المعاشرة الزوجية: عبادة – د.محمد رشيد العويّد

المعاشرة الزوجية: عبادة
د.محمد رشيد العويّد

يحسب بعض الناس، ومنهم النصارى، أن المعاشرة الزوجية تُبعِد عن الله، ولهذا ابتدعوا الرهبانية: “وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ” الحديد-27، أي: أحدَثوها مِن عند أنفسهم، ولم يأمرهم بها الله سبحانه وتعالى.
والحقّ أن المعاشرة الزوجية تُعين على تقوية العبادة، وتُقَرِّب إلى الله سبحانه، بما توفِّره للبدن من راحة، بِصَرْف شهوته عنه بعد المعاشرة، فيُصبِح القلب أنقى، والنَّفْس أصفى، والرّوح أسمى.
وتأتي الدراسات العلمية الحديثة لتؤكِّد ذلك، فتذكُر أن هرمون الأوكسيتوسين-ويُعرف بهرمون الحب، ويُفرزه الجسم مع المعاشرة وبعدها- يجعل الرجل أكثر روحانية، ويُعينه على الاتصال الذاتي العالي.
ووفقاً للباحثين في جامعة ديوك الأميركية فإن هرمون الأوكسيتوسين الذي يُسهم في تعزيز الترابط الاجتماعي يعمل أيضاً على تدعيم الجانب الروحي لدى الرجال.
وكشفت الأبحاث التي أُجريت في هذا الصدد عن أن الرجال الذين ارتفعت لديهم نسبة هذا الهرمون تمتَّعوا بروحانيات أعلى طوال أسبوع بعد ارتفاع مستوى هذا الهرمون المهم.
ومايؤكّد دور المعاشرة في زيادة العبادة، وتحقيق الخشوع المطلوب فيها، فوائد المعاشرة الكثيرة، فهي تمنح البدن صحة وعافية وراحة، لأن التعب والتوتر والمرض أمور تُعيق العبادة الخاشعة الخالصة لله.
لقد تأكّد دور هذا الهرمون في تسكين الآلام وتخفيفها، وكذلك دورُه في منح نوم هادئ عميق بعد المعاشرة، وهذا كله يمنح البدن طاقة أكبر في أداء العبادة بحبٍّ، وإقبال، وخشوع.
ولاننسى فوائد المعاشرة من الناحية النفسية، مثل إعطاء الزوجين معاً الثقة بالنفس، وإزالة الإحباط، وتوفير السكينة، وجَلْب الطمأنينة، وهذا كلّه يُعين على أداء العبادة بإتقان.
ونحن نعلم أن أهم العبادات هي الصلاة التي وَصَفَها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها عمود الدِّين، وأن الله سبحانه لم يأمر المسلمين بأن يُصلّوا؛ بل بأن يقيموا الصلاة: “وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ”، “وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ”، وتكرّر ذلك كثيراً في القرآن الحكيم.
ولايُمكن لمسلم أن يُقيم الصلاة وذهنه مشوَّش بالشّهوة، ونفسه متأجِّجة بها، وقلبه مشغول بامرأة كما قال قيس بن الملوّح المعروف بقيس ليلى:

وَإِنّي إِذا صَلَّيتُ وَجَّهتُ نَحوَها بِوَجهي وَإِن كانَ المُصَلّى وَرائِيا
وَما بِيَ إِشراكٌ وَلَكِنَّ حُبَّها كَعودِ الشَجى أَعيا الطَبيبَ المُداوِيا
أُصَلّي فَما أَدري إِذا ما ذَكَرتُها اِثْنَتَينِ صَلَّيتُ الضُحى أَم ثَمانِيا؟

ويؤكِّد دورَ المعاشرة في إقامة الصلاة خاصة، والدِّين عامة، أن يَعدّ النبي صلى الله عليه وسلم الزواج -الذي لاتتمّ المعاشرة الزوجية إلا مِن خلاله- نِصفَ الدِّين، كما جاء في حديثه عليه الصلاة والسلام: (إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتّقِ الله في النصف الباقي). حسّنه الألباني في صحيح الجامع عن أنس رضي الله عنه.
وفي رواية: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي). وهذا يُعطي الزواج قيمة كبيرة حتى يجعله النبي صلى الله عليه وسلم نصف الدين، وما يتميّز الزواج عن سواه من القرابات إلا بالمعاشرة التي تُعين المسلم على إعفاف نفسه، ومن ثَمّ يجتمع له قلبه على أداء عباداته في خشوع.
وفي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الشباب إلى الزواج بيان لثمرتين مهمّتين من ثمرات المعاشرة الزوجية: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء). متفق عليه.
فثمرة غضّ البصر وثمرة تحصين الفرج ثمرتان تُعينان على العبادة وإخلاصها، وهما تحصلان بالمعاشرة الزوجية التي تحصل من خلال الزواج.
ولاأحسب أن هناك في العالم كله عقيدة أو جماعة أو فلسفة تربط المعاشرة بذِكر الله ودعائه سبحانه كما يفعل الإسلام، فقد رَوى البخاري ومسلم عن عبدالله بن العباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يُقدَّر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً). متفق عليه.
ولعلّ قمة ذلك -ولانجده أيضاً إلا في الإسلام- أن المسلم يُثاب على المعاشرة الزوجية، أي أنها عمل من الأعمال التي يؤجَر بفعلها؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر). رواه مسلم.
قال النووي: في هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيّات الصادقات، فالجِماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أَمَر الله تعالى به، أو طَلَب ولد صالح، أو إعفاف نفسه، أو إعفاف الزوجة، ومنعهما جميعاً من النظر إلى الحرام أو الفِكر فيه، أو الهمّ به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة. (شرح النووي لصحيح مسلم_كتاب الزكاة_الحديث 1006).
هكذا نجد المعاشرة الزوجية مُعينة على العبادة، بما توفّره للعابد من راحة بدنية، وصفاء نفسي، وطمأنينة قلبية. بل هي نفسها عبادة إذا نوَى بها الزوجان قضاء حق كل منهما على صاحبه، وإعفاف نفسه، واستحضرا مايأتيهما من أجر عليها.

Advertisements

العِناد.. قطيعة وبِعاد – د.محمد رشيد العويّد

العِناد.. قطيعة وبِعاد
د.محمد رشيد العويّد

العِناد من أسوأ الطباع، ومن يتّصف بهذا الطبع يضيق به الناس وينفِرون منه، ويبتعِدون عنه.
لكن ماذا يفعل أحد الزوجين حين يكون الآخر عنيداً؟!
كيف يستطيع الابتعاد منه وهو لايستغني عنه؟!
دعونا نذكُر أولاً معنى العِناد في اللغة العربية:عانَدَ المرءُ قرينَه: كابَرَه، خالَفه، عارَضه في رأيِه وفِعْلِه.
وقيل أيضاً؛ عانَدَ: حادَ عن الحقِّ مع عِلمِهِ به. وتَعَانَد الصديقان: خالَفَ أحدُهما الآخر وعارَضَه في رأيه.
وتَعَانَد الخصمان: تجادلا.
وحين نتأمل معنى العِناد سنجد الإسلام ينهى عنه؛ فالمسلم المؤمن على الضدّ من هذا المعنى، كما يوجِّه النبي صلى الله عليه وسلم من خلال وصفه المؤمن الحقّ، قال (ﷺ): (المؤمن يألَف، ولاخير في من لايألف ولايؤلف). صحيح الجامع.
وقال (ﷺ): (المؤمنون هيِّنون ليِّنون، كالجَمَل الأنف، إن قِيد انقاد، وإذا أُنيخ على صخرة استناخ). حسَّنه الألباني في صحيح الجامع.
وقال (ﷺ): (المؤمنون كرَجلٍ واحد، إن اشتكى رأسه؛ تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر). صحيح مسلم.
هل يمكن لمسلم مؤمن يتّصف بالأخلاق التي وصفها النبي (ﷺ) في الأحاديث السابقة أن يكون عنيداً؟!!
إن العِناد مُدَمِّر للصداقات، مُفسِد للعلاقات، قاطع للأرحام، مُذهِب للودّ والوئام، لذا لابدّ للمؤمنين من هجْرِهِ، والأزواج منهم خاصة، لأن الله سبحانه جعل بينهم مودة ورحمة، ولامكان للعِناد مع المودة والرحمة.
ويؤكّد خطر العناد على الحياة الزوجية ماذَكَرَتْه دراسة صادرة عن جامعة الملك عبد العزيز بجدة من أن العناد بين الزوجين يأتي في مقدمة الأسباب المؤدّية إلى طلاقهما.
وممّا يُعين الزوجين على ترك العِناد إدراكهما مايلي:
أن اللّين والرفق، والألفة والتآلف، هذه الأخلاق التي أوصى بها النبي (ﷺ)، تتعارض مع العناد، فلابدّ لنا حتى نتحلّى بتلك الأخلاق من التخلّي عن العناد.
كذلك ينبغي على الزوجين أن يستحضرا أنهما ليسا في حَلَبَةِ ملاكمة أو مُصارعة يسعى فيها كل من الملاكِمَيْن أو المُصارِعَين إلى الانتصار على الآخر، بل هما في أُسرة يشتركان فيها معاً عبر خفض الجناح والموافَقَة، وأن مابينهما مودّة ورحمة وليس منافسة وغَلَبة.
وعليهما أن يعلما أن العناد من أخلاق الشيطان الذي يريد بِهِ أن يُباعد بين الزوجين ويُفرِّق بينهما، بل إن هذا من أعظم غاياته، قال النبي (ﷺ): (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرّقتُ بينه وبين امرأته، قال: فيُدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت). صحيح مسلم.
فليُدرك كلا الزوجين أن عناده يُحقِّق لإبليس أعظم غاياته.
وليتذّكر الزوجان أن أكثر حياتهما لايطّلع عليها الآخرون، ومن ثمّ فلاينتقص منهما مسايرة أحدهما صاحبه، إذ لو كانت مُعاملاتهما كلها أمام الناس فرُبّما تَحَرَّج أحدهما من مسايرة الآخر خشية ظهوره أمام الآخرين بمظهر الزوج الضعيف الخَنوع، أمّا وهما بعيدان عن أنظارهم وحياتهما منعزلة عنهم فلاحرَجَ إن شاء الله.
وإن ما بين الزوجين من قُرْب والتصاق وإفضاء مُتَبادَل؛ ينبغي أن يجعلهما بعيدين عن العِناد، جهاجِرَيْن له؛ قال الله سبحانه مُنكِراً على الأزواج أن يأخذوا شيئاً ممّا أعطوه زوجاتهم: “وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)” النساء 20_21
فالإفضاء بين الزوجَين في المعاشَرة يُسَهِّل عليهما أن يكون كل منهما أليَن لصاحبه فيما سواها.
وقد يُصَوِّر شيطان من الإنس أو الجان لأحد الزوجين أن عناده إنّما هو ثبات على مبدأ ينبغي عدم التزحزح عنه، أو هو التزام موقِف لايُمكن التراجع عنه.
أتمنى من الزوجين أن يكونا أوسع صدراً، وأنضج فهماً، وأحرَص على حياتهما الزوجية واستقرارها ونجاحها، بنبذ العناد حتى لايكون بينهما جفاء ثم قطيعة وبِعاد.

أعظم الفروق بين الرجل والمرأة وأخطرها – د.محمد رشيد العويّد

أعظم الفروق بين الرجل والمرأة وأخطرها
د.محمد رشيد العويّد

من الفروق المهمة بين الرجل والمرأة أن التعبير عن الحب عندهما مختلف؛ فهو يرى التعبير العملي يُغني عن التعبير بالكلام وهي تراه لايُغني عنه.
فالرجل يرى إنفاقه على زوجته وأطفاله، وتلبية حاجاتهم المختلفة، تعبيراً كافياً عن حُبِّه لهم، والمرأة ترى أنه لابدّ من أن يقترن هذا العمل بالكلام الجميل يُسمِعها زوجها إيّاه.
وهذا من أعظم الفروق وأخطرها، إذ إنه وراء كثير من النزاعات الزوجية التي يجهل كثير من الأزواج أسبابها، بل يجهلها حتى بعض المُصلِحين.
وعليه فلابُدّ من توجيه الزوجين في هذا الشأن؛ حتى يُحقِّقا النجاح لزواجهما، وحتى يُبعِدا عنه أكثر الأخطار التي تُهدِّده.
توجيه الزوج يكون بإفهامه أن الوصول إلى قلب المرأة يبدأ من أذنها؛ بإسماعها كلمات الحب، والشكر، والثناء، والرضا، والإعجاب.
وتذكيره بأن مايقوم به من عمل لأسرته أَمْر طيب يُشكر عليه، ويُثاب من أجله، لكنه وحده لايكفي لإسعاد زوجته وأبنائه، وأنه لابد من أن يُحرِّك لسانه بكلام جميل لايحتاج منه جُهداً ولايكلّفه مالاً.
كذلك نشرح له أن طبيعة المرأة العاطفية تختلف عن طبيعة الرجل العملية، والطبيعة العاطفية تتأثر كثيراً بالكلام الجميل، كماقال الشاعر:
خدعوها بقولهم حسناءُ ** والغواني يغرُّهن الثناءُ
فاتّقوا الله في قلوب العذارى ** فالعذارى قلوبُهنَّ هواءُ

ونُحذِّره من أنّ عدم إسماعه إيّاها الكلام الطيّب الجميل يُعين به الشيطان عليها حين تصبح ظمأى لسماعه، فتسمعه من سواه فيغويها إن لم تكن تقوى الله راسخة في قلبها.
أمّا توجيه الزوجة فيكون بإفهامها أن أكثر الرجال مثل زوجها، بخلاء عاطفيّاً، يرون أن التعبير عن الحب هو بما يُقدّمونه ويفعلونه.
وننصحها بأن تُبادر هي إلى إسماعه الكلام الطيِّب عساه يردّ عليها بمثله، ثم يبادر هو إليه.
ونوصيها بالدعاء أن يُلهِم الله زوجها إسماعها ماتحبّه من ثناء، وما تشتهيه من غَزَل، ومايُسعِدها من كلمات الحب والإعجاب.
ونُشير عليها بأن تصحب زوجها إلى مركز استشارات يشرح له ماتحتاجه زوجته من حب وعطف واهتمام يعبّر عنه بلسانه مع مايُقدِّمه ويقوم به.
إن معرفة الزوجين باختلاف طبيعتيهما يهدم كثيراً من الحواجز التي ترتفع بينهما يوماً بعد يوم.
ولهذا اهتم كثير من العلماء بدراسة الفروق بين الذكر والأنثى، فكتبوا أبحاثاً فيها، ونشروا كتباً حولها، ومنهم (جون غراي) مؤلف الكتاب الشهير (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) الذي بيَّن فيه الاختلافات الكثيرة والكبيرة بينهما في الطبيعة والتفكير والتكوين.
كما أصدرت أستاذة المخ والأعصاب بجامعة كاليفورنيا (لوان يريزندين) كتاباً عنوانه (مخ المرأة) قالت في مقدمته: إنها تُقدِّم هذا الكتاب هديّة للرجل حتى لايَحار في فهم مواقف النساء تجاه كثير من الأمور.
تُشير المؤلّفة في كتابها إلى حب النساء لكثرة الكلام فتذكُر أن المرأة تتحدّث بحوالي عشرين ألف كلمة في اليوم بينما لاتتجاوز كلمات الرجل سبعة آلاف كلمة يومياً.
وتَعرِض في كتابها لدراسة تُفسِّر سبب السهولة التي تجعل المرأة تفهم مشاعر الآخرين وتُدركها أكثر من الرجل الذي يحتاج إلى من يلفت نظره إليها.
وفي كتابي الصادر مؤخراً (افهمها حتى لاتظلمها)، ذكرتُ في مقدّمته أن كثيراً من النزاعات الزوجية ناشئ عن عدم صبر أحد الزوجين على الآخر، وأن عدم صبره عليه ناشئ من عدم فهمه له.
لهذا ينبغي أن يُحيط كل من الرجل والمرأة بطبيعة الآخر، حتى يستوعب ويفهم الفروق الكثيرة بينهما، وفهم هذه الفروق سيُسهِم في منع كثير من النزاعات التي تُهدِّد زواجهما.
من الوسائل المُعينة على الإحاطة بتلك الفروق والاختلافات قراءة الكتب المتخصّصة، و حضور الدورات والندوات، حتى يستطيع الزوجان منع كثيرٍ من سوء الفهم، ويتجنبا كثيراً من النزاعات، فيحافظا على زواجهما من العثرات.

رسالة رجل إلى زوجته المنشغلة عنه – د. محمد رشيد العويِّد

رسالة رجل إلى زوجته المنشغلة عنه
د. محمد رشيد العويِّد

هل تشتكون إخوتي الرجال إهمال زوجاتكم لكم ؟
هل لاحظتم انشغالهن عنكم وعن اهتمامهن بكم وببيوتهن ؟
أقترح على من يعاني ذلك أن يرسل الرسالة التالية لزوجته :

زوجتي الغالية:
لا أدري إلى متى يستمر إهمالك لي وانصرافك عني ؟ ما الفائدة التي تجنينها من جلوسك الطويل أمام شاشة (التلفزيون) تضيعين الساعات إثر الساعات !
ألا تذكرين حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخبرنا فيه أنه لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، ومنها عن عمره في ما أفناه، فماذا ستقولين لرب العالمين ؟ هل ستقولين له سبحانه: أمضيتها أمام شاشة التلفزيون أتابع المحطات الفضائية ؟!!
ألا تذكرين حديثه صلى الله عليه وسلم عن مسؤولية المرأة (والمرأة راعية في بيت زوجها وولده، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه. فبم تجيبين الله تعالى إذا سألك عن هذه المسؤولية .. ماذا فعلتِ من أجلها؟ وهل أديتِها ووفيتِها حقَّها ؟
ألم تقرئي حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
ألا تريدين دخول الجنة؟ أليست هذه أمنية الأماني عند كل مؤمن ومؤمنة ؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
لقد ثارت مشكلات كثيرة بيننا، وبعضها كاد يصل بنا إلى الطلاق، لولا لطف الله وحفظه، أفلا تخشين أن تتأزم الخلافات بيننا يوما فيقع الطلاق؟ هل ترين الطلاق خيرا لك؟ ألم تفكري في الأولاد وحالهم بعدطلاقنا؟ ألم تحسبي حسابا لحالك أنت إذا وقع الطلاق؟ هل ينفع الندم عندها؟
ولا أدري لماذا تخجلين من عملي؟ أليس عملا شريفا يرزقنا الله منه رزقا حلالا طيبا؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم (إن أشرف الكسب كسب الرجل من يده) رواه الإمام أحمد. أفليس هذا الحديث الشريف شهادة لعملي؟ ألا يُطيِّب هذا خاطرك ويطمئن بالك؟
لماذا لا تتحررين من هذه المظاهر الخادعة؟ ومن تلك المنافسات الدنيوية الفارغة؟

زوجتي الحبيبة:
أجل ، زوجتي الحبيبة، فعلى الرغم من كل شيء فإنك تبقين زوجتي، وأم أولادي، وشريكة حياتي، ورفيقتي في الدنيا والآخرة، فلماذا لا نفتح صفحة جديدة نجعل فيها غايتنا الأولى إرضاء الله سبحانه، فنربي أولادنا على الإسلام وأخلاقه وآدابه، ليكونوا صالحين، يدعون لنا بعد موتنا، كما وعدنا صلى الله عليه وسلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) ومنها (ولد صالح يدعو له)، أليس هذا خير استثمار لنا في آخرتنا؟
إن حسن معاملتك لي، من استقبال حسن، واهتمام ورعاية، وطاعة وعناية، سيترك أثره الكبير في نفسي، وسأقدره لك كثيراً.
وأعدك بأني لن أقصر نحوك في أي شيء أقدر عليه وليس فيه انسياق وراء المظاهر الخادعة. وسأكون لك خير زوج إن شاء الله .. فكوني لي خير زوجة.
واعلمي أني لم أكتب لك ما كتبت إلا حرصاً عليك وعلي، على حياتنا الزوجية، وعلى أولادنا.
وفقك الله إلى كل خير، وألَّف بيننا، إنه سبحانه سميع مجيب.

زوجك المحب

لاتنغص عليها فرحها – د.محمد رشيد العويّد

لاتنغص عليها فرحها
د.محمد رشيد العويّد

كان الزوجان في جلسة ود ووئام، يتسامران بأطيب الكلام، وهما يتضاحكان والوجهان مشرقان.
كان الفرح طاغياً على الزوجة وهي تجد زوجها في حال من المرح قلّما تجده فيها، فلم تملك نفسها من أن تعبر عن سعادتها بذلك فقالت: كم أحبك يا كلبي!
ما إن سمع زوجها عبارتها هذه حتى انتفض هائجاً يصرخ فيها: أنا كلبك يا مجرمة!
ردت عليه في خوف واعتذار: والله ماكنت أقصد!
قال: تقولين (يا كلبي) وتزعمين أنك لاتقصدين؟!
قالت: والله أردت أن أقول يا قلبي ولاأدري كيف جاءت الكاف بدل القاف.
قال: كفاكِ كذباً وافتراء، والحق ليس عليك إنما على الذي أراد أن يلاطفك ويسعدك.. أنت لاينفع معكِ إلا الشدة والحزم.
خرج الزوج من بيته غاضباً يزمجر ويهدِّد ويتوعّد، وأغلق الباب وراءه بقوة.
هذا مَثَل لخطأ من أخطاء الزوجة غير المقصودة، فلايتسع له صدر الزوج، فيفترض قصداً سيئاً لزوجته فيه، فينجح الشيطان في أعظم غاياته وهي التفريق بين الزوجين.
ولهذا الزوج، ولأمثاله من الأزواج الذين تضيق صدورهم بأخطاء زوجاتهم غير المقصودة نقول: لكم في الحديث النبوي المتفق عليه توجيه وإرشاد لتكونوا أرحب صدراً وأحسن ظناً وأسمح طبعاً تجاه زوجاتكم.

ما هو هذا الحديث؟

عن أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم ، كانت راحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه_اختفت_ وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة ، فاضطجع في ظلها ، قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ، ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ; أخطأ من شدة الفرح “. البخاري ومسلم.
يقول الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله: قوله (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أراد أن يُثني على ربه فيقول: (اللهم أنت ربي وأنا عبدك) لكن من شدة فرحه أخطأ فقلب القضية… وفيه دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفراً سبق لسانه إليه فإنه لا يؤاخذ به فهذا الرجل قال كلمة كفر لأن قول الإنسان لربه أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك فيه، لكن لما هذا صدر عنه خطأ من شدة الفرح صار غير مؤاخذ به، وكذلك غيرها من الكلمات لو سب أحداً على وجه الخطأ بدون قصد أو طلق زوجته على وجه الخطأ دون القصد أو أعتق على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء لأن الإنسان لم يقصده فهو كاللغو في اليمين وقد قال الله تعالى: “لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ” البقرة 255.
فيا أيّها الزوج الذي يُحاسب زوجته على فلتات لسانها وأخطاء لفظها، تجاوز عنها مادامت لاتقصدها وأكّدت لك أنها لاتعني ما صدر عنها.
ولقد وجدنا كيف أن الزوجين كانا يتسامران في فرح ومودة، فلما أخطأت الزوجة في نطق حرف من كلمة فتغيّر معناها؛ انقلب فرحهما ترحاً حين أساء الزوج ظنه في نية زوجته ولم يقبل تأكيدها وقسمها بأنها لم تكن تقصد ذلك.
ويمكن أن يتبادل الزوجان الأدوار، فيخطئ الزوج في نطق كلمة لايقصدها، فتقف زوجته عند خطئه ولاتقبل تأكيده لها أنه لم يكن يقصدها.
علينا جميعاً أن نقبل الاعتذار، ولانفتِّش في النوايا، ونستحضر قوله (ﷺ): (هلا شققت عن قلبه) لأسامة بن زيد بعد قتله كافراً قال لا إله إلا الله، فقال النبي (ﷺ) لأسامة: يا أسامة قتلتَه بعد أن قال لا إله إلا الله؟! فقال أسامة: إنما قالها لينجو بها من القتل، فقال (ﷺ): (هلا شققت عن قلبه؟!).
فيا أيها الزوجان الغاليان ليقبل كل منكما مايقوله الآخر دون تشكيك في نيته، وليكتفِ بظاهر مايبديه، بهذا نؤمر وبهذا تستقيم حياتكما الزوجية وتهنأ وتستقر.