لم يفتها الشيخ .. فماذا فعل؟ – محمد رشيد العويد

لم يفتها الشيخ .. فماذا فعل ؟
محمد رشيد العويد

اتصلت بالشيخ تستفتيه في جواز طلبها الطلاق من زوجها الذي يهينها ، ويقسو عليها ، ويحرص على إذلالها ، ولا يترك وسيلة يقهرها بها إلا أخذ بها .
لم يجبها الشيخ الحكيم على سؤالها ، أي أنه لم يفتها إن كان طلبها الطلاق وسعيها إليـه جائزاً شرعاً أم غير جائز ، بل صار يسألها عن تفاصيل ما تشتكيه في زوجها ، وعما فيه ، من جهة مقابلة ، من أخلاق حسنة ، وطباع طيبة .
وجد هذا الشيخ الجليل أن في هذا الزوج أملاً في أن ينصلح ، فقال للزوجة : لي عندك طلب أرجو أن تقومي به قبل أن أفتيك في سؤالك ، فهل تجيبينني إليه ؟ أجابت الزوجة : مُرْني بما شئت وسأقوم به إن كنت أستطيع . رد الشيخ : تستطيعين بعون الله وتوفيقه . قالت الزوجة : تفضل .
قال الشيخ : أريدك اليوم أن تلبسي أجمل ما عندك من ثياب ، وأن تتطيبي بأحب العطور إلى زوجك ، وأن تتزيني له بأجمل زينة … باختصار : أريدك أن تكوني في أحسن هيئة .
أضاف الشيخ : وأريد منك أن تعدي عشاء طيباً شهياً على مائدتك .
سألت الزوجة : وماذا بعد ؟
أجاب الشيخ : ما بعد هذا شيء سوى أن تعطيني رقم هاتف زوجك .
أعطت الزوجة رقم هاتف زوجها للشيخ الذي ذكّرها بما أوصاها به وبشَّرها بالخير .
اتصل الشيخ بزوج المرأة ، وعرّفه بنفسه ، فعرفه على الفور ، فقد كان يسمع أحاديثه ويتابعها في الإذاعة والتلفزيون .
قال الشيخ : أريد أن أسعد بمقابلتك فهل تستطيع زيارتي في مكتبي الآن ؟
أجاب الزوج : بل أنا الذي أسعد بلقائك يا شيخي . سأكون عندك بعد ساعة أنهى خلالها بعض المعاملات .
بعد ساعة تقريباً ، كان الزوج في مكتب الشيخ الذي رحب به ، وأحسن استقباله ، وذكر له أن زوجته اتصلت به ، وشكت إليه عدم ارتياحها في زواجها ، لكنها أثنت عليه . ونقل الشيخ إليه ما ذكرته زوجته عن أخلاقه الحسنة وطباعه الطيبة حتى يُلين قلبه عليها . ثم شرح له طبيعة المرأة العاطفية ، وما تحتاجه من عطف وحنان ، والأثر الكبير الذي تتركه الكلمة الطيبة فيها ، ونهاه عن الغلظة والقسوة دون أن يذكر له أن زوجته اشتكتهما فيه .
وأوصاه بزوجته مذكراً له بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة ، والرفق بها ، والصبر عليها ، والتجاوز عن تقصيرها ، وما في هذا من أجر كبير له ، وثواب عظيم يدخره الله له في صحائف أعماله .

عبّر الزوج عن شكره للشيخ الذي شكره بدوره قائلاً : بل أنا الذي أشكرك على تلبيتك دعوتي واستجابتك السريعة وحسن إنصاتك لكلامي . وأبشرك بأنك حين تعود مساء إلى زوجتك ستجد منها ما يسرك .
ختم الشيخ حديثه بالدعاء للزوجين ، وكان الزوج يؤمّن على دعاء الشيخ وقد ظهرت في وجهه أمارات الرضا والسكينة .
يقول راوي هذه الواقعة التي شهدها بنفسه ويعرف الشيخ والزوجين : لقد استقر زواجهما بعد ذلك ، وعاشا سعيدين ، وكانا دائمي الاتصال بالشيخ يشكرانه ويدعوان له .
وأحب أن أشير إلى بعض إضاءات هذه الحكاية الواقعية :
أولاً : لقد وجدنا الشيخ يقوم برسالة جليلة هي رسالة الإصلاح الذي أمر الله به فقال سبحانه (( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم )) الأنفال 1 . وقال تعالى (( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم )) الحجرات 10 . وأثنى عز وجل على الصلح فقال (( والصلح خير )) النساء 128 .
ثانياً : لم يجب الشيخ على سؤال الزوجة بفتوى كانت تطلبها بل كان حريصاً على أن يقوم بما هو أهم وأجل وأعظم وهو الإصلاح . وهذا ما نطلبه من شيوخنا وعلمائنا الأفاضل أن لا يتعجلوا بالفتوى وألا يقتصروا عليها .
ثالثاً : يحسن بالمصلح أن يكون رفيقاً بالزوجين كليهما ، كما وجدنا الشيخ هنا فإنه لم يقسُ على الزوج ، ولم يؤنبه ويوبخه ويزجره ؛ فإن هذا قد ينفره ويبعده عن المصالحة ، بل كان يعظه برفق وعطف ولطف .
رابعاً : ويحسن بالمصلح كذلك أن يبدأ بنقل ما يذكره كلا الزوجين عن صاحبه من أخلاق حسنة وطباع طيبة قبل أن يعرض ما يشتكيه فيه من أخلاق سيئة وطباع غير حسنة .
خامساً : على المصلح ألا يستعظم ما يأخذه الإصلاح منه من جهد ووقت ؛ فإن ما يأتيه من أجر أضعاف ما يبذله من وقت وجهد . يقول الله تعالى (( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس )) .
ولقد وجدنا كيف أن هذين الزوجين كانا يدعوان للشيخ دائماً .
سادساً : ينبغي ألا يغيب عن المصلح أنه يستطيع أن يبالغ في نقل الكلام الطيب عن الزوجين فليس في هذا كذب منهي عنه ؛ ففي صحيح البخاري ومسلم حديثه صلى الله عليه وسلم الذي روته أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ) متفق عليه .
سابعاً : جميل أن يختم من يصلح بين الزوجين بالدعاء لهما أن يؤلف الله بين قلبيهما ، ويبعد الشقاق عن حياتهما ، ويصرف الشيطان عنهما .

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.