ماذا أخفت منى عن أمها؟ – د. محمد رشيد العويد

ماذا أخفت منى عن أمها؟
د. محمد رشيد العويد

دخلت الأم غرفة ابنتها منى لتدعوها إلى تناول طعام الغداء الذي صار جاهزاً على المائدة ؛ لكن منى التي فوجئت بأمها وهي واقفة بباب غرفتها اضطربت وصارت تخفي أوراقاً كانت بين يديها في حقيبتها المدرسية .
لاحظت أمها ذلك ، وبدا لها واضحاً اضطراب ابنتها واحمرار وجهها وهي تخفي الأوراق في حقيبتها .
تجاهلت الأم ما لاحظته ودعت ابنتها إلى المبادرة إلى غرفة الطعام لتناول الغداء .
خلال تناول الطعام كانت منى تخطف نظرات عاجلة إلى وجه أمها تحاول أن تعرف منه إذا كانت قد انتبهت إليها وهي تخفي أوراقها .
بعد أن أنهت منى غداءها , وغسلت يديها ، وتوجهت إلى غرفتها ، تبعتها أمها ، وأغلقت وراءها الباب .
أدركت منى أن أمها رأتها وهي تخفي أوراقاً في حقيبتها فزاد وجيب قلبها وارتباكها وعاد الاحمرار إلى وجهها .
أمسكت الأم كفيّ منى في حنان وهي تقول لها : لا أريد أن أسألك عن تلك الأوراق التي أخفيتها في حقيبتك ؛ لأنني أريد أن أسألك عن ما هو أهم من هذا .
على الرغم من الطمأنينة التي شعرت بها منى في  إمساك أمها بيديها فإن ضربات قلبها  مازالت متسارعة ولهذا ردت على أمها وقد جفَّ ريقها في حلقها : تفضلي يا أمي .
قالت أمها : إذا كنت أجهل ما فيها فهل يجهل ربنا ما فيها ؟
ردت منى على الفور : لا يا أمي ، طبعاً لا ، فربنا يعلم كل شيء .
سألتها أمها : ومن أحق أن تخشيه أكثر : أمك أم ربك سبحانه ؟
أجابت : ربي أحق أن أخشاه .
قالت أمها : يقول الله تعالى (( أتخشونهم ؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين )) ، ويقول سبحانه (( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه )) . وما دمت يا منى قد وافقت قوله تعالى وأقررت بأن عليك أن تخشي الله أكثر من خشيتك أمك ، بل من خشية الناس جميعاً ، فينبغي أن تذكري دائماً ولا تنسي أبداً أن الله الذي تخشينه يراك في كل حين وكل مكان .

سالت الدموع غزيرة على وجنتي منى ، ثم ألقت برأسها على صدر أمها التي أحاطتها بذراعها وهى تمسح على رأسها في حنو بالغ .
قالت منى وهي تجهش في البكاء : هذه الأوراق يا أمي …
قاطعتها أمها : لا أريد أن أعرف عنها شيئاً . وإذا كان فيها ما يغضب ربك فاستغفريه وتوبي إليه . المهم أن تكوني اليوم قد حفظت هذه الحقيقة المهمة العظيمة : الله يرانا في كل مكان وزمان ، ويعلم ما نخفي وما نعلن .

أجل يا ابنتي ، إن لم نكن نرى الله سبحانه بأعيننا فإنه تعالى يرانا ويعلم خبايانا ، يقول عز وجل (( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله )) ويقول سبحانه (( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب )) .
أينما كنت ، وحيثما حللت ، ومهما أغلقت من نوافذ وأبواب ، وغطيت من خفايا وأسرار ، فإن الله سبحانه يعلمها ، ولتذكري دائماً إجابة النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال عليه الصلاة والسلام (( أن تعبد الله كأنك تراه ؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) .
وفقك الله يا ابنتي وحفظك من كل سوء .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s