هذا بعض ما تكرهه المرأة في زوجها – د. محمد رشيد العويد

هذا بعض ما تكرهه المرأة في زوجها
د. محمد رشيد العويد

قالت تحكي قصتها : تزوجته بعد حب ، وعشت معه خمس عشرة سنة ، رزقت منه خلالها بأبناء وبنات ، وعلى الرغم من كرمه فإنه كان قاسياً في معاملته لي ، عنيفاً في ردود أفعاله ؛ يضربني ويشتمني ، فصبرت واحتملت لأنني أحبه ، لكن صبري نفد أخيراً ولم أعد أحتمل ضربه وشتمه فأصررت على الطلاق وحصلت عليه للضرر الذي أثبتُّه في المحكمة بالتقارير الطبية والشهود .
قلت لها : ارتحت منه إذن بالطلاق ؟
قالت : نعم .
قلت : وفيمَ تريدين استشارتي ؟
قالت : لم تنته قصتي بطلاقي منه ؟
قلت : تفضلي وأكملي قصتك .
قالت : ما إن انتهت العدة حتى تقدم لخطبتي طبيب ناجح لم يسبق له الزواج فوافقت على الفور دون تردد ؛ ربما لأنني كنت أريد أن أخرج من الكآبة التي أصابتني بعد طلاقي ، وربما لأنني أردت الانتقام من طليقي وإشعاره أنني ما عدت أريد الرجوع إليه .
قلت : وتزوجت الطبيب ؟
قالت : تزوجته وما تزوجته ؟!
قلت : كيف ؟!
قالت : بعد زواجنا مباشرة سافرنـا معاً لقضاء شهر العسل في رحلة إلى إحدى الدول الأوروبية ، لكنني لم أكمل الرحلة معه ، وأصررت على العودة إلى الكويت في اليوم التالي !
قلت : ما الذي حدث ؟
قالت : أحسست نحوه بنفور شديد ! إذا حاول لمسي أبعد يده عني في عصبية !
قلت : ألم يدخل بك قبل سفركما معاً ؟
قالت : لا ، طلبت منه أن نؤجل ذلك إلى سفرنا في شهر العسل .
قلت : وسبب نفورك منه ؟
قالت : لا أدري .
قلت : وماذا حدث بعد عودتك إلى الكويت ؟
قالت : طلبت منه أن يطلقني فرفض وقال : لا تحلمي بالطلاق .
قلت : متى كان هذا ؟
قالت : قبل سنتين ؟
قلت : طوال هاتين السنتين لم يطلقك ولم يدخل بك .
قالت : أجل .
قلت : حدثيني عنه ، عن أخلاقه .
قالت : هو على قدر كبير من الخلق والأدب . كريم ، أعدَّ لي ولأولادي بيتاً ضخماً ، وأثثه بأجمل الأثاث ، وجعل لكل ولد من أولادي غرفة خاصة به .
قلت : هو إذن كريم سخي .
قالت : نعم ، وهو متدين صالح .
قلت : لعله مثل زوجك السابق قاس عنيف في يده ولسانه ؟
قالت : بل هو على العكس منه ؛ يسمعني الكلام الطيب ويرفق بي .
قلت : ما سر نفورك منه إذن ؟
قالت : لقد كرهت فيه أمرين ؟
قلت : ما هما ؟
قالت : كثرة كلامه .. إنه يتحدث كثيراً .
ابتسمت وقلت : والثاني ؟
قالت : إعجابه بنفسه ، وكثرة حديثه عما يفعله من خير ، وما ينفقه من مال ؛ حتى إنه لا يغيب عن أحاديثه كلمات : أعطيت ، وأحضرت ، واشتريت …
قلت : هذا هو سبب نفورك منه إذن ؟
قالت : نعم ، وهناك سبب آخر .
قلت : ما هو ؟
قالت : قلبي مازال معلقاً بطليقي !
قلت : رغم قسوته وعنفه ؟
قالت : كنت حين أسمع الكلام الجميل من زوجي الحالي ، وأشعر برفقه وعطفه ؛ أقول في نفسي : ليت هذا الكلام كان صادراً من زوجي السابق .. كنت عشت أسعد حياة زوجية .

اكتفي بهذا القدر مما دار من حوار بيني وبين هذه الزوجة لأتوجه بكلامي إليك أخي الزوج فأقول :
ليست هذه المرأة وحدها تكره في الرجل كثرة كلامه ، وشدة إعجابه بنفسه وبما يفعل ويقدم ويعطي ، بـل أكثر النساء هكذا ، يكرهن الرجل المغرور ، الذي يُكثر الحديث عن نفسه وعمله ، فينفرن منه ، ومن الاستماع إليه ، ثم يزهدن فيه وينصرفن عنه .

قد يرد عليَّ زوج فيقول : لماذا تسمّي هذا غروراً ولا تسميه ثقة بالنفس ؟
وقد يقول آخر : إن زوجتي تضطرني إلى الحديث عما أقدمه لها ولأولادها لأنها لا تشكرني ، وتتجاهل ما أفعله ، فأتحدث عنه لأؤكد لها أنني غير مقصر .
وقد يقول ثالث : المرأة محيرِّة !! إذا سكتنا قالت : أبـو الهول ! وإذا تكلمنا قالت : زوجي ثرثار !! .
وقد يقول رابع : هي تنسى نفسها حينما تتحدث فلا يدخل لسانها إلى حلقها .. فلتنتقد نفسها قبل أن تنتقد زوجها .
في كلمات هؤلاء الأزواج شيء من الحق .. وشي مما يحتاج إلى البيان والرد .
وأبدأ بكلمة الزوج الأول الذي اعترض على تسمية كلام الزوج عن نفسه وحديثه عما يفعله ويقدمه بالغرور بدلاً من ثقة بالنفس ؛ فأقول : الثقة بالنفس لا تحتاج إلى تعبير وإظهار وكلام ؛ هي كامنة في الداخل ، تدفع من يملكها إلى عدم التردد والجرأة والعمل . إضافة إلى أن هذه الثقة ينبغي أن تقوم على التوكل على الله سبحانه وحسن الظن به ، فالإنسان لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، وعليه أن يرد كل فضل إليه سبحانه ، وهذا ما نتعلمه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين كانوا يردون الفضل كله إلى الله ، وينسبون علمهم إليه سبحانه فهو من علّمهم ، وهذه بعض الآيات في ذلك قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء آل عمران 73 ، قل إن الأمر كله لله آل عمران 154 ، قل كل من عند الله النساء 78 ، قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله يونس 49 قل إنما العلم عند الله الملك 26 ، قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً الجن 21 ، قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي آل عمران 25 ، قال رب لو شئت أهلكتهم مـن قبـل وإيــاي الأعراف 155 ، قال إنما يأتيكم به الله إن شاء هود 33 ، قال هذا رحمة من ربي الكهـف 98 ، قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم الأنبياء 4 ، وغيرها كثير .
أما كلمة الزوج الثاني : ( إن زوجتي تضطرني إلى الحديث عما أقدمه لها ، ولأولادها لأنها لا تشكرني ، وتتجاهل ما أفعله ، فأتحدث عنه لأؤكد لها أنني غير مقصر ) ، فإنني أقول لهذا الزوج : هكذا أغلب الزوجات للأسف ، وهو ما أخبرنا به النبي كما جاء في البخاري ( يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئاً ؛ قالت :ما رأيت منك خيراً قط ) ففي هذا سلوى لك وعزاء .
ولكن هذا لا يمنع من أن أقول للزوجة : احرصي على شكر زوجك ، وتعبيرك عن امتنانك لما يحضره ، فإنك بهذا تغنينه عن المن عليك بما يقوم به ، لأن الزوج حين يتحدث عن نفسه وما يقدمه فلأنه ، في الأغلب ، يفتقد شكر زوجته وتقديرها له .

وأصل إلى كلمة الزوج الثالث ( المرأة محيِّرة !! إذا سكتنا قالت : أبو الهول – أي صامت لا يتكلم كتمثال أبو الهول – وإذا تكلمنا قالت : زوجي ثرثار ) فأقول له : المرأة لا تريد هذا ولا ذاك ، إنها تريد الزوج أن يتحدث ويتكلم ، لكن بقدر معقول . ثم إنها تريد أن يحدثها عن حياتهما المشتركة لا عن نفسه فقط ، تريد أن يثني عليها لا عليه وحده ، يحدثها ملاطفاً مسامراً ملاعباً .
وأختم بكلمة الزوج الرابع الذي رد اتهام المرأة لزوجها بكثرة الكلام … برد التهمة عليها فهي أكثر كلاماً منه ؛ فأقول : هذا صحيح ، لكن لا يعني أن يتكلم الزوجان ولا يستمع أحدهما إلى صاحبه .. بل يتبادلان الكلام في حوار فيه انسجام وتفاعل ، فيه مودة وحب ، ولقد شرحت هذا مع الأمثلة في كتاب (( محاورات زوجية )) .
وبعد ، فإني أدعو الرجل إلى عدم الحديث عن نفسه لأن هذا عمل لا تحبه المرأة في زوجها ، وليدع أفعاله تتحدث عنه ، وليبتغِ في ما يقوم به رضاء ربه عنه .

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.