ماذا تفعل إذا بكت زوجتك؟ – د. محمد رشيد العويد

ماذا تفعل إذا بكت زوجتك ؟
د. محمد رشيد العويد

يظلم الرجل زوجته حين لا يقبل منها دموعها ، ويستنكر عليها بكاءها ، وربما يتهمها بالتمثيل واصفاً دموعها بدموع التماسيح .
لا بد أن يبدأ الرجل ، حين يرى دموع الأنثى ، زوجته كانت أم ابنته أم غيرهما ، بإظهار التعاطف ، وإبداء التأثر ، ثم السؤال برفق عن سبب البكاء .
وعلى الرجل هنا أن يبعد منطق عقله ويقرب عطف قلبه ، فقد يسمع من المرأة سبباً لبكائها لا يتفق مع منطق عقله ، لكنه لا شك لا يتناقض مع عطف قلبه .
وعليه أيضاً أن يدرك أن طبيعة المرأة العاطفية تختلف عن طبيعته العقلانية العملية ، فإذا كان السبب الذي أبكى المرأة لا يبكيه هو فإن هذا لا يعني أن بكاءها غير مقبول أو غير مبرر .
تقول الدكتورة اليزابيث جيفرسن أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا : اسأل أي رجل عن بكاء المرأة فسيجيبك : إنها تبكي بسهولة ولأتفه الأسباب .
وتضيف : إن استجابة الرجل لكثير من المواقف تختلف تماماً عن استجابة المرأة لها ، ولهذا نجدها تبكي في حالات فرح وفوز يندر أن يبكي فيها الرجل .
وهذه أكثر الحالات التي تبكي فيها المرأة :
1- تبكي لتؤكد أهمية ما تشعر به ، فالبكاء هنا شكل من أشكال التعبير العاطفي الذي تستميل به اهتمام الذين حولها بها لينصتوا إليها ويتعاطفوا معها .
2- تبكي لتفند الانتقادات الموجهة إليها . إنها تعلم أنها تستطيع تبديد الانتقادات الجارحة والملاحظات القاسية عبر ذرف الدموع .
3- تبكي لتتخلص من التوتر ، فالبكاء وسيلة عملية للتخلص من مشاعر القلق وأحاسيس الألم وآثار الحزن .
4- تبكي لتعبر عن غضبها باعتبار البكاء خيراً من الكلمات التي لا يتقبلها الآخرون عادة .
5- تبكي لتزيد في أنوثتها ، فالدموع تزيد في أنوثة المرأة ، وتضفي عليها لمسات جمالية خاصة .
6- تبكي فرحاً بنجاحها ، أو سروراً بفوزها ، وهذا قلما يفعله الرجل .

    ولعل أكثر هذه الأسباب غير معتبر عند الرجل ، ويراها تافهة لا تستحق أن يتعاطف مع المرأة من أجلها .

تخاطب الدكتورة جاكي بولس الرجل بقولها : قبل كل شي لا تقلل من أهمية بكاء المرأة ولا تسخر منها . حاول أن تتعاطف معها أياً كان سبب بكائها . اجعل من دموعها سبباً لقربك منها ، وحنوك عليها ، ومصالحتك لها إن كان بينكما خصومة .
ويكفي أن يعلم الرجل أن بكاء المرأة يريحها حتى يتقبله منها ، ويرضاه لها ، ويستبشر به خيراً .
إن الرجل الحصيف الحكيـم يستثمر بكاء المرأة ليكسب حبها حين يقترب منها ، ويتعاطف معها ، ويرفق بها .
بل إن البكاء يفيد الرجال أيضاً رغم أنهم يربطون بينه وبين الضعف والعجز عن مقاومة الضغوط والتوتر . يقول الخبراء : في عدد غير قليل من الحالات يكون صحياً للرجال أن يبكوا فهذا خير لهم من أن يحبسوا دموعهم ويكبتوا مشاعرهم .
يقول اختصاصي علم النفس الدكتور ديفيد لويس : إن النوع الصامت القوي من الرجال ربما يبدو على خير ما يرام ظاهرياً .. بينما هو في حال يُرثى لها من الداخل , وإن الرجال الذين يكبتون عواطفهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والقرحات المعوية والمَعِدية .
وتكمن المشكلة في الرجال أنهم لا يجيدون فن التعبير عن عواطفهم ، إنهم يملكون المشاعر الموجودة عند النساء ، لكنهم لا يستطيعون إطلاقها . وهنا تتصرف النساء تصرفاً أذكى من الرجال .
دعونا الآن نرجع إلى أسوتنا صلى الله عليه وسلم لننظر كيف استقبل بكاء إحدى أمهات المؤمنين ففي ذلك إضاءات مهمة ينبغي أن نقف عندها نحن الرجال متأملين متدبرين .
عن أنس رضي الله عنه قال : بلغ صفية أن حفصة قالت : إنها ابنة يهودي ، فبكت ، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال ( ما يبكيك ؟ ) قالت : قالت لي حفصة : أنت ابنة يهودي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنك لابنة نبي ، وإن عمك لنبي ، وإنك لتحت نبي ، فبم تفتخر عليك ؟ ) ثم قال ( اتقي الله يا حفصة ) أخرجه الترمذي وصححه النسائي .
لقد وجدنا السيدة صفية تبكي مما قالته السيدة حفصة على الرغم من أنه حق ، وليس افتراء من حفصة عليها ، فأبو صفية حيي بن أخطب زعيم بني النضير وكان المسلمون قد قتلوه وقتلوا زوجها .
ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لزوجته أم المؤمنين صفية : لم تقل كذباً ولم تفتر عليك ، فأبوك يهودي وقتلناه ، وليس لك أن تبكي من الحق !!
بل أغفل النبي صلى الله عليه وسلم هذا ، وأعرض عنه ، وأبدله حقاً آخر يرضي صفية رضي الله عنها ، ويمسح جراحها ، ويخفف أحزانها ، وهو أنها ترجع في نسبها إلى هرون عليه السلام فجعله صلى الله عليه وسلم أباها ( إنك لابنة نبي ) مختزلاً مئات السنيـن بينها وبين النبي هرون عليه السلام . فما أجمل هذه المواساة وما أحسنها .

ومادام موسى عليه السلام أخا هرون عليه السلام فهو إذن عم صفية رضي الله عنها فلذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وإن عمك لنبي ) .
وصفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ( وإنك لتحت نبي ) … وهكذا يطيب خاطرها صلى الله عليه وسلم ، ويداوي جراح قلبها ، حين يرد عنها كلمة حفصة ( أنت ابنة يهودي ) لينقلها نقلة واحدة إلى قرابة لصيقة بثلاثة أنبياء من أولي العزم ( محمد وموسى وهرون عليهم السلام ، زوجها وعمها وأبوها ) .
إنه تعامل مع النفس المكلومة ، والقلب الحزين ، والدموع المنسابة على الخدين ، وليس تعاملاً مع واقع قد يكون صحيحاً ؛ لكنه ليس مقبولاً بيانه وإظهاره واستخدامه في إيذاء الآخرين .
ولهذا وجدناه صلى الله عليه وسلم يأمر السيـدة حفصة بالتقوى فيقول لها ( اتقي الله يا حفصة ) على الرغم من أنها لم تقل إلا حقاً ، ولكنه حق لا يقال إذا آذى النفس وأحزن القلب ، ولهذا فإن عدم إظهاره واستخدامه في انتقاص الآخرين يحتاج إلى تقوى الله تعالى .
هذا التعامل النبوي الكريم ، الرحيم ، العطوف … مع بكاء السيد صفية هو الذي نوصي به الرجال في تعاملهم مع بكاء النساء من حولهم ، سواء أكنَّ أمهاتهم أو زوجاتهم أو أخواتهم أو بناتهم ، وخاصة زوجاتهم لأنهن أكثر تعاملاً معهم .
وعليه فإني أرجو من أخي الزوج أن يحرص على ما يلي حين يجد زوجته تبكي :
اقترب منها ، وأظهر عطفك عليها ، وامسح دموعها بيدك .
سلها برفق وشفقة عن سبب بكائها .
استقبل ما تخبرك به عما دفعها للبكاء بالتعاطف أياً كان السبب ، ولا تزنه بميزان الحق والواقع .
هوِّن عليها وواسها ، وقل لها ما يؤكد وقوفك معها ومساندتك إياها .
بشِّرها بالأجر لاحتسابها ما أصابها فأحزنها ، وإذا كان ما أبكاها ظلم غيرها لها فقل لها : أن تكوني مظلومة خير لك من أن تكوني ظالمة .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.