لا تخرجوهن .. ولا يخرجن – محمد رشيد العويد

لا تخرجوهن .. ولا يخرجن
محمد رشيد العويد

قالت لزوجها : أنت تؤثر رفاقك علينا ، تخرج دائما معهم وقلما تخرجنا معك .
رد عليها زوجها : أوتحسبين أني ألهو وألعب ، هؤلاء شركائي في العمل ، نخرج معاً صحيح ، لكننا في أثناء ذلك نتحاور ونتشاور أيضاً في تطوير عملنا وتحسينه .
قالت في حدة : تعني أن البيت لا يحتاج إلى تشاور وتحاور ؟! أليست أسرتك أيضاً تحتاج أن تخرج معها وتعطينا حقنا من الترفيه .
رد عليها بحدة أشد : أنت تبحثين عن اللهو الفارغ لأنك فارغة ولا تقدرين المسؤولية التي أحملها .
آذتها كلمته التي وصفها بها : (( فارغة )) فصرخت في غضب شديد : أشقى من أجلك وأجل أولادك ثم تقوم عني فارغة ؟!!!
صاح في ثورة هائجة : فارغة وستين فارغة . فارغة في تفكيرك ونفسك واهتمامك وشؤونك كلها .
انفجرت الزوجة في بكاء شديد ، وسالت الدموع غزيرة من عينيها ، وانطلقت إلى غرفة النوم بعد أن أحست بحزن وألم شديدين لكلمات زوجها .
أدرك زوجها أنه قسا عليها ، وما كان له أن يرد طلبها الطبيعي بأن يخرجها والأولاد وهم في إجازة لم يخرجوا خلالها من البيت طوال ثلاثة أيام مضت منها .
وصار يفكر كيف يفعل ليداوي ما أحدثته كلماته من جروح في قلب زوجته .
مضت دقائق قليلة فوجئ بعدها بزوجته تخرج من غرفة النوم وهي تحمل حقيبة وعيناها محمرتان من أثر البكاء وتقول له في صوت غاضب وحزين معاً : أوصلني إلى بيت أهلي .. لن أبقى دقيقة واحدة معك .
صمت لحظات حائراً ماذا يفعل .
ثم التفت إلى زوجته بهدوء وقال بصوت المنسحب من المواجهة : هذا بيتك ، لا ينبغي أن تخرجي منه ، أنا الذي أخرج .
وتوجه فوراً إلى باب الدار ففتحه وخرج تاركاً زوجته المذهولة من انتقال زوجها من حال المواجهة والتحدي إلى حال الانسحاب والمسالمة .
هدأت الزوجة ، وألقت بجسدها الذي هدته المشاعر الحزينة الثائرة من كلمات الزوج التي أطلقها وهو غاضب .

لكن كلماته الأخيرة قبل خروجه من البيت أطفأت ما أشعلته كلماته السابقة من نار في قلب زوجته وصدرها .
وجدت نفسها تتوجه إلى المغسلة لتتوضأ فيغسل ماء الوضوء وجهها الحزين الباكي ، ودموعها التي سالت على خديها ، وتغسل معهما مشاعرها الحزينة ، وجروحها الأليمة .
صلت ركعتيـن دعت الله في سجودها فيهما أن يصلح زوجها لها ، ويصلحها له ، ويصلح بينهما .
حمدت الله أن أولادها لم يشهدوا شجارها مع زوجها ، فقد كانوا في بيت جدهم .
تناولت المصحف وصارت تقرأ فيه ، ومع كل آية تتلوها كانت السكينة تتنزل عليها .
بعد أكثر من نصف ساعة من تلاوتها في كتاب الله تعالى ، دخلت المطبخ وصارت تعد طعام العشاء .
أعدت عشاء شهياً ، وتفننت في وضعه على المائدة . ثم سألت نفسها : من سيأكل هذا كله ؟ زوجي ليس هنا والأولاد في بيت جدهم .
امتدت يدها إلى الهاتف ، واتصلت بزوجها وعندما رد عليها قالت : حبيبي .. أعددت لك العشاء .. لا تتأخر .. أنا أنتظرك ؟

هذه الحكاية الحقيقية ، التي حكاها لي أحد الإخوة ، تؤكد أن المودة يمكن أن تعود إلى الزوجين في أسرع وقت ؛ وذلك إذا تراجع أحد الزوجين ، وخفض جناحه ، ودفع بالتي هي أحسن ( ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وما يلقاها إلا الذين صبروا ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) .
ولقد أمر الله سبحانه بعدم خروج المرأة المطلقة من بيتها ، وبعدم إخراجها منه ، فكيف بالمرأة غير المطلقة ؟!
إن بقاء المرأة في بيتها ، وعدم خروجها منه ، يمنع الخلاف من أن يتسع ، ومن أن يعلم به آخرون ، كأهل الزوج وأهل الزوجة ، وعندها يتأزم الخلاف ، ويصعب حله .
يقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) : هي بيوت أزواجهن ، ولكنـه يسميها بيوتهن لتوكيد حقهن في الإقامة بها فترة العدة – لا يُخرجن منها ولا يَخرجن – ذلك أن الحكمة من إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة الفرصة للرجعة ، واستثارة عواطف المودة ، وذكريات الحياة المشتركة ، حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين ، فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين !

ويقول القرطبي في قوله تعالى ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح مادامت في العدة ، ولا يجوز لها الخروج أيضاً إلا لضرورة ظاهرة ، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة .
وصحيح أن هذه الآية في المطلقة ، فإني أرى أنه يحسن العمل بها أيضاً في الحياة الزوجية المستمرة ، بل لعل هذه الحياة أولى ببقاء المرأة في بيتها وعدم خروجها منه ، أو إخراج زوجها لها ، بسبب خلاف ناشئ بينهما .
إن بقاء المرأة في بيتها إثر نزاع بينها وبين زوجها ، يمنع خروجه عن دائرتهما ، ويحول دون إطالة أمده ، كما وجدنا في الحكاية فقد انتهى الخلاف في الليلة نفسها ، بينما لو ترك الرجل زوجته تخرج إلى بيتها … فالله وحده يعلم كم سيتطور الخلاف ، ومتى ينتهي ؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.