ليلى والعرّاف – د. محمد رشيد العويد

ليلى والعرّاف
د. محمد رشيد العويد

كانت ليلى تعيش مع أهل زوجها ، لكن علاقتها مع أم زوجها لم تكن على ما يرام ، فهي تشتكي تأنيبها لها ، ولومها المستمر على أخطائها ، واتهامها المتواصل لها بالإهمال وعدم إتقانها عملها .
طلبت من زوجها أن يستأجر لها بيتاً تنتقل إليه لتعيش فيه بعيداً عن أمه ، وقالت له إنها ما عادت تصبر عليها وهي تؤنبها وتلومها وتتهمها بالإهمال وعدم إتقان العمل .
رفض زوجها طلبها ، وأخبرها أنه لا يستطيع أن يعيش بعيداً عن أمه ؛ فهو وحيدها ، وليس لها غيره يرعاها ويبرها ويحسن إليها .. فإلى من يكل أمرها إن تركها تعيش وحدها .
اقترحت عليه زوجته أن يودع أمه دار المسنين ، فهناك تجد من يرعاها ويهتم بها .
ثار زوجها عليها ، وهددها بالطلاق وهو يبين لها أنه لا يمكن أن يؤثر على أمه أحداً في الدنيا كلها ، وأنه سيظل باراً بها ، محسناً إليها ، حتى آخر لحظة في حياته أو حياتها .
أخفقت في إقناع زوجها بأن يستأجر لها بيتاً تستقل فيه بالعيش بعيداً عن أمه .
اتصلت ليلى بزميلة لها تشتكي إليها حالها ، وتحدثها عن رفض زوجها ما طلبتـه منـه ، فقالت لها زميلتها : ليس لك إلا أن تلجئي إلى عراف يعمل لك عملاً تخضع لك به أم زوجك فتـكون محبة لك ..
سألتها : ومن أين لي بهذا العراف ؟
أجابت زميلتها : أعرف واحداً سأعطيك هاتفه لتذهبي إليه .
أعطتها زميلتها رقم هاتف العراف ، فاتصلت به ، وأخذت منه موعداً .
في الموعد المحدد ذهبت إليه ، وحكت له حكايتها مع أم زوجها ، وما تلقاه منها ، وأخبرته برفض زوجها أن يستأجر لها بيتاً مستقلاً بعيداً عن أمه .
قال لها العراف : إذا كان الحال كما ذكرت فليس لك إلا أن تتخلصي منها !
قالت : حاولت إقناع زوجي بإيداعها دار المسنين فرفض وغضب .
قال : أردت أن تتخلصي منها إلى الأبد .
صاحت : لا ، لا ، تريدني أن أقتلها ليحكم علي بالإعدام .
قال : لن يحكم عليك بالإعدام .
قلت : جئتك لتصنع لي ما يجعلها تحسن إلي وتخضع لي ، لا لتشير علي بقتلها .
قال : إذن احتملي أذاها وإساءتها وتسلطها عليك .
ردت وهي محبطة : أرجوك أعني دون ما ذكرته لي عن قتلها .
قال لها : لن تقتليها ، كل ما عليك أن تفعليه هو أن تضعي لها في كوب عصير تقدمينه لها كل يوم قطرة دواء سأعطيك إياه .
قالت : ألا يميتها هذا الدواء ؟
قال : كلنا سنموت ، وهي ستموت ، وكل ما ستفعلينه أنـك ستعجلين بموتها لترتاحي من إيذائها .
قالت : سيشرّحون جثتها ويكتشفون أنني من وضع لها ما عجّل بموتها .
قال : لهذا ينبغي عليك أن تحسني إليها من اليوم ، حتى تبتعد عنك الشبهات ، ويشهد لك زوجك بأنك كنت محسنة إليها قبل موتها .
قالت : وإذا شرّحوا جثتها ؟!
قال : لن يجدوا شيئاً . فهذا السم لا يترك أثراً ، كل ما سيفعله هو أنه يُضعف القلب تدريجياً حتى تصبيه سكته طبيعية لا يكتشف سببها أحد .
قالت الزوجة : أين هذا الدواء ؟
مدَّ العرّاف يده إلى درج صغير عن يمينه ففتحه وأخرج منه زجاجة صغيرة ناولها الزوجة وهو يقول لها : لا تنسي أن تقابلي إساءات أم زوجك لك بالإحسان إليها ، وغضبها عليك بحلمك عليها . واحرصي على أن تخاطبيها بكل لطف ومودة … هذا الشهر فقط ، وبعدها ترتاحين منها . ألا تصبرين شهراً واحداً ؟!
أجابت الزوجة : بلى ، أصبر شهراً لأرتاح بعده إلى آخر عمري .
خرجت ليلى بعد أن دست في جيبها زجاجة السم الصغيرة تخفيها وكأنها تخفي مفتاحاً تفتح به باب راحتها من أم زوجها .
وما إن وصلت إلى البيت حتى توجهت إلى أم زوجها تلقي عليها السلام والبشر يملأ وجهها ، ثم قالت لها : أمي هل تأمرينني بشي ؟
فوجئت الأم بزوجة ابنها تخفض جناحها لها وتبتسم في وجهها فقالت لها : أول مرة أسمعك فيها تنادينني بـ (( أمي )) ؟ ثم ما هذا السرور الذي أراه في وجهك ؟
قالت بصوت ملأته حناناً : لقد قصّرت نحوك كثيراً يا أمي ، ولقد شرح الله صدري لأصحح أخطائي التي ارتكبتها في حقك .
سكتت الأم ولم تجبها وهي غير مصدقة كلامها .
وتتالت الأيام ، وليلى تحسن إلى أم زوجها ، تعتذر إليها إن اتهمتها بالتقصير ، وتسرع في إحضار ما تطلبه منها ، وتقابل غضبها عليها بالحلم والصبر .
وكانت ليلى ، في الوقت نفسه ، تناول أم زوجها كل يوم كوب عصير وضعت فيه قطرة من السم الذي أعطاه العراف لها .
بعد عشرين يوماً من هذا الإحسان الذي حافظت عليه ليلى في معاملتها لأم زوجها ، تبددت مشاعر الضيق الذي كانت تحس به بعد أن صارت أم زوجها تقابل إحسان ليلى وخدمتها ورعايتها لها بالشكر والامتنان ، وبالدعاء المتواصل أن يسعدها الله ويوفقها ويرضى عنها . وصارت توصي ابنها بزوجته وهي تخبره ما تفعله من أجلها .
توقفت ليلى عن وضع السم في كوب العصير الذي تقدمه لأم زوجها كل يوم ، فقد صارت محبة لها ، حريصة على حياتها ، متعلقة بها .
ثم بادرت بالاتصال بالعراف الذي أعطاها السم وقالت له : أريد أن أقابلك لأمر مهم جداً فأعطاها موعداً تلقاه فيه .
جاءته في الموعد وهي تبكي وتقول : أرجوك أعطني دواء يمحو آثـار السم الذي أعطيتني إياه .
سألها : .. ولكن ما الذي جرى ؟
أجابت : لقد ندمت على ما فعلت ، وأنا لا أريدها أن تموت .. أريدها أن تعيش .
قال لها : وإساءتها إليك ؟
قالت : صارت تحسن إلي ، وتعطف علي ، وتوصي ولدها بي .
قال : ما الذي جعلها تغيرت هكذا ؟!
قالت : بعد أن صرتُ أحسن إليها ، وأعطف عليها ، وأرفق بها ، وأفعل ما أوصيتني به ، تغيرت وصارت تحبني وترحمني وتشفق عليَّ .
قال : هذا ثمرة ذاك .
قالت : ما تعني ؟
قال : حبها لك ، ورحمتها بك ، وشفقتها عليك ثمرة إحسانك إليها ، وعطفك عليها ، ورفقك بها .
قالت : المهم الآن أن تعطيني دواء يزيل آثار السم الذي وضعته لها في العصير .
قال : لم تضعي لها أي سم في العصير .
قالت : بل كنت أضعه لها كل يوم .. قطرة في كل كوب .
قال : هذا الذي كنت تضعينه لها إنما هو فيتامين وليس سماً .
قالت : لم تعطني سماً ؟!
قال : لم أعطك سماً لأنني أعطيتك الدواء الحقيقي النافع المفيد لحالتك .. وهو إحسانك إليها ، وصبرك عليها ، أخذته من قوله تعالى (( ادفع بالتي هي أحسن ؛ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )) لقد صرت تدفعين بالتي هي أحسن فصارت أم زوجك محبة لك ، مشفقة عليك ، رحيمة بك .

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.