونه ؛ ومن ثم فإنهم إنما يجمعونه لغيرهم ، ثم يسألون عنه يوم القيامة ، فهل في هذا ربح أو كسب أو ادخار ؟!

سبع آيات وصفته بـ (( الجمع ))

يقول الله تعالى واصفاً عمل هؤلاء بـ (( الجمع )) في سبع آيات كريمات من آيات القرآن الكريم :
– ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون آل عمران 157 .
– ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا : ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون الأعراف 48 .
– أهم يقسمون رحمة ربك ؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ، ورحمة ربك خير مما يجمعون الزخرف 32 .
– قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون يونس 58 .
– تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى المعارج 17 – 18 .
– ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده الهمـزة 1 – 3 .
– أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً القصص 78 .

إن وصف الجمع لما يقوم به الفرحون بزيادة أرصدتهم في المصارف ، وما راكموه من ذهب وفضة وعقار ، يقلل كثيراً من قيمة ما يقومون به ، ويهوّن من شأنه ، وينبه إلى أنه ليس كسباً حقيقياً ، أو ربحاً فعلياً ، أو ادخاراً أبدياً ، ذلك أن الموت ينهي امتلاكهم ما جمعوه . ومحدودية حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب والكساء تمنعه من استهلاك كل ما جمعه .

أي ربح في جمع حطام الدنيا

ولقد أوضحت الآيات السبع هذه الحقيقة ، ونبهت جامعي حطام الدنيا إلى أنهم لا يقومون بعمل مربح لأنه يشغلهم عما هو خير منه لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ورحمة ربك خير مما يجمعون ومادام السعي إلى الرحمة والمغفرة خيراً من الجمع فهو أربح منه . يقول ابن كثير في الآية ( القتل في سبيل الله ، والموت أيضاً ، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه ، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني ) .
ولقد جاءت المغفرة والرحمة منكّرتين منونتين في قوله تعالى لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون تأكيداً على أن قليلا من رحمة الله ومغفرته خير مما يجمع الناس طوال حياتهم على هذه الأرض . يقول الشيخ إسماعيل البروسوي في تفسيره روح البيان (( لنفحة يسيرة من مغفرة ورحمة كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك خيـر مما يجمع الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم )) . بل لقد نقل الزمحشري في تفسيره قول ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه النفحة من رحمة الله ومغفرته ( خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء ) أي خير من ملء الأرض كلها ذهباً . ويقول القرطبي إنها خير ( من منافع الدنيا ولذاتها مدة أعمارهم ، وهذا ترغيب للمؤمنين في الجهاد ، وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون . وفيه تعزية لهم وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى إثر إبطال ما عسى أن يثبطهم عن إعلاء كلمة الله تعالى ) .

هل نفع الجمع قارون ؟

ويتأكد هذا التوجيه في آية سورة يونس يا أيها الناس قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون . يقول ابن كثير (( أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدي ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به ( هو خير مما يجمعون ) أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة )) .
ويحكى أن إبراهيم بن أدهم سُرَّ ذات يوم بمملكته ونعمته ، ثم نام فرأى رجلاً أعطاه كتاباً ؛ فإذا فيه مكتوب : لا تؤثر الفاني على الباقي ، ولا تغتر بملكك ؛ فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم ، فسارع إلى أمر الله فإنه يقول ( سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ) فانتبه من نومه فزعاً وقال : هذا تنبيه من الله وموعظة ؛ فتاب إلى الله واشتغل بالموعظة .
من يرفض عطاء عظيماً يأتيه وهو في أشد الحاجة إليه ؟ وهل ثمة عطاء أعظم من عطاءٍ يصفه تعالى بأنه موعظة ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ، ورحمة . يقول صاحب ( روح البيان ) : وفي لفظ ( جاءكم ) إشارة إلى أن القرآن تُحفة من الله تعالى جسيمة ، وهدية منه عظيمة ، وصلت إلينا ؛ فلم يبق إلا القبول ، وقبولُه : الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه .
وينبه إلى أن الجمع لو كان ينفع أحداً لنفع قارون ما كان يجمعه ، فيقول : فضل الله : إيصال إحسانه إليك . ورحمته : ما سبق لك منه من الهداية ؛ فكأن الله تعالى يقول : عبدي .. لا تعتمد على طاعتك وخدمتك ، واعتمد على فضلي ورحمتي ، ولو كان في جمع حطام الدنيا منفعة لانتفع قارون .

أحمق الحمقى من يختار هذا المصير

ثم لماذا يغفل الناس عن المآل والمصير ؟ عمن يحشرون إليه بعد الموت ؟ لقد جاءت الآية التالية تذكّر بـذلك : ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون . يقول الألوسي في روح المعاني : إنكم ، بأي سبب اتفق هلاككم ، تحشرون إلى الله تعالى لا إلى غيره ، فيجزي كلاً منكم كما يستحق ، فيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته ، وليس غيره يرجى منه ثواب أو يتوقع منه دفع عقاب ، فآثروا ما يقربكم إليه ويجرّ لكم رضاه من العمل بطاعته والجهاد في سبيله ولا تركنوا إلى الدنيا .
ويوضح صاحب الظلال أن الجمع الخادع ليس مقتصراً على المال إنما يمتد إلى جمع الأمجاد الشخصية ، والسلطان والمتاع والجاه وغيرها من الأعراض الصغار ؛ فالموت أو القتل في سبيل الله – بهذا القيد وبهذا الاعتبار – خير من الحياة ، وخير مما يجمعه الناس في الحياة من أعراض الصغار : من مال ومن جاه ومن سلطان ومن متاع . خير بما يعقبه من مغفرة الله ورحمته ، وهي في ميزان الحقيقة خير مما يجمعون . وإلى هذه المغفرة وهذه الرحمة يكل الله المؤمنين .. إنه لا يكلهم – في هذا المقام – إلى أمجاد شخصية ، ولا إلى اعتبارات بشرية ، إنما يكلهم إلى ما عند الله ، ويعلق قلوبهم برحمة الله ، وهي خيـر مما يجمع الناس على الإطلاق ، وخير مما تتعلق به القلوب من أعراض .
وكلهم مرجوعون إلى الله ، محشورون إليه على كل حال . ماتوا على فراشهم ، أو ماتوا وهم يضربون في الأرض ، أو قتلوا وهم يجاهدون في الميدان . فما لهم مرجع سوى هذا المرجع ، وما لهم مصير سوى هذا المصير … والتفاوت إذن إنما يكون في العمل والنية وفي الاتجاه والاهتمام .. أما النهاية فواحدة : موت أو قتل في الموعد المحتوم ، والأجل المقسوم ، ورجعة إلى الله وحشر في يوم الجمع والحشر .. ومغفرة من الله ورحمة ، أو غضب من الله وعذاب .. فأحمق الحمقى من يختار لنفسه المصير البائس .. وهو ميت على كل حال .
بذلك تستقر في القلوب حقيقة الموت والحياة ، وحقيقة قدر الله . وبذلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاء جرى به القدر ، وإلى ما وراء القدر من حكمة ، وما وراء الابتلاء من جزاء .

هل يزيد العمر كلما زاد الجمع ؟!!

وتأتي آيات سورة المعارج لتبشر الذي يجمع ويجمع ويمسك فلا ينفق في سبيل الله ؛ تبشره بالنار التي تدعوه ليدخل إليها ويكتوي فيها كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى . لقد جمع المال فجعله في وعاء فلم ينفق منه في سبيل الخير .
يقول القرطبي : لقد جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى فكان جَموعاً مَنوعاَ . قال الحكم : كان عبدالله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول : سمعت الله يقول وجمع فأوعى .
لقد كان من قبل مشغولاً عن الدعوة بجمع المال وحفظه في الأوعية ! أما اليوم فالدعوة من جهنم لا يملك أن يلهو عنها ، ولا يملك أن يفتدي بما في الأرض كله منها .
وترسم سورة (( الهمزة )) صورة الذي يجمع المال ويعده ويحصيه مع وَهْمٍ بأنه يزيد في أيام عمره كلما زاد ما يجمعه من أموال حتى إنه ليخلد في الدنيا : – ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدارك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة . أي الذي جمع مالاً كثيراً وأحصاه ، وحافظ على عدده لئلا ينقص فمنعه من الخيرات . قال الطبري : أي أحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ، ولم يؤد حق الله فيه ولكنه جمعه وأوعاه وحفظه . ويظن هذا الجاهل – لفرط غفلته – أن ماله سيتركه مخلداً في الدنيا لا يموت . أو أنه أعده – كما يزعم – لنوائب الدهر . وقيل : أحصى عدده . وقال الضحاك : أعد ماله لمن يرثه من أولاده . وقيل : فاخر بعدده وكثرته ، والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة .

نفخة فاجرة
إنه يعده مرة بعد مرة ، شغفاً به وتلذذاً بإحصائه ، لأنه لا يرى عزاَ ولا شرفاً ولا مجداً في سواه . فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذي فضل ومزية دونه ؛ فهو يهزأ به ويلمزه . ثم لا يخشى أن تصيبه عقوبة على الهمزة واللمزة وتمزيق العرض لأن غروره بالمال أنساه الموت ، وصرف عنه ذكر المآل فهو يحسب أن ماله أخلده أي يظن أن ماله الذي جمعه وأحصاه وبخل بإنفاقه .. مخلده في الدنيا فمزيل عنه الموت .

ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة ؛ القيمة التي تهون أمامها عنده جميع القيم وجميع الأقدار : أقدار الناس ، وأقدار المعاني ، وأقدار الحقائق ، وأنه وقد ملك المال فقد ملك كرامات الناس وأقدارهم بلا حساب !
كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء ، لا يعجز عن فعل شيء ! حتى دفع الموت وتخليد الحياة ، ودفع قضاء الله وحسابه وجزائه إن كان هناك في نظره حساب وجزاء !
ومن ثم ينطلق في هوس بهذا المال يعده ويستلذ تعداده ، وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة ، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس وكراماتهم ، ولمزهم وهمزهم .. يعيبهم بلسانه ويسخر منهم بحركاتـه ، سواء بحكاية حركاتهم وأصواتهم ، أو بتحقير صفاتهم وسماتهم .. بالقول والإشارة .. بالغمز واللمز .. باللغة الساخرة والحركة الهازلة !

معالم

وبعد ، فإن وصف القرآن اندفاع الناس المحموم في تحصيل المال بـ (( الجمع )) يرسم لنا هذه المعالم :
* ينبغي أن يصحح الإنسان مشاعره فلا يفرح بزيادة رصيده يوماً بعد آخر ، بل إن الذي يستحق الفرح حقاً ما يناله المسلم من رحمة ربه ومغفرته ، (( لا المال ولا أعراض هذه الحياة . إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والأعراض الزائلة ، فيجعل هذه الأعراض خادمة للحياة لا مخدومة ، ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبداً خاضعاً لها )) .
* لا يعني هذا أن يتوقف الإنسان عن السعي في الأرض ، والعمل من أجل أن يكسب ما يلبي حاجاته المختلفة ، فالإسلام (( لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها . إنما هو يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد ، مطمحهم أعلى من هذه الأعراض ، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض . والإيمان عندهم هو النعمة ، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف . والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم .
* وهذا هو ما تعلمه الصحابة رضي الله عنهم وأدركوه جيداً . عن عقبة بن الوليد عن صفوان بن عمرو قال : سمعت أيفع بن عبدالله الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر – رضي الله عنه – خرج عمر ومولى له ، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل يقول : الحمد لله تعالى ، ويقول مولاه : هذا والله من فضل الله ورحمته ، فقال عمر : كذبت ، ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى : قل : بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

هكذا كان الرعيل الأولون ينظرون إلى قيم الحياة . كانوا يعدون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من الله من موعظة وهدى . فأما المال ، وأما الثراء ، وأما النصر ذاته فهو تابع . لذلك كان النصر يأتيهم ، وكان المال ينثال عليهم ، وكان الثراء يطلبهم . إن طريق هذه الأمة واضح . إنه في هذا الذي يسنه لها قرآنها . وفي سيرة الصدر الأول الذين فهموه من رجالها .. هذا هو الطريق .
* إن تربية أفراد المجتمع على هذا يقي كثيراً مما يحدث فيه من جرائم يدفع إليها ذاك النهم في جمع المال وكنزه ، والرغبة المحمومة في الحصول عليه ، ويمنع حدوث تلك الخلافات الخطيرة بين الأقارب والأصدقاء ، بل بين أفراد الأسرة الواحدة أحياناً ؛ بين الأخ وأخيه والأب وبنيه .
* وأختم بهذه الكلمات لصاحب الظلال الذي يقول : إن القيمة العليا يجب أن تبقى لفضل الله ورحمته المتمثلين في هداه الذي يشفي الصدور ، ويحرر الرقاب ، ويُعلي من القيم الإنسانية في الإنسان . وفي ظل هذه القيمة العليا يمكن الانتفاع برزق الله الذي أعطاه للناس في الأرض ، وبالتصنيع الذي يوفر الإنتاج المادي ، وبالتيسيرات المادية التي تقلل من شدة الكدح ، وبسائر هذه القيم التي تقرع الجاهلية حولها الطبول في الأرض .
وصدق الله العظيم يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.