طمع أيمن – محمد رشيد العويد

طمع أيمن
محمد رشيد العويد

كانت صدمة كبيرة لأيمن ، كاد أن ينهار مع انهيار أسعار الأسهم في البورصة . لقد جمع مدخراته كلها ليشتري بها أسهماً في عدة شركات كانت أسعار أسهمها ترتفع يوماً بعد آخر .
كان يحلم بثراء واسع ، وحلمه هذا جعله يُرغم زوجته على بيع ذهبها وهو يمنِّيها بأن يرجعه لها أضعافاً مضاعفة .
حتى أولاده ؛ أفرغ حصالاتهم مما فيها ، وأخذ منهم ما وفروه من عيدياتهم ، ليشتري بها أسهماً في إحدى الشركات التي أشار عليه أحدهم بها .
هبطت أسعار الأسهم كلها ، صار ثمنها يعادل أقل من ربع ما اشتراه بها .
سالت دمعة على خده وهو يسترجع بكاء ولده حسن ، بعد أن أخذ منه مـا ادخـره من عيدياته … مازالت كلماته الباكية ترن في أذنه : أبي ، لا تأخذها ، أريد أن أشتري بها لعبة القطار .. بقيتُ سنتين وأنا أجمع ثمنها .
أخذ نفساً عميقاً ثم أطلق زفرة حارة وهو يحاول أن يصرف عنه لوم نفسه لنفسه .. لكن مشهد زوجته الواقعة على الأرض إثر دفعه لها بعنف بعد أن حذرته من عاقبة ما يفعل بقولها : لماذا تريد مضاعفة مالك ؟ ما عندنا يكفينا والحمد لله ! لا تُضيِّع ما جمعناه في سنوات بطمعك .. !
خاطب نفسه : كانت صادقة . كانت على حق . وقع ما خشيتْ أن يقع . لقد أضعتُ ادخار سنوات بطمع لم يكن له ما يبرره .
ليتني اتعظت بما سمعته من إمام المسجد في خطبة الجمعة وهو يوصي بالرضا والقناعة ويستشهد بحديث النبي  ( ما قـلّ وكفى .. خير مما كثر وألهى ) وحديثـه عليـه الصلاة والسلام ( ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ) .
ماذا ينفع الندم الآن ؟! ليت الآخرين يتعظون بكلامي ، ويدركون ما لم أدركه إلا بعد فوات الأوان . ليتهم يستثمرون أموالهم بإنفاقها على أهليهم ، على آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأولادهم ، أما جعل النبي  إنفاقنا على أهلنا صدقة ، بل أعظم الصدقات فقال ( دينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته في رقبة ، ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك ، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك ) صحيح مسلم .
ولقد وعد  بأن الصدقة لا تُنقص المال ( ما نقصت صدقة من مال … ) صحيح مسلم ، وفي رواية أخرى أقسم  على هذا فقال ( ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال عبدٍ من صدقة .. )
إن ما كتبه الله من رزق للعبد لا بد أن يأتيه . قال النبي  ( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ، وتستوعب رزقها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله ، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته ) صحيح الجامع .
وأرجو ألا تقولوا أنني بهذا أدعوكم إلى عدم العمل والسعي ؛ فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة كما قال عمر رضي الله عنه ، والنبي يخبرنا أنه ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) صحيح البخاري .

وبعد ، فإن أهم ما نخرج به بعد قراءتنا لكلام أيمن الذي عرض فيه ما جرى له ، وما خرج به من عبرة وعظة ، يمكن أن نوجزه في ما يلي :
عـدم حرمان الأسرة من حاجاتها الأساسية من أجل المتاجرة بكل المال الذي يملكه المرء وأهله .
ليس للرجل أن يأخذ أموال زوجته وأولاده ليتاجر بها دون رضاهم . فكيف إذا أخذها مع إيذائهم وإحزانهم كما فعل أيمن مع زوجته وولده .
فرق كبير بين أن يستثمر الإنسان ماله بنفسه وبين أن يعطيه غيره ليستثمره له .
( لا تضع مالك كله في سلة واحدة ) من القواعد الاستثمارية المعروفة التي لم يراعها أيمن ، ولا يراعيها كثير من الناس .
التوكل على الله وابتغاء ما عنده سبحانه أهم أسباب الرزق ( لو أنكم توكلَّون على الله حق توكله ؛ لرزقكم كما يرزق الطير ؛ تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) صحيح الجامع .
القناعة والرضا يحفظان الإنسان من كثير من الطمع المهلك ، خاصة إذا كان لديه ما يكفيه ويغنيه ، ويعين على الرضا والقناعة علمنا أن ما ادخره الله لنا خير مما غاب عنا ( لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة ) صحيح الجامع .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.