املؤوا عباراتكم بالحب – محمد رشيد العويد

املؤوا عباراتكم بالحب
محمد رشيد العويد

كثير من نزاع الزوجين يقع بسبب سوء فهم أحدهما طبيعة الآخر ، وسوء فهم طبيعته يؤدي إلى سوء فهم مراده من كلامه .
ومن ذلك قيام المرأة بالتعبير عن معاناتها من آلام تشعر بها في أحد أعضائها ؛ فيبادر زوجها إلى التهوين من آلامها بقوله :
   – هذه آلام طبيعة لا تعني شيئاً ، ستزول سريعاً .
أو يقول :
   – تكرر نصحي لك بألا تنامي في ثياب رقيقة . لقد تعرضت للفحة هواء المكيف البارد .
أو يقول :
   – لا تنتظري . اذهبي للطبيب فوراً . قد تكون هذه الآلام نتيجة إصابتك بمرض خطير .

أي من تلك العبارات الثلاث لن يكون وقعها على الزوجة حسناً ، فالعبارة الأولى ( هذه آلام طبيعية لا تعني شيئاً ، ستزول سريعاً ) استهانة بآلامها ، وعدم اكتراث بها ، وتوصل رسالة للزوجة تقول : ليس لك أن تشتكي لأنه لا شيء فيك يستحق هذه الشكوى .
أما العبارة الثانية ( تكرر نصحي لك بألا تنامي في ثياب رقيقة . لقد تعرضت للفحة هواء المكيف البارد ) فتحمل لها اتهاماً بالإهمال ، وإنها تستحق هذا الألم الذي تشعر به لأنها لم تطعك .
وتبقى العبارة الثالثة ( لا تنتظري . اذهبي للطبيب فوراً . قد تكون هذه الآلام نتيجة إصابتك بمرض خطير ) وهي عبارة تبعث الخوف في قلبها ، وتثير الفزع فيها ، إضافة إلى ما تحمله من توجيه أمر بذهابها إلى الطبيب بدلاً من أن يعرض الزوج اصطحابه لها إلى الطبيب .
ونلاحظ أن العبارات الثلاث خلت تماماً من مشاعر التعاطف ، والتراحم ، والقرب ، والحب ، والحرص .
وقد يحار أكثر الأزواج الذين يقولون عادة إحدى العبارات السابقة فيسألون : ماذا نقول لهن إذن ؟ إن إرضاء المرأة غاية صعبة !
وأقول لهم إن شكوى المرأة من آلام أو غيرها لا تكون عادة طلباً للنصح ، أو لاقتراح علاج ، أو لتقديم حل ؛ إنما هي تشتكي طلباً للتعاطف ، والمواساة ، والاهتمام ، والتقدير . والعبارات الثلاث جميعها لم تحمل شيئاً من التعاطف والاهتمام والمواساة والتقدير .

وقد يسألني أحدكم : وما هي تلك العبارات التي تحمل ما ذكرت من تعاطف واهتمام ومواساة وتقدير ؟!
هذه هي بعض تلك العبارات :
   * كيف لا تتألمين وأنت لا تتوقفين عن العمل ولا ترتاحين ولا ترحمين نفسك ، دعيني أحضر لك خادمة تساعدك وتخفف عنك .
   * أنت تحتاجين إلى راحة . الضغوط عليك كثيرة بسبب ما تحملينه من أعباء . اتركي كل شيء من يدك لنخرج ونتناول العشاء معاً .
   * أعانك الله . تهتمين بنا جميعاً وتنسين نفسك . سأحضر لك مُسَكِّناً وإذا بقيت الآلام للغد فسأصحبك إلى الطبيب لأطمئن عنك .

هذه العبارات الثلاث حملت اهتماماً بالزوجة ، وتعاطفاً معها ، وعدم إنكارٍ لآلامها .
ففي العبارة الأولى شهادة غير مباشرة للزوجة بعملها المتواصل ، وعدم رحمتها نفسها ، وفي هذا تقدير لها وإقرار بجهدها وما تقدمه من تضحية . وفي استعداد الزوج لإحضار خادمة تأكيد على حرصه عمل شيء من أجل راحة زوجته .
وفي العبارة الثانية اعتراف صريح بأن الزوجة تحتاج إلى راحة ، وأنها تحمل ضغوطاً نتيجة أعبائها الكثيرة ؛ وفي هذا تعاطف وتقدير وامتنان أكده الزوج عملياً بدعوته زوجته ليخرجا معاً .
أما العبارة الثالثة ففيها دعاء ، واعتراف بما تقدمه الزوجة ، مع مبادرة عملية . فالدعاء هو قول الزوج في بداية عبارته ( أعانك الله ) ، والاعتراف بجهد الزوجة وتفانيها وتضحيتها وجدناه في قوله ( تهتمين بنا جميعاً وتنسين نفسك ) ، والمبادرة في قيامه لإحضار المسكِّن بنفسه فلم يقل لها ( تناولي مسكناً ) بل قال ( سأحضر لك مسكناً ) . وأكد اهتمامه بآلامها وعدم استهانته بها حين أبدى استعداده ليصحبها إلى الطبيب في اليوم التالي إذا استمرت الآلام .
أرجو من الأزواج أن يتأملوا في جميع العبارات التي عرضت لها ، وليلاحظوا خلو العبارات الأولى من التعاطف والاهتمام والتقدير ، وغنى العبارات الأخرى بهذه المشاعر الطيبة ، والمعاني الإيجابية والمريحة للمرأة والمطمئنة لها .
وهكذا في كثير من المواقف في الحياة الزوجية يستطيع الرجال أن يحرصوا على أن يفكروا قليلاً في كلامهم ليكون زاخراً بالحب والحرص والتعاطف والاهتمام.

***

أجرت الزوجة عملية جراحية ، وكان زوجها يزورها في المستشفى يومياً ، في اليوم المحدد لخروج الزوجة من المستشفى ، وبينما كان الزوج في غرفة زوجته يعينها في وضع أشيائها في حقيبة قالت له زوجته : مازلت أشعر بالألم رغم مضي أربعة أيام على إجراء العلمية .

هذه ثلاث عبارات خاطئة قد يعلق الزوج بإحداها على عبارة زوجته بأنها مازالت تشعر بالألم :
   – أفضل أن تبقي بضعة أيام أخرى لإجراء مزيد من الفحوصات .
   – لم أكن مرتاحاً لهذا المستشفى من البداية لكنك أنت أصررت عليه .
   – لم يكن هناك داع لهذه العملية التي أقنعتْك أمك بها ولم أرغب في إجرائها .

هذه العبارات الثلاث تضايق الزوجة وتحزنها وتوصل إليها رسائل سلبية .
فهي تفهم من العبارة الأولى التي يدعوها فيها إلى بقائها أياماً أخرى في المستشفى أنه لا يريـدها أن تعود إلى البيت ، ولهذا فقد تعلق على عبارتـه بقولها : لماذا لا تريدني أن أرجع إلى البيت ؟! أو تقول : يبدو أنك مرتاح مني ، وأنت سعيد لكونك وحدك في البيت !
أما العبارة الثانية التي يذم بها المستشفى فتحمل لها رسالة بأن العملية لم تنجح ، مع إلقاء اللوم عليها في ذلك لأنها هي التي اختارت هذه المستشفى .
وتبقى العبارة الثالثة التي تحمل ثلاث رسائـل سلبية ، الأولى بأن إجراء العملية كان عملاً خاطئاً ، والثانية اتهام لأمها بأنها هي المسؤولة عن إخفاق العملية وعن الآلام التي تشعر زوجته بها ، والثالثة تزكية الزوج لنفسه وأنه صاحب الرأي الصائب السديد .

أما العبارة التي ينبغي توجيهها للزوجة ، وفيها أثر إيجابي طيب عليها ، فيمكن أن تكون إحدى هذه العبارات الثلاث :
   – سأسأل الطبيب عن هذه الآلام ليطمئنا عنك .
   – أحسب أن هذه الآلام طبيعية ، وستخف تدريجياً حتى تزول تماماً بإذن الله .
   – لا تقلقي بشأنها ، بعد أن ترجعي اليوم إلى بيتك ومملكتك ، وسط زوجك وأولادك الذين يحبونك وتحبينهم ستختفي هذه الآلام إن شاء الله .

هذه العبارات تـوصل رسائل تطمين ومواساة وتعاطف للزوجة ، وتنقل إليها مشاعر حب ومودة ، على العكس من العبارات الثلاث الأولى التي تفتقد التطمين والتعاطف والمودة .
يحتاج الرجال اختيار عباراتهم بعناية ، من خلال حرصهم على خلوها من النقد واللوم والاتهام والإحباط ، وغناها بمشاعر الدعم والحب والشفقة والاهتمام .
إن أكثر الرجال يفهمون شكاوى زوجاتهم بأنها طلبات لتقديم النصح ، بينما هي في حقيقتها طلبات لتقديم التفهم والتعاطف والدعم .
تريد المرأة من زوجها أن يكون لها مقدراً ، ولمعاناتها متفهماً ، ولآلامها مواسياً ، ويخطئ الرجل حين لا يدرك هذا فيتقدم إليها على أنه حلال لمشاكلها .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.