لا تتزوجوا الثانية تأديباً للأولى – محمد رشيد العويد

لا تتزوجوا الثانية تأديباً للأولى
محمد رشيد العويد

خرجتْ من تجربتين فاشلتين في الزواج بقرارها : لا للزواج .
كانت حزينة ، محبطة ، تلملم أحزانها ، وتداوي جراحها ، وهي تقرر أن تتفرغ لتربية أطفالها الأربعة الذين رزقت بهم من زوجها الأول .
زارتني تحكي لي قصتيها مع زوجيها السابقيـن ، فلمست فيها شفافية ، ورقة ، وعاطفة جياشة ، مع حكمة ، وذكاء ، ورجاحة عقل .
قالت : رغم قراري بعدم الزواج فإن رجلاً تقدم إلى خطبتي وجدت فيه من الأخلاق والطباع ما جعلني أراجع أمري ، وأتراجع عن قراري .. فهل أنا محقة ؟
قلت لها : لا شك في أن تكوني متزوجة خير من بقائك دون زوج ، فالزواج يوفر لك قدراً كبيراً من الأمان النفسي والجسدي والمادي .
قالت : لكني أخشى من إخفاقي للمرة الثالثة ، وأنا غير مستعدة لتجدد المعاناة والألم .
قلت : استخيري الله سبحانه ، واسألي عن الرجل جيداً .
قالت : استخرت الله وسألت عن الرجل ، ولقد طمأنني إلى أنه سيرعاني ، ويهتم بي ، ويوفر لي كل ما يسعدني ، لكني مازلت قلقة ؛ فجميع الرجال يقولون كلاماً طيباً قبل الزواج .. ينسونه بعد الزواج .
ابتسمتُ وقلت : ليس جميع الرجال .
قالت : أكثرهم .
قلت : وماذا ستفعلين الآن ؟
قالت : مازلت حائرة ، لهذا جئت إليك أستشيرك لتنصحني بما أفعل .
قلت : هل هو متزوج ؟
قالت : نعم .
قلت : وعنده أولاد ؟
قالت : خمسة .
قلت : هل شكا لك من زوجته ؟
قالت : نعم ، ذكر أنها لا تفهمه ، ولا تهتم به ، وتنشغل بأولادها عنه .
قلت : هذا ما يشتكيه أكثر الرجال في زوجاتهم .
قالت : هل تعني أنه مثل غيره ولن يختلف عن زوجيَّ السابقين ؟
قلت : لا أستطيع أن أحكم بهذا دون أن أجلس معه وأسمع منه .
قالت : ولذلك جئت أطلب منك أن تسمع منه .
قلت : وهل وافق على ذلك .
قالت : نعم .
قلت : إذن ، نتفق على موعد قريب .

O            O            O

بعد أيام ، زارني الرجل ، وجلسنا معاً ، سألته كثيراً وأجابني ، ارتحت إليه ، واطمأننت إلى كلامه ، وكان أكثر ما يقلقني حال زوجته الأولى وأولاده ، وما يمكن أن يكون لهم من تأثير في منعه من إعطاء زوجته الثانية حقوقها عليه ، فكان يؤكد لي أن هذا لن يحدث بإذن  الله .
نقلت ما دار بيني وبينه إلى أم عبدالرحمن ، وهذه كنيتها ، مطمئناً مشجعاً لها على قبولها الزواج منه .
لكنها اتصلت بي ، بعد أسابيع قليلة ، تذكر لي أنه انشغل عنها بزوجته وأولاده ، وما عاد متحمساً للزواج منها ، بل إنه ذكر لها ، في آخر اتصال له بها ، أن زوجته أُغمي عليها حين أخبرها بنيته الزواج .
قلت لعله خير ، وأحسب أن هذا نتيجة الاستخارة .
لكنها بعد أيام قليلة اتصلت من جديد لتخبرني أن الرجل مازال عازماً على الزواج منها ، وأنه عالج أمر زوجته .
لم أرتح لهذا الكلام ، وخشيت من العواقب ، وشاركتني هي هذه الخشية ، وتركت لها اتخاذ ما تراه .
بعد شهر تقريباً ، اتصلت بي لتخبرني ، بصوت متهدج حزين ، أنها تزوجت منه وطُلِّقتْ بعد أسبوع من زواجها .
كانت مفاجأة كبيرة ؛ زواج سريع وطلاق سريع . سألتها عن التفاصيل فذكرت أنها تزوجته ، وسافرت معه ، وأمضيا معاً أسبوعاً سعيداً لا مشكلات فيه ، لكن اتصالاً هاتفياً جاءه من أولاده يخبرونه فيه أن أمهم دخلت المستشفى .
قطع إجازته ورجع مع زوجته الثانية إلى بلدهما ، وفي اليوم الثاني من وصولهما اتصلت به تسأله ، وتطمئن على زوجها فأخبرها أنهما يجب أن ينفصلا وإلا وقعت كارثة بسبب زوجته الأولى المنهارة من زواجه الثاني .
تضيف قائلة : كان هذا آخر اتصال بيننا ، وما عاد يرد على اتصالاتي ، حتى جاءتني منه رسالة هاتفية يخبرني فيها أنه قرر تطليقي ، وأنه ماض في الإجراءات .

يتكرر مثل هذا كثيراً ؛ إذ يرغب الرجل في الزواج من امرأة أخرى ، ويأمل في أن تمضي الأمور بسلام ، لكنها لا تمضي كما كان يأمل ، فيتخلى عن الثانية بسرعة لإرضاء الأولى ، فتكون ضحية .
ولذا أرجو ممن يرغبون في الزواج من امرأة أخرى أن يدركوا تماماً ما هم مقدمون عليه ، وأن يستحضروا نية التأبيد في زواجهم ، أي أنهم سيستمرون فيه ، وأن يقدروا ما سيلحقونه من ألم وحزن وضيق للزوجة الأولى ، أو الزوجة الثانية حين تطلق بعد زمن قصير من الزواج .
لقد وصف الله سبحانه عقد الزواج بأنه ميثاق غليظ  وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً  النساء 21 ، فلا يجوز من ثم أن يجعل الرجل زواجه من ثانية تأديباً للأولى ، أو تجربة جديدة لعلها تنجح ، أو مغامرة لعله يكسب من ورائها شيئاً . هذه نيات أراها لا تجوز .

Advertisements

سحر الكلمة الطيبة – محمد رشيد العويد

سحر الكلمة الطيبة
محمد رشيد العويد

الرضا والراحة والسرور … بعض المشاعر الإيجابية ، التي تحدثـها في النفس ؛ الكلمة الطبية .

إنها تستجلب مـودة من قيلت له ، وتستميل قلب من خوطب بها ، وتكسب تاييد من وجهت إليه .
بل هي تستأصل أي شعور للعداوة والبغض في النفس ، وتقلب العداوة صداقة حميمة ؛ تماماً كما قال سبحانه (( ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )) .

وإذا كانت الكلمة الطيبة مفيدة وهامة في جميع العلاقات الاجتماعية فإنها في العلاقة الزوجية أفيد وأهم . وفقدان الزوجين كليهما لها يعني أنهما قريبان جداً من الطلاق .

إن معظم الخلافات الزوجية ناتج عن كلمة غير طيبة ، تصدر عن أحد الزوجين ، فيبادر الزوج الآخر إلى مقابلة هذه الكلمة غير الطيبة بكلمة أخرى غير طيبة أيضاً … فيحدث الخلاف ، الذي قد يتطور إلى شجار ، قد ينتهي إلى طلاق .

كنت أتحدث في محاضرة إلى جمع من الزوجات عن الزوجة المثالية في الإسلام ، وأردت أن أعرف أثر الكلمة الطيبة التي تصدر عن الزوج … في نفس الزوجة ، وكذلك أثر الكلمة غير الطيبة .. مستفيداً من تجربة مشابهة قام بها عالم نفسي أميركي .

قلت لجمع الزوجات الحاضرات : لتتصور كل أخت منكن المشهد التالي يحدث في بيتها : جرس الباب الخارجي يقرع . الهاتف يرن . ولدك ابن الرابعة يريد منك أن تحضري له قطعة حلوى . الطفل الصغير يبكي ويحتاج إلى أن ترضعيه . القهوة التي طلبها زوجك تغلي على النار وتفور .

وسط هذا الحشد من المطالب الملحة من حولك .. يخاطبك زوجك قائلاً : أي زوجة أنت ؟ أنت لا تصلحين لتكوني زوجة ! أين القهوة التي طلبتها ..؟ هل تحتاج إلى ساعة … هل هي طبخة خروف محشي !!! ( مع العلم أن طلبه للقهوة لم يمض عليه أكثر من عشر دقائق ) .

طلبت من الزوجات الحاضرات أن يكتبن على ورقة مشاعرهن تجاه أزواجهن فيما لو صدرت عنهم مثل هذه الكلمات في مثل ذاك الموقف .

وجمعت الأوراق وهذا بعض ما جاء فيها من إجابات :
أشعر بالغضب ، وأعتب عليه لا مبالاته في مساعدتي في شؤون البيت والأولاد .
أقول له : لا بد من تعاونك معي ، فيد واحدة لا تصفق ، والحياة تعاون .
لا أستطيع فعل شيء سوى البكاء .. والدعاء .
أشعر بالحزن والأسى والألم .
أحس بظلم وأشتكيه إلى الله .
أزعل منه ، وأطفئ الغاز ، ولا أصنع له القهوة . وأشعر بالإهانة ، وأقول له : أحضر واحدة أخرى تستطيع أن تقوم بكل هذه الأعباء .
أشعر بضيق شديد ، ولكني لا أستطيع أن أرد عليه بشيء ؛ لأن زوجي سريع الغضب .
أحس بالضيق ، وأتذرع بالصبر والحلم مهما كانت الظروف وأرد عليه بقولي : لو سمحت أن تساعدني كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل .
أحس بحيرة شديدة .. أي رغبة ألبي ؟ وأي حاجة أقضي ؟
أقول له ساعدني قليلاً .
أشعر بالأسف لعدم كفاءتي وقدرتي على إرضائه .
إذن فإن الكلمة القاسية التي صدرت عن الزوج أحدثت في نفوس الزوجات مشاعر تفاوتت بين الغضب والأسف والإحباط والحزن والعجز والحيرة … وهي جميعها مشاعر سلبية ضارة .

قلت للزوجات الحاضرات : تصورن المشهد نفسه : جرس الباب . رنيـن الهاتف . حاجة الطفل . بكاء الرضيع . غليان القهوة وفورانها … لم يتغير شيء من حولك .. إلا موقف زوجك الذي قال لك : إنك حقاً زوجة رائعة ومثالية .. هذه جميعها في وقت واحد دون أن تشتكي أو تضيقي أو تغضبي … ما أسعدني بك !
وطلبت من الأخوات الحاضرات أن يكتبن من جديد مشاعرهن تجاه هذه الكلمات الطيبة فيما لو صدرت عن أزواجهن .

وهذه بعض إجاباتهن :
سأكون سعيدة .. وسأرد على كلامه بكلام أحسن منه .
أقول له : جزاك الله خيراً .. وكثّر الله من أمثالك .
أقول له : جزاك الله خيراً .. والله يعطيك العافية .
أشعر بالسعادة والفرحة تغمراني ،ويدفعني ذلك للعمل والتفاني في خدمته .
طبعاً أشعر بفرح يغمر قلبي ، وأنسى تعبي ، وأتفانى في طاعته والدعاء له .
يدخل السرور إلى قلبي ، وأشعر بالسعادة . وهذا الكلام يعطيني شحنة من الطاقة ولا أشعر بالتعب مطلقاً .
أشعر بالسرور والفرح والطمأنينة وبأن زوجي متعاون معي .
أشعر بسعادة غامرة لتقدير زوجي ، وأحس أنني أقدر على بذل مجهود مضاعف ، ولا أشعر بالتعب أبداً مادام زوجي يقدر مجهودي . والكلمة الطيبة صدقة .
بالطبع المرأة تـفرح وتسر جداً عند سماعها ما يطيب خاطرها ، وبحسن ظن زوجها بها ، ويكون ذلك عوناً لها على الوفاء أكثر بالزوج وبالاهتمام به والسعي وراء مرضاته بصورة أكبر فهو بهذا الأسلوب يعطيها دفعة إلى الأمام .
هذه الكلمات تـرفع من معنوياتي .. وتجعلني أشعر بالسعادة .. وأرد عليه بالقول الطيب .
أقول له : هذا قليل من كثير .. تستاهل أكثر .
سوف ترفع كلماته من معنوياتي وأقول له : وأنت أيضاً زوج مثالي .
ترتفع معنوياتي كثيراً ، ويزداد حبي له أكثر فأكثر ، فالزوج الذي يقدّر ويقف مثل هذا الموقف .. هو رجل بحق .
تعبكم راحة .. وتستاهل كل خير .
أشعر بالرضا لأني أرضيت ربي .. ونلت رضا زوجي .
أحس برضاء نفسي وسعادة وأن الله وهب لي زوجي هدية . وأقول له : أطال الله بقاءك في طاعته .. والله يخليك لنا .
يختفي إحساسي بالتعب .
أقول له : الحمد لله أنك قدّرت المسؤولية الملقاة على عاتقي أنت زوج نادر .
هكذا تبعث كلمات الزوج الطيبة مشاعر الرضا والراحة والسعادة والامتنان والتقديـر والطمأنينة ، وهي جميعها مشاعر إيجابية نافعة ، تقوّي جهاز المناعة في الجسم كما أكد العلماء والأطباء .

بعد أن توضحت الآثـار الإيجابية المتعددة لكلمات الزوج الطيبة في نفس الزوجة ؛ قلت للزوجات : وهكذا الأزواج أيضاً .. تنفع معهم الكلمة الطيبة … بينما لا تزيدهم الكلمة غير الطيبة إلا قسوة وغضباُ وعناداً .
وضربت لهن المثل التالي :
زوجك يريد أن يخرج ليلاً ليسهر مع أصحابه في الديوانية ، والطقس في الخارج غير حسن : عواصف وأمطار غزيرة وبرد شديد ، وأنت تريدين من زوجك أن يبقى معك ومع الأولاد فلا يخرج في مثل هذا الوقت .. وفي مثل هذا الجو .
فهل تقولين له :
مجنون من يخرج في هذا الجو .. !
أو تقولين :
لو كنت أنا التي طلبت منك الخروج … لرفضت طلبي وسخرت مني .
أو تقولين :
إذا أردت أن تقتل في حادث سيارة .. فاخرج الآن .

لا شك في أنها كلمات غير طيبة ، ستثير مشاعر غاضبة في نفس زوجك ، ولن تمنعه من الخروج ، بل قد تزيد في عزمه وتجعله معانداً لك .

بينما هناك عبـارات طيبة تترك آثارها الإيجابية في نفس الزوج وقد تقنعه بالعدول عن الخروج .. والبقاء في البيت معك ومع الأولاد .
من هذه العبارات :
ولدك الصغير لا يريد أن ينام إلا وأنت معه تحكي له حكاياتك الجميلة .
والله أخشى عليك من هذا الجو .. وأخاف عليك من السائقين المتهورين .
سيبقى بالي مشغولاً عليك طوال الوقت .. ولن أنام حتى تعود .
أليست هذه العبارات أفضل من تلك التي تغضب الزوج وتثيره ؟ أليست أجدى في إقناع الزوج للبقاء في البيت وثنيه عن الخروج ؟ أليست من الأسباب الجالبة للمودة ، المحدثة للوفاق ، المنشئة للتراحم .. ؟
فيا أيـها الأزواج .. ويا أيتها الزوجات .. ماذا يمنعكم من نطق الكلمات الطيبة ؟ هل تكلفكم مالاً ؟ هل تحمّلكم جهداً ؟ هل تأخذ من وقتكم ؟ هل تنقص من قدركم ؟
عوّدوا عليها ألسنتكم ، ولا تبخلوا بها على أنفسكم ، فهي لا تصلح ما بينكم فحسب ، إنما تزيد في رصيد حسناتكم أيضاً … فالكلمة الطيبة – كما تعلمون – صدقة .

زوجتي والكتب والكتابة – محمد رشيد العويد

زوجتي والكتب والكتابة
محمد رشيد العويد

طبيعة عملي تقتضي كثرة شرائي للكـتب والصحف والمجلات ، ومن ثم تَعدُّد (( الجبال )) و (( الهضاب )) التي تتكون منها في غرفة المكتب في البيت . ولا شك في أن الزوجات يضقن عادة بهذه الجبال والهضاب التي يزيد عددها ويزيد ارتفاعها مع الأيام والأسابيع والشهور . ولا أنكر أن زوجتي مثل غيرها من الزوجات تضيق بكثرة ما أحضره من كتب ومجلات وصحف .. لكن ضيقها لا يجعلها متذمرة متبرمة شاكية ؛ فهي تقدر أن تلك هي مادة عملي : أقص من هذه الصحيفة خبراً ، وأقتطع من تلك المجلة بحثاً ، وأصوّر من ذاك الكتاب صفحة أو صفحات .
لم أسمع منها يوماً ما يسمعه بعض الأزواج من زوجاتهم : (( أنا تزوجت الكتب أم تزوجتك أنت ؟ ! )) أو (( بدلاً من أن تنفق أموالك على الكتب اشتر لي كذا وكذا )) أو (( هل بقي مكان في البيت حتى تضع فيه كتبك ومجلاتك وجرائدك .. )) ؟!! 
بل إنها كثيراً ما تقوم بترتيب الكتب والمجلات والصحف ترتيباً لا يخل بالوضع الذي تركتها عليه ؛ فهي تدرك أن الورقة التي وضعت علامة في الكتاب لتدل على الصفحة التي اقرأ فيها ينبغي أن تبقى ولا تُخرج منه ، وأن القصاصات الصحفية التي قصصتها ليست لتُلقى في سلة المهملات ، وأن الكتب الموجودة على المكتب لا تحتاج إلى إعادتها إلى أمكنتها في المكتبة إلا بعد أن تسألني إن لم تعد لي حاجة إليها .
وهي أيضاً تقدّر أن الكتابة تقتضي مني جلوسي فترة قد تطول أحياناً في غرفة المكتب ، فلا تضيق بذلك ، وتشغل نفسها ببعض ما عليها من عمل البيت ، أو بالجلوس مع الأبناء تسامرهم ، أو تنصحهم ، أو تعلمهم وتدرّسهم إذا كنا خلال السنة الدراسية .
وإذا جلست أحدثها ببعض ما فتح الله علي في الكتابة ، وصرت أقرؤه عليها ؛ فإنها تحسن الإصغاء ، ولا تبخل بإبداء رأيها سواء أكان ثناء أو استدراكاً أو إضافة .
وفي المقابل أحرص على أن أذكّرها ، مبشراً لها ، بأن لها أجراً مماثلاً – إن شاء الله – لكل أجر يقدره سبحانه لي عما أكتبه ويكون فيه علم منتفع به ، ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت يزيد الأنصاريـة وقد سألتـه إن كانت النساء يشاركن أزواجهن في ما يحصّلونه من أجر (( افهمي أيتها المرأة ، وأعلمي من خلفك من النساء : أن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله )).
أجل يا زوجتي الغالية ، إن صبرك على ما أشتريه من كتب وصحف ، ورضاك عما أمضيه من وقت وأبذله من جهد في الكتابة ، وتوفيرك تلك الأجواء المريحة المعينة لي في عملي هذا .. لك عليه من الأجر والمثوبة ما يعدل ما يكتبه سبحانه لي عليه من أجر .
وحينما أنتهي من كتابة مقالة أو بحث أو دراسة لا أتردد في اصطحابها والأبناء في نزهة ، أو جولة تسوق ، أو تناول طعام عشاء في مطعم .
تعاطف زوج

قال لي الأخ أبو عبدالعزيز : اتصلت بي زوجتي وأخبرتني أنها دعت قريباتها إلى سهرة في بيتها وأنها ستذهب إلى السوق المركزي لشراء ما تحتاجه لتصنع منه الفطائر والحلويات لضيافة زائراتها .
يضيف الأخ أبو عبدالعزيز قائلاً : بعد ساعة تقريباً قفزت إلى خاطري زوجتي التي تركتها متعبة لا طاقة لها على فعل شيء .. فكيف ستقوم بإعداد الفطائر والحلويات ؟
ثم تردد في أذني ما سمعته منك في برنامج (( طريق الإيمان )) وأنت تعرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم (( ثلاثة أقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً )) فقلت في نفسي : إذن لماذا لا أشتري لزوجتي الفطائر والحلويات الجاهزة مادام ثمنها صدقة لي وأريحها في الوقت نفسه من عناء إعدادها وصنعها في البيت ؟
يواصل الأخ أبو عبدالعزيز حديثه لي فيقول :
اتصلت بأحد المطاعم وزودته بقائمة من الفطائر والحلويات حتى يرسلها إلى البيت من بعد عشاء ذاك اليوم . ثم اتصلت بزوجتي وسألتها : أين أنت الآن ؟ فقالت : أنا في الجمعية لشراء ما أحتاجه لإعداد الفطائر والحلويـات . قلت لها : دعي عنك هذا فقد أوصيت المطعم على فطائر وحلويات .
سرت زوجتي كثيراً وشكرتني برضا ظهر في نبرة صوتها ، ودعت لي .
وحينما عدت إلى البيت في اليوم نفسه وجدت زوجتي جالسة تنتظرني لتشكرني كثيراً على ما فعلت من أجلها .
وفي ما قام به الأخ أبو عبدالعزيز إشارات ثلاث أرجو أن نتأملها :
   أولا : لقد كان متعاطفاً مع زوجته المتعبة ، مقدراً أنها ستتعب أكثر بإعداد الفطائر والحَلْويات .. فبأي حال صحية ستستقبـل قريباتها الزائرات لها ؟ وهذا ما يحسن أن يفعله الأزواج دائما : قدروا أحوال زوجاتكم وتعاطفوا معهن .
   ثانياً : كان من الذين يعملون بما يتعلمون ، ومن الذين إذا استمعوا القول اتبعوا أحسنه ، ذلك أنه عمل بما يوجه إليه حديثه صلى الله عليه وسلم وقد تردد في أذنه بعد أن سمعه في هذا البرنامج .
   ثالثاً : موقف زوجته أم عبدالعزيز التي شكرته ، ودعت له ، وأظهرت سرورها بما فعله من أجل تخفيف العبء عنها . ففي هذا توجيه للزوجات أن يعبرن عن امتنانهن ، ويظهرن سرورهن ، ولا يترددن في شكر أزواجهن .

اكرهني .. (( بس )) تزوجني

(( اكرهني .. بس تزوجني )) .
وقفت عند هذه العبارة التي جاءت على لسان إحدى بطلات فيلم (( الكفرون )) وهي تخاطب بها دريد لحام الذي كان يعدها في الفيلم (( بالزواج )) لكنه يماطل في تحقيقه . كان دائماً يقوله لها : إني أحبك . حتى ضاقت بهذه العبارة التي لا يتبعها زواج .. فردت عليه هذا الرد الرائع : اكرهني .. بس تزوجني !
لقد مسّت هذه العبارة جرحاً بليغاً في مجتمعاتنا ، إذ تقع ملايين الفتيات في وهم ذاك الذي يسمونه الحب ؛ فتتصل الواحدة منهن بمن أدخل في ذهنها وقلبها أنه يحبها ، وتبادله هذه المشاعر بصدق ، وتتعلق به ،وقد تخرج معه ، وقد يحدث بينهما مالا ينبغي أن يحدث إلا بين زوجين .. والمخدوعة تسأله متى نتزوج ؟ ويجيبها : راح الكثير وبقي القليل ! اصبري أنت تعرفين ظروفي ! بعد إنهاء دراستي ! حين أجد عملاً ! وغيرها من الأعذار التي يحاول الشاب بها استمهال الفتاة حتى لا تتركه وتمضي ….. ويستمر الحال هكذا .. وهو يخدّرها بكلمات الحب … وعبارات الهيام … ومعسول الكلام .
وكثيراً ما تحدث المفاجأة : يتزوج الشاب فتاة غيرها !! فأين صار الحب ؟ أين ذهب العشق ؟ ما بالها عقبات الزواج زالت فجأة مع الفتاة الأخرى ؟!!
وتدرك المسكينة أنها خدعت .. وتندم حيث لا ينفع الندم .. تتحسر على الأيام التي ضيّعتها معه … والثقة التي أولته إياها .. والحب الصادق الذي منحته له …
فليت كل فتاة تتعظ .. ليت كل فتاة تقول لمن يسمعها كلمات الحب ولا يتزوجها : (( اكرهني .. بس تزوجني )) ! .

رسالة زوجة إلى زوجها – محمد رشيد العويد

رسالة زوجة إلى زوجها
محمد رشيد العويد

كان زوجها صالحاً ، داعياً إلى الله تعالى ، لكنه تغير فجأة ، فترك دعوته وإخوانه ، وصار يضّيع الساعات أمام الإنترنت ؛ حتى أهمل زوجته وأولاده أيضاً .
أرادت زوجته أن تنصحه فكتبت له هذه الرسالة :
زوجي الحبيب :
أنظرُ إليك وأنا حزينة باكية ، حزينة على ماصرتَ إليه ، باكية على الأوقات التي تضيع منك في غير ما يرضي الله سبحانه .
لقد طلبت مني أن أدعو لك ، ولقد دعوت لك ، وسأواصل الدعاء إلى الله سبحانه أن يجدك حيث يريدك ، وأن يفتقدك حيث لا يريدك أن تكون .
إن ربك سبحانه يريدك أن تعود إلى ماكنت تمضي فيه الساعات مع إخوانك الدعاة إلى الله . ألم تشتق إليهم ؟ أما تفتقد الأُخوّة في الله ؟ أما تشعر بحسرة على كل ساعة تضيع من حياتك أمام الإنترنت في غير ما يرضي الله سبحانه ؟
مازلت أذكر أحاديثك الجميلة عن المواعظ التي كنت تلقيها ، وأعيش فرحك بتأثيرها في الناس الذين كانوا يستمعون إليها ، وكيف كنت تستبشر بالأجر من الله عليها . أفما تحن إلى تلك المواعظ التي يحتاجها الناس كثيراً هذه الأيام ؟
حتـى أولادك يفتقدونك ، يفتقدون جلوسك معهم ، ومسامرتك لهم ، وحنوّك عليهم ، ورفقك بهم . هل أُذكّرك بالحديث النبوي الشريف الذي كنت تقرؤه علينا دائماً ؟ يقول صلى الله عليه وسلم (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته ، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )) البخاري ومسلم . لقد كنت تردد قولـه صلى الله عليه وسلم : (( والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها )) ، وأنا اليوم أردد قوله صلى الله عليه وسلم (( والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته )) فهل مازلت راعياً في أهلك ؟ ألا تخشى أن يسألك ربك عن رعيتك ؟
وأذكّرك بحديثه صلى الله عليه وسلم (( لا تزول قدما عبد حتى يسأل عـن أربـع )) وأولها : (( عن عمره فيم أفناه )) ، فماذا ستجيب ربك إذا سألك عن عمرك فيم أفنيته ؟ هل ستقول له سبحانه : أمام الإنترنت مهملاً زوجتي وأطفالي ومشغولاً عنهم ؟!
زوجي الحبيب
أرجو ألا أكون قاسية في كلماتي ، إنما أنا مذكرة لك ، ناصحة مخلصة ، أريد لك الخير كما أريده لنفسي ، فعد إلينا ، إلى زوجتك وأولادك .

زوجتك المحبة

أيها المتزوجون كيف تسعدون
قال لها : لم أعد أغضب
محمد رشيد العويد

كان كثير الغضب على زوجته ، يثور عليها لأي سبب ، فصارحته بأنها ما عادت تستطيع احتماله ، وأنها لن تواصل عيشها معه إذا لم يتخل عن غضبه ، فوعدها أن يبذل جهده ليكون حليماً ، وأن يكون هادئاً رفيقاً في التعبير عن ضيقه إذا وجد ما لا يرضيه أو ما لا يرتاح إليه .
لكنه أخفق في أن يفي بما وعد به زوجته ، فكان سرعان ما يثور ويغضب إذا تضايـق من أمر ، أو صادف في بيته أو زوجته ما يزعجه . عندها أصرت الزوجة على طلبها مفارقة زوجها الذي لم ينفعه أسفُه واعتذارُه لها . لكنه لم ييئس من محاولة إرضائها وتهدئتها فقال لها : ما رأيك لو أعطيتك عشرين ديناراً كلما غضبت ؟
سكتت الزوجة قليلاً تفكر في عرض زوجها ، وبعد برهة من الصمت نظرت في عينيه وقالت : موافقة .
ظهرت أمارات البشر والسرور على وجه الزوج وهو لا يدري كم سيكلفه هذا من مال . قالت الزوجة : على أن يبدأ اتفاقنا من الآن .
رد الزوج بثقة وتأكيد : من الآن .

أمضى الزوجان ليلة سعيدة ، فالزوج فرح لأنه نجح في استرضاء زوجته ، والزوجة لأنها ما عادت تحمل همَّ غضب زوجها ما دام يأتيها منه مبلغ طيب من المال .
في صباح اليوم التالي أراد الزوج ارتداء ثيابه ، قبل ذهابه إلى عمله ، فلم يجد قميصاً مكوياً ، فثار غاضباً وصاح في زوجته : عشرة قمصان ليس بينها قميص واحد مكوي ؟ أريد أن أفهم ماذا تفعلين طوال النهار ؟!
ردت عليه زوجته بهدوء : المهم أن لي عندك الآن عشرين ديناراً .
سكن غضب الزوج فجأة وقد تذكر اتفاقه مع زوجته فقال : حسنٌ ، أرجوك أن تكوي لي هذا القميص .
قالت : سأكويه ، ولكن لا تنسَ أنه صار لي عندك عشرون ديناراً .
رد الزوج : من عيوني .

قالت الزوجة : ليس من عيونك .. بل من جيبك .
قال الزوج متحلما ً : من جيبي يا مهجة فؤادي .

O O O

حين عاد الزوج ظهراً فوجئ بطعام الغداء غير جاهز ، فسأل زوجته عنه فقالت : نصف ساعة ويكون جاهزاً ، صرخ الزوج هائجاً ثائرا غاضباً : طوال عشر سنوات وأنا أرجع ظهراً في الموعد نفسه .. أما تعلمت أن تنجزي طبخك قبل عودتي ؟ قولي لي : بم تلهيت ؟ مع جارتك ؟ أم في متابعة مسلسلك التلفزيوني التافه .
ردت الزوجة مبتسمة : صاروا أربعين .
صاح الزوج : أربعون حرامي أم أربعون عفريتاً ، ماذا تقصدين ؟
قالت الزوجة ضاحكة : أربعون ديناراً ، صار لي عندك أربعون ديناراً .

O O O

عاد الزوج في المساء فلم يجد ولده عمر في البيت . سأل زوجته عنه فقالت له إنه مع زملائه في بيت رفيقهم أحمد ، فغضب الزوج وصرخ في زوجته : عمر عنده هذه السنة شهادة ثانوية ويسهر عند رفاقه دون أي إحساس بالمسؤولية لا منه ولا منك أنت التي تسايرينهم في أهوائهم ولا تحسنين تربيتهم .
ردت الزوجة : أولاً عمر يدرس مع زملائه ولا يلعب ، ثانياً : صار لي عندك ستون ديناراً .
مد الزوج يده إلى محفظة نقوده وأخرج ستين ديناراً ناولها زوجته .

O O O

في اليوم التالي لم يغضب الزوج سوى مرتين فدفع لزوجته أربعين ديناراً .
وفي اليوم الثالث غضب مرة واحدة فأعطى زوجته عشرين ديناراً .
في اليوم الرابع لم يغضب قط ، ولم يعط زوجته شيئاً . وكذلك في اليوم الخامس والسادس …

وتوالت أيام الشهر والزوج يضبط أعصابه ، ويمنع نفسه من الغضب ، حتى أحبطت الزوجة وضاقت فصرخت في زوجها : مالي أراك صرت حليماً ؟ ما بك ما عدت تغضب !
قال لها زوجها : أليس هذا ما كنت تتمنينه وتسعين إليه ، ها قد حققته لك : لم أعد أغضب .

تربية نبوية لا نظير لها – محمد رشيد العويد

تربية نبوية لا نظير لها
محمد رشيد العويد

ما أكثر الآباء والأمهات ، والمعلمين والمعلمات ، الذين يشتكون عناد الأبناء والبنات ، والطلاب والطالبات ، وعدم استجابتهم للتوجيه والتعليم والنصح والإرشاد .
علينا أن نقرّ أن التوجيه المباشر ، على أهميته ، لا ينفع في أكثر الأحوال ، وأن التوجيه الغاضب غير مؤثر في أغلب الأحيان ، بل قد يكون له رد فعل رافض .
لقد جرَّب القيِّمون على المدارس البريطانية كل الطرق الممكنة لكبح جماح الطلبة العنيدين ؛ بدايةً من حجزهم في المدرسة عدة ساعات .. ونهايةً بتقديم رشاوى لهم .. لكن دون جدوى .
كيف نجحوا ؟
لقد اتجهوا إلى علاج جديد يقوم على ممارسة التلاميذ رياضة التأمل . وبدأت بعض المدارس بإعطاء طلابها ومدرسيها دورات في التأمل في محاولة جديدة لعلاج سوء سلوك التلاميذ وتحسين نتائج امتحاناتهم .
وكانت النتيجة مدهشة ، فاجأت الجميع ، فقد تراجعت عدوانية الطلبة ، وتحسنت أخلاقهم ونتائج امتحاناتهم .
تقول إحدى المدرسات القائمات على مشروع التأمل : نحن نركز على أهمية الفهم والتحكم في المشاعر ، وإذا لم يتم ذلك فإن فرص الإنجاز ضعيفة جداً .
تم تطبيق جزء من البرنامج على تلاميذ في الصف الخامس الابتدائي . كانوا يركزون على تجارب إيجابية بضع دقائق يومياً ، ويحافظون على الذكاء العاطفي النابع من مشاعرهم . وقد حققت بعض المدارس تقدماً كبيراً من خلال ممارسة طلبتها مراحل متقدمة في التأمل .
يقول مدرسون : إن المدارس التي شاركت في دورات التأمل تغيَّر مناخها العام ، فقدا انخفضت فيها الاتصالات الهاتفية بالإسعاف والخدمات الاجتماعية .
يقول اختصاصي تربوي : الأطفال ينشؤون في أجواء مشحونة جداً ؛ فوسائل الإعلام مجنونة ، والضغوطات المالية تأثيرها سلبي جداً ، ويأتي التأمل ليخفف من تلك الضغوط ، ويهذب الأحاسيس ، ويحسِّن مستويات الأداء في الامتحانات ، وصار التلاميذ أكثر محافظة على هدوئهم .
وقد لجأت المدارس البريطانية إلى تقنية التأمل بعد ازدياد حدة العنف تجاه زملائهم الضعفاف وتجاه مدرسيهم ، فكثير من الطلبة يحملون أسلحة ، و 50 % من المراهقين يرتكبون جرائم في سن الخامسة عشرة .

ومن أهم التوصيات التي وجهها التربويون بعد نجاح تقنية التأمل هي : حفزوا طلبتكم ، وركزوا على مهاراتهم الشخصية ، واعملوا على تنميتها لهم .
وبعد ، فإن هذا الأسلوب الذي سموه ( تقنية التأمل ) هو من صُلب التربية الإسلامية القائمة على التفكر والتأمل والتدبر .
ولعل خير مثل نضربه لذلك حوار النبي  مع الفتى الذي جاء يستأذنه بالزنا :
‏عن أبي أمامة رضي الله عنه ‏ ‏قال : ( ‏إن فتى شاباً أتى النبي  ‏‏فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ! فأقبل القوم عليه ‏‏فزجروه قالوا له :‏ ‏مه ‏‏مه ، فقال  : ‏‏ادنُ فدنا منه قريباً .  قال ( راوي الحديث ) : فجلس . قال  : أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله ، جعلني الله فداك . قال  : ولا الناس يحبونه ‏‏لأمهاتهم . قال  أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك . قال  : ولا الناس يحبونه لبناتهم . قال  : أفتحبه لأختك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم . قال  : أفتحبه لعمتك ؟ قال لا والله جعلني الله فداءك . قال  : ولا الناس يحبونه لعماتهم . قال  : أفتحبه لخالتك ؟ قال لا والله جعلني الله فداك . قال : وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم .
قال ( راوي الحديث ) فوضع النبي  يده عليه وقال : ‏ ‏اللهم اغفر ذنبه ، وطهَّر قلبه ، وحصِّن فرجه . فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء . وفي رواية : فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه من الزنا . ( صحيح الجامع ) .
ما أكثر الإضاءات التربوية في هذا الحوار الذي أداره النبي المربي المعلَّم  مع هذا الفتى الشاب .
لقد بادر الصحابة رضي الله عنهم إلى أسلوب يتبعه أكثر الآباء والمعلمين مع أبنائهم وتلاميذهم إذا صدر عنهم مثل ما صدر عن ذاك الفتى الذي يستأذن في ارتكاب كبيرة من الكبائر ، لقد بادروا إلى الزجر : مه .. مه . أي اسكت وتوقف ، كفى ، حسبك ؟
ولعل بعض الآباء أو المعلمين اليوم يزيد فلا يكتفي بهذا الزجر فيصرخ : أما تستحي ؟ تأتي لتستأذنني بارتكاب الفاحشة ؟! تطلب مني أن آذن لك ؟! …. وغير هذه من العبارات التي قد يُتبعها الأب بلطم ولده وضربه وطرده .
لكنه  ، الرحمة المهداة للعالمين ، يدعو الفتى ليقترب منه ( ادنُ ) وهذه إضاءة عظيمة لنا نحن الآباء والمعلمين ، فالموقف لا يستدعي الإبعاد والعنف ، بل التقريب واللطف ، وهذا ما فعله النبي  حين دعا الفتى ليقترب منه دون صراخ أو زجر أو طرد .
ويظهر الارتيـاح على الفتى في جلوسه ، كما قـال راوي الحديث أبو أمامـة رضي الله عنه ( فجلس ) . ولنا أن نتوقع صراخ الآباء والمعلمين حين يجدون المذنب من الأبناء أو الطلبة وهو يجلس : قم وانهض ! أتجلس وقد قلت ما قلت وفعلت ما فعلت !
لكن النبي  يسمح له بالجلوس ، ولا يمنعه منه ، بعد أن أدناه منه ، وقرَّبه إليه .
ويبدأ صلوات ربي وسلامه عليه حواره مع الفتى دون أن يستنكر عليه جرأته في ذاك الاستئذان ؛ فلم يقل له ، ألا تقرأ القرآن ؟ أم سمعت قوله تعالى في تحريم الزنا وأنه فاحشة وساء سبيلاً ؟ ولم يقل له : ألا تخاف الله ؟ أتحتمل عذاب جهنم ؟! وغيرها من العبارات التي يمكن أن يستنكر بها الآباء والمعلمون على أبنائهم وتلاميذهم فيما لو سمعوا مثل هذا منهم .
لقد دعا النبي  الفتى أن يضع نفسه مكان أقارب من أراد أن يزني بها ، مكان ابنها ( أتحبه لأمك ) ومكان أبيها ( أتحبه لابنتك ) ومكان أخيها ( أتحبه لأختك ) ومكان ابن أخيها ( أتحبه لعمتك ) ، ومكان ابن أختها ( أتحبه لخالتك ) … وفي هذا تأثير أقوى ، وفي الوقت نفسه : أرفق ، بالفتى الذي كان يعيش ما جعله  يعيشه بوضع نفسه مكان هؤلاء جميعاً فيجيب ( لا والله جعلني الله فداك ) .
وفي تكـرار السؤال وتنويعه تأكيد المعنى المراد ، وتثبيت التأثير المطلوب في قلب الفتى وعقله .
كذلك في تكرار إجابة الفتى ( لا والله ، جعلني الله فداك ) تعميق الإحساس برفض هذا الفعل ، وعدم قبوله فيما لو كان مع أمه أو أخته أو ابنته أو عمته أو خالته . وخاصة أن الفتى كان يكرر القسم بالله ( لا والله ) والدعاء ( جعلني الله فداك ) .
وأيضاً فإن قوله  ( وكذلك الناس لا يحبونه .. ) وتكراره خمس مرات على مسمع الفتى ، يثير فيه الإحساس بقبح ما يريد فعله ويصرفه عنه .
ولا ينتهي العلاج النبوي الجميل الحكيم هنا ، بل يضع النبي  يده الشريفة عليه ويدعو له ثلاث دعوات غاليـات يتمنى كل واحد منا لو كانت له : ( اللهم اغفر ذنبه ، وطهِّر قلبه ، وحصِّن فرجه ) ، فبدأ النبي  بمغفرة ذنبه ، وهذا يطمئنه إلى أنه إذا كان أذنب بإرادة الزنا فقد غفر الله له ذلك بدعاء النبي  . ثم ( طهِّر قلبه ) فيصفو ويخلص لله وطاعته ، وأخيراً ( وحصن فرجه ) وهو دعاء بحفظه من الزنا الذي أراده ، وهو دعاء بالزواج أيضاً لأن المحصن هو المتزوج .
ماذا كانت ثمرة هذه التربية النبوية التي لا نظير لها ؟ ( فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء ) ( فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا ) .
ويبقى أن نعجب بالفتى الذي جاء يستأذن النبي  بالزنا ، وقد يستنكر علينا بعضهم إعجابنا بشاب يريد الزنا ، ونؤكد أن إعجابنا ليس برغبته في الزنا ، إنما في خصال ظهرت فيه نعرض لها فيما يلي :
الفتى لا يريد ارتكاب ما حرمه الله ، ويحرص على الحلال ، وإلا لما استأذن النبي  ، ولمضى إلى ما رغب فيه ، لكنه يعلم أنه حرام ، ويريد إذن النبي  الذي يجعله له مباحاً . وهذا يشير إلى تقواه وورعه .
نلحظ صدق الفتى ، فهو لا يخفي غير ما يُظهر ، إنه صريح واضح صادق .

لم يكن الفتى مجادلاً ، بل كان مستجيباً للنبي  ومتفاعلاً معه ، ومذعناً للحق الذي أرشده إليه  .
ولقد كسب الفتى الشاب بحرصه على الحلال ، وصدقه وإخلاصه وسرعة استجابته ، ثلاث دعوات ذهبيات منه  وكان يستحقها : مغفرة الذنب ، وتطهير القلب ، وتحصين الفرج .