نور من كل جانب – د. محمد رشيد العويد

نور من كل جانب
د. محمد رشيد العويد

ما إن أنهى الشيخ درسه الذي ألقاه في المسجد حتى رفع أحد المصلين يده وقال : ممكن سؤال ؟
رد عليه الشيخ : تفضل .
قال الرجل : أنا طبيب ، ورغم علمي وخبرتي فإني أحياناً لا أوفق في تشخيص مرض المريـض ، فأصف له دواء لا يفيده ، بل لعله يضره ويؤذيه ، فهل هناك دعاء أدعو به حتى أتجنب هذا الخطأ ؟
همَّ الشيخ بإجابة الطبيب عن سؤاله لكنَّ رجلاً آخر قال : أنا أيضاً أعاني هذا في عملي .
سأله الشيخ : أنت أيضاً طبيب ؟
قال : بل أنا مهندس ، وأحياناً أرتكب بعض الأخطاء في رسم المخططات أو في تنفيذها ، رغم خبرتي الطويلة التي امتدت أكثر من عشرين سنة .
بادر رجل ثالث بالسؤال قائلاً : شيخي أنا مدرس رياضيات ورغم تحضيري للدروس جيداً فإنني أحرج أمام الطلبة حين يُغلق علي فلا أنجح في حل بعض المسائل .
التفت الشيخ إلى من حولـه من الحاضرين وقال : هل لدى أحدكم أي سؤال قبل أن أبدأ بالإجابة ؟
رفع أحد الحاضرين يده فقال له الشيخ : تفضل ، ما سؤالك ؟
قال الرجل : أنا أعاني من عدم إمساكي أعصابي حينما تجادلني زوجتي فأغضب وأصرخ فيها وأضربها أحياناً .. ثم أندم بعد ذلك .
قال الشيخ : أنتم جميعاً تعانون مشكلة واحدة ، وهي فقدانكم للرؤية المبصرة فتقعون في ما تقعون فيه من أخطاء .
سأله أحدهم : الرؤية المبصرة ؟ وكيف نحصل على هذه الرؤية المبصرة ؟
أجاب الشيخ : حتى تحصلوا عليها لا بد لكم من نور ، نور يضيء لكم ما أمامكم وما خلفكم وما حولكم ، نور يضيء لكم عقولكم وقلوبكم ونفوسكم ، نور يمتد مئات الكيلومترات ، ويستمر طوال الأيام والشهور والسنوات .
سأله الرجل نفسه : وأين نجد هذا النور ؟
قال الشيخ : لست أنا من يدلكم عليه ؟
سأل الرجل ثانية : من يدلنا عليه إذن ؟
أجاب الشيخ : لقد دلكم عليه نبيكم في هذين الحديثين الشريفين :
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال ( من قرأ سورة ( الكهف ) في يوم الجمعة ؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) حديث صحيح أخرجه الحاكم والبيهقي .
وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه قال النبي ( من قرأ سورة ( الكهف ) يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق ) حديث صحيح أخرجه البيهقي .
فالحديث في الرواية الأولى يُبشر قارئ سورة ( الكهف ) في يوم الجمعة بأن يضيء له من النور ما يمتد زماناً ليشمل المدة الواقعة بين الجمعة التي قرأ فيها السورة إلى الجمعة التالية لها ، فإذا قرأ ( الكهف ) فيها أيضاً وحافظ على قراءتها في كل جمعة فهذا يعني أنـه سيضيء له نور طوال حياته .
والحديث في الرواية الثانية يبشر قارئ ( الكهف ) يوم الجمعة بأن يضيء له نور يمتد مكاناً إلى البيت العتيق ، بيت الله الحرام ، مهما كان بعيداً عنه ، وهذا يشير إلى نور يضيء طريقه أمامه حيثما اتجه وأينما ذهب .
وهكذا فإن الحديث بروايتيه يبشر قارئ (( الكهف )) بنور يمتد زماناً ومكاناً ، فالزمان يشمل حياته كلها إذا حافظ على قراءتها كل يوم جمعة ، ومكاناً يشمل ما حوله ويتصل بنور بيت الله الحرام في مكة المكرمة .

وما أحسب مسلماً يستغني عن هذا النور ببعديه الزماني والمكاني ، هذا النور الذي يحتاجه كل إنسان في عمله وأسرته بل في حياته كلها .
الطبيب يحتاجه في تشخيصه داء مريضه ، فعلمه وحده لا يكفيه ؛ إنه يحتاج إلى نور يضيء له عقله وقلبه ، ويحتاجه في العمليات الجراحية التي يجريها . ( 1 )
والمهندس يحتاجه في رسم المخططات ، وبناء العمارات ، وتقدير الكميات ، ولا تكفيه خبرته وعمله وحدهما ما لم يوفقه الله ويُنِرْ له عقله وطريقه .
والمعلم يحتاجه في تعليم طلبته ، وإرشادهم وتوجيههم ، وهو أحوج إلى هذا النور ليفتح الله عليه ، ويفتح له عقول طلبته وقلوبهم ، ومن دون هذا النور لن يحقق ما يريد على الوجه المرجو والمأمول .
وهكذا كل إنسان في هذه الحياة الدنيا لا يستغني عن هذا النور الذي يضيء له ما أمامه من زمان ومكان ، فيحفظه الله تعالى من أخطاء وسقطات وعثرات ما كان ليراها لولا هذا النور الذي أضاءه الله له بفضل قراءته سورةَ الكهف يوم الجمعة .
وكاتب هذه السطور لا يُخفي عنكم أنه يجد لقراءته سورة الكهف كل يوم جمعة نوراً يضيء له طريق الكتابة أمامه ، فيطوِّع الله له كلماتها ، ويُسهِّل عليه أمرها ، ويبارك له في أوقاتها .

والنبي يرشدنا إلى ما يزيد هذا النور حولنا بالدعاء الذي علمنا إياه (( اللهم اجعل في قلبي نوراً ، وفي لساني نوراً ، وفي بصري نوراً ، وفي سمعي نوراً ، وعن يميني نوراً ، وعن يساري نوراً ، ومن فوقي نوراً ، ومن تحتي نوراً ، ومن أمامي نوراً ، ومن خلفي نوراً ، واجعل لي في نفسي نوراً ، وأعظم لي نوراً ) متفق عليه .

( 1 ) جاء في بحث أميركي أن واحداً من بين كل ثلاثة أشخاص في الولايات المتحدة سيواجه نوعاً من الخطأ أثناء إقامته في مستشفى ، وهذا يؤكد أن العلم والخبرة لا يكفيان وحدهما .

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.