ما الذي يصبر التاجر ؟ – د. محمد رشيد العويد

ما الذي يصبر التاجر ؟
د. محمد رشيد العويد

لا يمكن ما الذي يجعل التاجر ينطلق إلى عمله في الصباح نشطا، متحمسا ؟
ماذا يعينه في الصبر على أجرائه وعماله وموظفيه ؟
ماذا يدفعه إلى الترحيب بزبائنه ، والتبسم في وجوههم ، والإجابة عن أسئلتهم ، والصبر على طلباتهم ؟
ما الذي يجعله يبقى في شركته ، أو محله حتى ساعات متأخرة من الليل ؟
ما الذي يجعله ينقل كثيرا من عمله إلى بيته ، فيواصل اتصاله بمحله أو شركته ، أو الشركات التي ترسل إليه سلعها من بلاد أخرى ؟
ما الذي يهون عليه السفر إلى بلدان بعيدة وقريبة ، تاركا أهله وزوجته وأولاده وبلده ، ليعقد صفقات تجارية مع شركات وتجار ومصانع ؟
أليس الربح الوفير الكثير الذي يجنيه من تجارته هذه هو الذي يجعله يفعل ما سبق ذكره كله ؟
أليس حبه مضاعفة هذا الربح أضعافا كثيرة هو الذي جعله يضاعف جهده وعمله وصبره وهو الذي يجعله يضاعف ما يبذله من وقته وتفكيره واهتمامه .
ألم يصل التاجر إلى حال صار فيها مطيعا لتجارته ، خاضعا لها، يلبي ما تحتاجه منه : وقتا وفكرا وجهدا واهتماما ، رغم ما تسببه له من تعب وسفر وقلق وسهر ؟
ما أرجوه من الزوجة أن ترى في زوجه ما يراه الرجل في تجارته ، أن تصبر عليه طمعا في ما ستجنيه من ربح من وراء صبرها عليه ، أن تحتمل ما يسببه لها زوجها من سهر وقلق وتعب طلبا لمضاعفة أرباحها أضعافا كثيرة .
ولعل الزوجة تسألني : ولكن أين هي هذه الأرباح التي تتحدث عنها ؟
وأجيبك فأقول : لن أحدث عن إنفاقه عليك ، وتلبية حاجاتك ، ورعايته أولادك ، وتوفيره الأمن والحماية لك ، لن أحدثك عن أي من هؤلاء الأشياء رغم أنها أرباح طيبة .
سأحدثك عن أربح الأرباح ، وأعظم الجوائز عن أكبر فوز ، وأحسن جائزة عن جنة الله تعالى التي لا تـعدل الدنيا كلها إزاءها إلا كما يغمس أحدنا أصبعه في البحر ، فبم يخرج أصبعه من ماء البحر ؟ هذه نسبة الدنيا إلى الجنة ، يقول تعالى : (( وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم )) التوبة ، ولقد تكرر وصف الجنة في القرآن بالفوز العظيم أكثر من عشر مرات ، وجاء وصف الفوز أيضا بأنه كبير ومبين : (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير )) البروج ، (( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين )) الجاثية : 30 .

ألا تصبح طاعة الزوج سهلة إذا علمت الزوجة أن ثمرة هذه الطاعة ، والصبر على هذه الطاعة ، جنة عرضها السموات والأرض ؟
يقول صلى الله عليه وسلم (( ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة ؟ الودود الولود ، العؤود ، التي إذا ظُلمت قالت : هذه يدي في يدك لا أذوق غمضا حتى ترضى )) أخرجه الطبراني عن كعب بن عجرة ، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير : رقم 2604 .
إنها زوجة مظلومة من زوجها ، ومع هذا فإنها تعود إلى زوجها ، وتخفض جناحها له ، وتسترضيه قائلة : لن يأتيني نوم ، ولن يغمض لي جفن ، حتى تكون راضيا .
لاشك في أنـه يصعب على المرأة أن تخضع هذا الخضوع لزوجها وهي المظلومة وليس الظالمة ، لكن جائزتها إن فعلت ذلك هي الجنة (( ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة )) ؟ .
هكذا يبشرها صلى الله عليه وسلم بالجنة ، ويشجعها من ثم على الصبر على ما لحقها من ظلم رغبة في جنة فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
فإذ كان التاجر يصبر على كل ما أشرنا إليه من أجل مال يربحه ، وهو مال قليل – وإن كان ضخما – نسبة إلى الجنة التي تربحها الزوجة وتفوز بها إذا صبرت على زوجها واسترضته .
فيا أيتها الزوجة الفاضلة تذكري الجنة كلما صرخ زوجك في وجهك ، وكلما أثار أعصابك وكلما قصر نحوك ، وكلما انصرف عنك ، وكلما قسا عليك .
خاطبي نفسك قائلة : زوجي مسكين لا يدري أنه يجعلني أربح أكثر بينما هو يخسر ، أنا أربح بصبري عليه حسنات وتفتح لي أبواب الجنات ، وهو يخسر بغضبه الدائم من صحته، ويخسر حب الله للصابر الحليم ويخسر معيته سبحانه له : (( والله يحب الصابرين )) آل عمران : 146 (( والله مع الصابرين )) الأنفال : 66 والبقرة : 249 .
اصبري عليه وأبشري بالثواب العظيم ، والأجر الكبير ، وبدخول الجنة من أي أبوابها الثمانية شئت (( وبشر الصابرين )) البقرة : 155 .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.