لُمها .. حتى لا تلومك – د. محمد رشيد العويد

لُمها .. حتى لا تلومك
محمد رشيد العويد

ظهر الضيق واضحاً علي ليلى وهي تكرر الاتصال بزوجها أحمد دون أن يرد عليها .
كان قد وعدها بأن يمر بها في السادسة ليذهبا معاً إلى السوق ، وها هي الساعة الآن السادسة والنصف دون أن يصل زوجها ودون أن يجيب اتصالاتها المتكررة به على هاتفه .
عقرب الساعة يقترب من السابعة فيزيد ضيق ليلى وتبرمها وسأمها من الانتظار .
( إذا حدث شيء منعه فلماذا لا يرد على اتصالي ؟! ) تكرر ثوران هذا الخاطر حتى استبد بها قلق صار يكبر بعد أن بدأ عقرب الساعة يقترب من الثامنة .
في الثامنة وعشر دقائق رن هاتف ليلى ، نظرت فيه : إنه أحمد .. الحمد لله .
ما إن ردت عليه حتى سمعت أحمد يقول لها : سامحيني سامحيني ، الحق عليّ ، والله الحق علي .
ردت ليلى : خير إن شاء الله ؟ ماذا جرى ؟ شغلت بالي !
قال أحمد : المدير فاجأنا بدعوتنا إلى اجتماع ، وحاولت الاتصال بك من هاتفي ففوجئت بانتهاء شحن البطارية ، بحثت عن الشاحن ، وأوصلته بالهاتف ، لكن الاجتماع كان قد بدأ .
قالت ليلى : الحمد لله .. المهم أنك بخير .
قال أحمد : لكني ألوم نفسي .. كان عليَّ أن استأذن من المدير لأتصل بك وأخبرك بما جرى . تركتك تنتظرين في قلق ، الله يصلحني . أي هاتف آخر كان يحل المشكلة .
ردت ليلى : لا تكبِّر الموضوع .. الحمد لله أنك بخير .
أحمد في تودد : أرجوك سامحيني .. أنا في الطريق إليك .. 5 دقائق وأكون أمام البيت إن شاء الله .

يمكن أن يدور الحوار بين الزوجين للموقف السابق نفسه بصورة مختلفة :
في الثامنة وعشر دقائق رنَّ هاتف ليلى ، نظرت فيه : إنه أحمد .. الحمد لله .
ما  إن ردت عليه حتى سمعت أحمد يقول لها :
– انزلي الآن .. سأكون بعد خمس دقائق أمام البيت .
ردت ليلى : ماذا جرى ؟ لماذا تأخرت ؟
قال أحمد في غضب : لم أكن ألعب ! كنت في اجتماع مع المدير .

ردت ليلى ثائرة : هل يمنعك مديرك من الاتصال بي ؟
قال أحمد غاضباً : لا تكثري الكلام وإلا ألغيت الذهاب إلى السوق !
ليلى في غضب أشد : ومن قال إنني سأذهب معك ؟!

ما الذي منع الحوار الأول من أن يكون مثل الحوار الثاني مع أن الموقف نفسه ؟
لقد بادر أحمد فور اتصاله بزوجته ليلى في الحوار الأول إلى اتهام نفسه بالتقصير ولوم ذاته لأنه لم يتصل بزوجته ولو من هاتف آخر ؛ فنجح في صرف زوجته عن الغضب ، كما صرفها عن لومه .
هكذا احرصوا ، أيها الأزواج والزوجات ، على لوم أنفسكم فينصرف الآخرون عن لومكم .
احرص ، أخي الزوج ، إذا تأخرت عن زوجتك ، أو نسيت إحضار ما طلبتْ منك شراءه ، أو قسوتَ عليها … احرص على البدء بلوم نفسك ، واعتذارك عن التأخر أو النسيان أو القسوة … ولا تكابر وتعاند متجاهلاً ما سببتَه لزوجتك من ضيق أو ألم أو قلق .
وكذلك أنت أختي الزوجـة ، إذا تأخرت أو نسيت أو قسوت ؛ لومي نفسك حتى لا يلومك زوجك .
يبقى أن أشير إلى العنوان الذي جعلته لكلامي هذا ( لُمها .. حتى لا تلومك ) إذ إنه يوهم أنني أدعو الرجل إلى لوم زوجته حتى لا تلومه هي ، والآن اتضح لكم أنني أدعوه إلى لوم نفسه حتى لا تلومه زوجته .
وكذلك أدعو المرأة إلى لوم نفسها حتى لا يلومها زوجها .
ألف الله بينكما ، وأبعد الشيطان عنكما .

Advertisements

لماذا ينخفض الرضا في الحياة الزوجية؟ – د. محمد رشيد العويد

لماذا ينخفض الرضا في الحياة الزوجية ؟
د. محمد رشيد العويد

غير قليل ممن يتصل بي ، أو يزورني ليستشيرني في حياته الزوجية ، رجلاً كان أم امرأة ، لا يحتاج إلى هذه الاستشارة ، لأن شكواه التي أتاني يستشيرني بشأنها ليست ذات بال ، ولا تستحق هذا الاهتمام بها ، ويمكن أن تُعالج عبر مصارحة لطيفة بين الزوجين .
ولعل أهم سبب في كثرة هذه الاستشارات غير الملحة ، هو انخفاض نسبة الرضا في الحياة الزوجية ، فما أسباب انخفاض نسبة الرضا ؟
من هذه الأسباب :
1- السعي إلى الكمال ، والتماس المثالية ، دون إدراك الزوجين أن الكمال لله وحده ، وأن المثالية تكاد تكون نادرة جداً إن لم نقل إنها مفقودة .
وعلاج ذلك في إدراك الزوجين هذه الحقيقة ، وهي أنه ينبغي التوقف عن السعي إلى الكمال والتماس المثالية ، أو على الأقل أن لا أجعل من ذلك مشكلة تعطل مسيرة حياتي الزوجية الناجحة إلى قدر كبير .
2-  المقارنات :
فهذا رجل يقارن زوجته بنساء أخريات ، من حيث الشكل ، أو العلم ، أو المال ، أو غير ذلك ، فيقل رضاه عن زوجته وقبوله بها .
وهذه امرأة تقارن زوجها برجال آخرين ، من حيث الشكل أو المرتب الكبير ، أو غير ذلك ، فينخفض رضاها عن زوجها .
وعلاج ذلك في التوقف عن النظر إلى من هي خير من زوجتي ، ونظر المرأة إلى من هو خير من زوجها ، بل ينظر الرجل إلى من ابتلي بامرأة أسوأ من زوجته ، وتنظر المرأة إلى من ابتليت برجل أسوأ من زوجها ، أو ينظر الرجل إلى غيره من الرجال الذين لم يتزوجوا لسبب من الأسباب ، وكذلك المرأة تنظر إلى غيرها من النساء اللواتي لم يتزوجن قط .
قال النبي  ( انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ) صحيح مسلم .

3- تركيز النظر على السلبيات حتى وإن كانت قليلة وإغماض العين عن الإيجابيات حتى وإن كانت كثيرة ،
فهذا رجل عنده زوجة متدينة ، مطيعة ، أنجبت له أطفالاً أذكياء متفوقين ، ربتهم على التقوى والصلاح ، لكنها متوسطة الجمال ، أو حتى قليلة الجمال ، فيكرهها وينفر منها ولعله يظلهما ، وكذلك المرأة التي رزقت زوجاً صالحاً ، كريماً لكنه لا يُسمعها كلاماً طيباً ، فتبغضه وتنفر منه ولعلها تريد الطلاق منه .
يقول النبي  ( لا يفركنَّ مؤمن مؤمنةً ، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر ) مسلم في صحيحه .
وكذلك مطلوب من المرأة أن لا تبغض زوجها لخلق تكرهه فيه مع وجود أخلاق أخرى ترضاها فيه .
4- طلب الدنيا وتقديمُها على الآخرة :
وهذا سبب مؤثر جداً في تقليل رضا الأزواج والزوجات عن حياتهم الزوجية ، إذ إن تقديم الدنيا يجعل الزوجين بعيدين عن الله تعالى الذي إذا أحب عبداً منعه منها ؛ فعن قتادة رضي الله عنه أن النبي  قال ( إذا أحب الله عبداً حماه في الدنيا كما يحمي أحدُكم سقيمه الماء ) صحيح أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي .
فكثير من الخلافات الزوجية ناتج عن خلافات مالية ونزاعات مادية ، وكأن الدنيـا هي كل شيء ، بينما طلب الآخرة ، والسعي إليها ، يجعل الزوجين أزهد بالدنيا وأعظم رضى عن حياتهما ، ومن ثم لا يكون المال سبباً في نزاعهما وشجارهما .
ولعلاج ذلك ينبغي التأسي بالنبي  الذي كان أزهد الناس في الدنيا ، وتتبعُ سيرته  ، ففيها من هذا الكثير الكثير .
كذلك يجب التأمل في ذم الله تعالى متاع الدنيا الذي وصفه بمتاع الغرور  وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور  آل عمران 185 ، الحديد 20 .
وبأنه قليل  فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل  التوبة 38 .
متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد  آل عمران 197 .
متاع قليل ولهم عذاب أليم  النحل 117 .
قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى  النساء 77 .
وجاء ذكر متاع الدنيا دون وصف لتحقيره وتقليله  وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع  الرعد 26 .
يا قوم إنما هذه الدنيا متاع  غافر 39 .

أو جاء مضافاً إلى الحياة الدنيا للتقليل من شأنه .
ذلك متاع الحياة الدنيا والله عند حسن المآب  آل عمران 14 .
إنما بغيكم على أنفسكم متاعَ الحياة الدنيا  يونس 23 .
وما أوتيتم من شيء ، فمتاعُ الحياة الدنيا وزينتُها  القصص 60 .
أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا  القصص 61 .
وإن كل ذلك لما متاعُ الحياة الدنيا  الزخرف 35 .
إن الزهد في الدنيا ومتاعها ، والسعي إلى الآخرة ونعيمها ، يزيد في رضا الزوجين ، ويبعد عنهما النزاعات المادية .

لماذا يعدّد الأزواج؟ – محمد رشيد العويد

لماذا يعدّد الأزواج ؟
محمد رشيد العويد

قالت : أريد منك أن توضح لي : لماذا يتزوج الرجل امرأة أخرى ؟ لماذا لا يكتفي بزوجته الأولى ؟ أليس هذا خيراً له من أن يتوزع اهتمامه ووقته وماله وجهده بين امرأتين وبيتين ؟! أرجو أن تعدد لي جميع الأسباب التي يمكن أن تدفع الرجال إلى الزواج الثاني والثالث والرابـع ، سواء أكانت هذه الأسباب مقنعة أم غير مقنعة ، مبررة أم غير مبررة .
ثم أريد أن أسأل : ألا يمكن لعدم العدل أن يمنع الرجل من أن يعدد الزوجات انطلاقاً من قوله تعالى : (( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة )) ؟
قلت لها : طلبت أن أذكر لك الأسباب التي يمكن أن يدفع أحدها إلى زواج الرجل بأكثر من امرأة ، سواء أكانت هذه الأسباب مبررة – أم غير مبررة ، كما جاء في سؤالك ، وسأحاول أن أعرض بعضها ، ثم أعلق عليها .

من هذه الأسباب :
إهمال الزوجة ما عليها من حقوق تجاه زوجها يدفعه إلى الإحساس أن زوجة أخرى يمكنها أن تعطيه الحقوق التي يفتقدها من الزوجة الأولى .
سخرية الزوجة المتكررة من زوجها ، وتهكمها الدائم على حديثه أو شكله أو أهله ، يجعلان زوجها مدفوعاً إلى الانتقام الذي يُعَدُّ الزواج الثاني واحداً من أساليبه أو وسائله .
امتناع الزوجة من فراش زوجها حين يدعوها لتلبية الحاجة الأولى التي يتزوج من أجلها الرجل … يجعله يبحث عن امرأة أخرى تلبي له هذه الحاجة التي يعف بها نفسه .
كون الزوجة الأولى عاقراً مع حب الزوج للأطفال قد يدفعه إلى الزواج من امرأة أخرى يرزق منها بالذرية .
تعلق الزوج بفتاة أو امرأة يصدفها في طريقه أو عمله فيفكر في الزواج منها دون أن تكون له حاجة ، ودون أن تكون زوجته مقصرة أو ممتنعة أو عاقراً .
مرض الزوجة مرضاً يقعدها عن أداء حقوق زوجها ويضطر معه الزوج إلى الزواج من أخرى ترعاه وأولاده وقد ترعى حتى زوجته الأولى .
ندية الزوجة ، وعدم طاعتها زوجها ، وتحديها المستمر له ؛ هذا كله يجعل الزوج يكره الجلوس في البيت ، ويجعله يهرب من زوجته ، وينفر منها ، ومن ثم نجده يأمل أن يتزوج امرأة أخرى تطيعه ، ولا تخالفه ، ولا تتحداه ، وتكون له السكن الذي افتقده في الزوجة الأولى .
ثراء الزوج وفيض المال بين يديه قد يدفعه إلى أن تكون له أكثر من زوجة وإلى أن تكون عنده ذرية كثيرة .

هذه مجموعة من الأسباب التي قد يدفع واحد منها أو أكثر إلى أن يقدم الزوج على الزواج من ثانية وثالثة .
وكما لاحظت فإن من الأسباب ما هو مبرر ومنها ما هو غير مبرر ، ومنها ما يمكن للزوجة أن تصححه ومنها ما لا حيلة لها فيه .
فإهمال الزوجة ما عليها من حقوق تجاه زوجها تستطيع تصحيحه بأن تبادر إلى إقلاعها عن ذاك الإهمال ، وأن تعمل على الاهتمام بزوجها وتوفيته حقوقه ، وكذلك امتناعها من فراش زوجها ، بينما لا حيلة للمرأة العاقر في حرمان زوجها من الأطفال ، وكذلك التي أصيبت بمرض أقعدها عن أداء حقوق زوجها .
ولا شك في أن ضخامة المسؤوليات ، وكثرة الأعباء المادية والمعنوية ، تحول دون إقدام كثيرين من الأزواج على التعدد ؛ ولهذا فإن نسبة من تزوج بأكثر من واحدة يقل عن عشرة في المئة في أكثر بلدان المسلمين ؛ بل إن النسبة في بعضها تقل عن خمسة في المئة ، بينما تصل نسبة الأزواج الذين يقيمون علاقات غير شرعية في دول أوروبا وأميركا إلى أكثر من سبعين في المئة حسب الإحصاءات الرسمية الصادرة هناك .
ومن هنا فإننا ندرك أن التعدد في الإسلام يلزم الرجل بواجبات كثيرة وأداء حقوق ضخمة تجاه كل زوجة ، وهذا ما يجعله يفكر كثيراً ويحسب كثيراً قبل أن يقدم على الزواج من امرأة أخرى ؛ بينما لا يفكر كثيراً الزوج الذي يريد أن يقيم علاقة غير شرعية مع امرأة لا يحمل تجاهها أي واجبات ولا يؤدي لها أي حقوق .
ولقد سألت ، اختنا الفاضلة ، إذا كان لعدم العدل أن يمنع الرجل من أن يعدد الزوجات انطلاقاً من قوله تعالى : (( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة )) ؟
أجيبك فأقول : نعم ؛ يمكن لعدم العدل أن يمنع الرجل من أن يتزوج امرأة أخرى من زوجته .. بل مجرد خشية عدم العدل تكفي لتحرم على الرجل الزواج من امرأة أخرى ، كما قال تعالى : (( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة )) ، فقد أفادت الآية أن العدل شرط لإباحة التعدد ، فإذا خاف الرجل عدم العدل بين زوجاته إذا تزوج أكثر من واحدة ، كان محظوراً عليه الزواج بأكثر من واحدة .
ولا يشترط اليقين من عدم العدل لحرمة الزواج بثانية ، بل يكفي غلبة الظن ، فإذا كان غالب ظنه أنه إذا تزوج زوجة أخرى مع زوجته لم يستطع العدل بينهما حرم عليه هذا الزواج .
والمقصود بالعدل المطلوب من الرجل لإباحة التعدد له هو التسوية بين زوجاته في النفقة والكسوة والمبيت ونحو ذلك من الأمور المادية مما يكون في مقدوره واستطاعته .

أما التسوية بين زوجاته في المحبة وميل القلب ونحو ذلك من الأحاسيس ، فهذه الأمور غير مكلف بها ، ولا مطالب بالعدل فيها بين زوجاته ، لأنه لا يستطيعها ، وهذا معنى قوله تعالى : (( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم )) ، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول : (( اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك )) أي في المحبة لبعض زوجاته أكثر من بعضهن الآخر .

وهناك شرط ثـان إذا لم يتوفر لم يحل للرجل الزواج من ثانية ، بل لم يحل له الزواج من الأولى ، وهو القدرة على الإنفاق عليها ، فكيف يتزوج الثانية وهو لا يؤدي حقوق الأولى ؟!
ويشرح هذا الدكتور عبدالكريم زيدان في كتابه (( المفصّل في أحكام المرأة )) فيقول : إذا كان عاجزاً عن الإنفاق على زوجتـه الثانيـة مع الأولى حرم عليه الزواج بالثانية ، وقد دل على هذا الشرط – شرط الإنفاق – قولـه تعالى : (( وليستعفف الذيـن لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله )) ، فقد أمر الله تعالى بهذه الآية الكريمة من يقدر على النكاح ولا يجده –  بأي وجه تعذر –  أن يستعفف ، ومن وجوه تعذر النكاح من لا يجد ما ينكح به من مهر ، ولا قدرة له على الإنفاق على زوجته ، كما قال القرطبي .

إن الإقدام على الزواج بثانية – مع علم الزوج بعجزه عن الإنفاق عليها مع الأولى – عمل يتسم بعدم المبالاة بأداء حقوق الآخرين ، ويعد نوعاً من أنواع الظلم ، والظلم لا يجوز في شرعة الإسلام .
وبناء على جميع ما تقدم ، يعد من الظلم المحظور أن يقدم الرجل على الزواج بأخرى مع وجود زوجة عنده ، مع علمه بعجزه عن الإنفاق على زوجته الجديدة والقديمة .
ولقد أعجبتني كلمة حكيمة تقول : لو أن الرجل عرف طبائع النساء لاكتفى بزوجته ، وذلك أن الزوج الذي يضيق بطباع في زوجته ويبحث عن امرأة أخرى يتزوجها سيكتشف بعد زواجه منها أن فيها ما اشتكاه في الأولى من طباع ، من مثل كثرة البكاء ، والعناد ، ودوام التسخط ، وعدم الرضا ، وقلة الشكر ،، وغيرها من الطباع التي تكاد تكون مشتركة بين أكثر النساء .
وأخيراً يبقى سؤالك : لماذا لا يكتفي الرجل بزوجته الأولى ؟ أليس هذا خيراً له من أن يتوزع اهتمامه ووقته وماله وجهده بين امرأتين وبيتين ؟

وأجيبك : في عدد غير قليل من الحالات فإني أقول : نعم ، اكتفاؤك أيها الرجل بزوجة خير لك من توزيع اهتمامك ووقتك ومالك وفكرك وحبك بين امرأتين وبيتين . ودونك هذه الأبيات التي عبر بها صاحبها عن هذه الحال خير تعبير :

تزوجت اثنتيــن لفرط جهلي         بـما يشقى بـه زوج اثنتيـن
فقلت أصير بينهما خروفــاً        أُنَـعَّمُ بيـن أكـرم نعجتيــن   
فصرت كنعجة تضحي وتمسي        تـداول بيـن أخبـث ذئبتيـن   
رضا هذي يهيج سخط هـذه         فما أنجو من إحدى السخطتين
وألقى في المعيشة كــل ضُرٍّ         كـذاك الضرُّ بيـن الضرتيـن    
لهذي ليلــةٌ ولتـلك أخـرى         عتـابٌ دائـمٌ في الليـلتيـن

لماذا يضيق أحد الزوجين بنجاح صاحبه؟ – محمد رشيد العويد

لماذا يضيق أحد الزوجين بنجاح صاحبه ؟
محمد رشيد العويد

أحزن حين أجد زوجا يضيق بنجاح زوجته أو زوجة تضيق بنجاح زوجها ، على الرغم من أنه ينبغي أن يفرح كل زوج وزوجة لنجاح صاحبه في أي مجال من مجالات الحياة ، سواء في التعلم والحصول على الشهادات ، أو في الكسب وتنمية الثروات ، أو في التدرب وتنمية المهارات .
ينبغي أن ينظر كل زوج إلى نجاح صاحبه على أنه نجاح له أيضاً ، لأنهما مثل جناحي طائر لا يطير إلا بهما معاً ؛ أجل : الزوج والزوجة جناحا الأسرة التي لا تحلق إلا بهما معاً .
ولأضرب مثلاً بكسب الثروة ، سواء أجاء من الرجل أم من المرأة ، فإنه في مصلحتهما معاً ، وخير لكليهما ، ولأولادهما ، فلماذا يضيق أحدهما إذا زاد مال صاحبه ؟
وأضرب مثلا كذلك بالنجاح في الدراسة والحصول على الشهادات ، فهو نجاح لكلا الزوجين ، لأنه يعود عليهما بالخير .
وكذلك التدرب وتنمية المهارات هو لمصلحة الزوجيـن معاً حتى وإن قام به أحدهما دون الآخر ، وخاصة إذا كانت المهارات التي اكتسبها هي في إنجاح الحياة الزوجية وحمايتها من العثرات والمشكلات .
وهناك أمثلة كثيرة لأزواج ناجحين في الحياة لا يترددون في ذكر أفضال أصحابهم ، من الأزواج أو الزوجات ، بعد فضل الله تعالى ، ودورهم الكبير في مساندتهم ، وحمل بعض مسؤولياتهم ، لأنهم رأوا أن نجاحهم نجاح لهم .
ويبقى السؤال : إذا كان نجاح أحد الزوجين نجاحاً لصاحبه فلماذا يضيق الأزواج بهذا النجاح ؛ وربما يحاولون منعه ؟!

لعل من أسباب ذلك :
1- خشية بعض الزوجات من أن نجاح الزوج في أي مجال من مجالات الحياة ، وخاصة في مجال زيادة الدخل ، يغريه بالزواج من امرأة أخرى .
2- خشية بعض الأزواج من نجاح الزوجة يجعلها ترتفع عليه وترفض طاعته حينما تجد نفسها صارت متقدمة عليه في الشهادة أو الثروة أو غيرهما .
لكن هذا الذي يخشاه الأزواج ، أو ذاك الذي تخشاه الزوجات ، لن يقع إن شاء الله إذا كان كل من الزوجين يحب الآخر ويحرص على عدم إحزانه مهما حقق من نجاح . أو أنه سيقع ، أو هو واقع أصلاً ، دون حاجة لتحقيق أي نجاح ، لأن المودة والرحمة غائبتان عن حياتهما الزوجية .

لهذا أرجو من الزوج الذي حقق نجاحاً ، في أي مجال ، أن يحرص على ما يلي :
– أن يكرر شكره لصاحبه الذي وقف معه وسانده ، وأن يؤكد له أنه لولاه – بعد الله تعالى – ما حقق الذي حققه من نجاح .
– أن يطمئنه بأن نجاحه لن يغيره عليه ، بل سيزداد حباً له  ، وحرصاً عليه ، وتعلقاً به .
– أن يذكر ما سبق أمام الآخرين من مثل أهله أو أهل زوجته ( زوجها ) .
– أن يكافئ صاحبه عملياً ، مثل منحه مالاً .. وغير ذلك .

يبقى أن أنبه إلى أنه ليس كل نجاح يحققه أحد الزوجين خيراً لهما ، فقد يأتي هذا النجاح في وقت ليست الحاجة إليه ملحة ، أو يأتي على حساب واجبات ومسؤوليات أخرى ويكون سبباً في الإخلال بها ، أو يسبب ما أشرت إليه من انصراف الزوج الناجح عن صاحبه … لهذا ينبغي أن ننظر : إن كان النجاح على حساب الأسرة واستقرارها فلا نريده ، لا نريده إن كان يهدم الأسرة ويضيع نجاحها .

لماذا يتردد الرجال في مراجعة مكاتب الاستشارات – محمد رشيد العويد

لماذا يتردد الرجال في مراجعة مكاتب الاستشارات
محمد رشيد العويد

يرفض كثير من الرجال مرافقة زوجاتهم إلى مكاتب الاستشارات الأسرية ، ويبررون رفضهم بأحد التبريرات التالية :
حياتنا الزوجية مستقرة ، ولا تحتاج استشاريين ، ونحن خير من كثيرين .
أنا لا أحد يعلمني ، أنا أُعِّلم الناس ، ولا أحتاج أحداً يُعَرِّفني كيف أعيش حياتي .
اذهبي وحدك ، فالعلة فيك ، وأنت التي تحتاجين من يعلمك ويوجهك ويرشدك .
لماذا تريدين أن تفضحينا ، استري علينا ولا تنشري خلافاتنا بين الناس .
هذه أبرز المبررات التي يبديها الأزواج لزوجاتهم حين يرفضون الذهاب معهن إلى مكاتب الاستشارات الأسرية .
التبرير الأول بأن الحياة الزوجية مستقرة ولا تحتاج استشارة أحد ، يشبه من يرفض إجراء تحاليل مخبرية وفحوصات طبية إذا اشتكى ألماً فيقول : صحتي مستقرة ولعله ألم عارض سرعان ما يزول . ورغم أن هذا التبرير مقبول إلا أن الاحتياط بزيادة الاطمئنان أمر حسن ومطلوب .
التبرير الثاني بأنه لا أحد يعلمه كيف يعامل زوجته يشبه أيضاً مريضاً يرفض الذهاب إلى الطبيب بدعوى أنه لا يحتاجه لعلاجه الذي لا يحتاج أكثر من كوب من عصير الليمون وحبة مسكِّن .
أما التبرير الثالث بإلقاء اللوم على الزوجة وبأنها هي التي تحتاج إلى النصح والإرشاد ؛ فإنه وإن كان صحيحاً ، لا يمنع من مرافقة الرجل لزوجته ليسمع ما يقوله الاستشاريون لها .
ويبقى التبرير الرابع بأن مراجعة الاستشاريين تفضح الزوجين وتنشر خلافاتهما بين الناس ، وهذا ليس صحيحاً لأن الاستشاريين لا يطلبون الأسماء الصريحة ، وهم مؤتمنون على حفظ أسرار الأسر .
وأذكر هنا أن زوجين زاراني يستشيراني في خلافاتهما ، فذكر لي الزوج أنه حاول ، وهو في طريقه إلى المكتب مع زوجته ، أن يغيِّر رأيها في طلب الاستشارة ، فلم تستجب ، وأصرت عليه ، فاستجاب لها .
قلت للزوج اسمح لي أن أثني عليك ، وأُكبر فيك موافقتك زوجتك على طلبها رغم اعتقادك بأنكما لا تحتاجان هذه الاستشارة ، فهذا يعني أنك تحرص على إراحة زوجتك وتطمينك لها بأنكما في خير كبير .
والحق أن مراجعتهما للمكتب واستشارتهما كانت في مصلحة الزوج أكثر مما كانت في مصلحة الزوجة ، إذ بينتُ لها أن زوجها يتمتع بخصال حميدة وأخلاق فاضلة يفتقدها غير قليل من الأزواج .
ولقد كان من ارتياح الزوج للزيارة وعدم ندمه عليها أنه طلب تحديد موعد لزيارة أخرى .