المعاشرة الزوجية: عبادة – د.محمد رشيد العويّد

المعاشرة الزوجية: عبادة
د.محمد رشيد العويّد

يحسب بعض الناس، ومنهم النصارى، أن المعاشرة الزوجية تُبعِد عن الله، ولهذا ابتدعوا الرهبانية: “وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ” الحديد-27، أي: أحدَثوها مِن عند أنفسهم، ولم يأمرهم بها الله سبحانه وتعالى.
والحقّ أن المعاشرة الزوجية تُعين على تقوية العبادة، وتُقَرِّب إلى الله سبحانه، بما توفِّره للبدن من راحة، بِصَرْف شهوته عنه بعد المعاشرة، فيُصبِح القلب أنقى، والنَّفْس أصفى، والرّوح أسمى.
وتأتي الدراسات العلمية الحديثة لتؤكِّد ذلك، فتذكُر أن هرمون الأوكسيتوسين-ويُعرف بهرمون الحب، ويُفرزه الجسم مع المعاشرة وبعدها- يجعل الرجل أكثر روحانية، ويُعينه على الاتصال الذاتي العالي.
ووفقاً للباحثين في جامعة ديوك الأميركية فإن هرمون الأوكسيتوسين الذي يُسهم في تعزيز الترابط الاجتماعي يعمل أيضاً على تدعيم الجانب الروحي لدى الرجال.
وكشفت الأبحاث التي أُجريت في هذا الصدد عن أن الرجال الذين ارتفعت لديهم نسبة هذا الهرمون تمتَّعوا بروحانيات أعلى طوال أسبوع بعد ارتفاع مستوى هذا الهرمون المهم.
ومايؤكّد دور المعاشرة في زيادة العبادة، وتحقيق الخشوع المطلوب فيها، فوائد المعاشرة الكثيرة، فهي تمنح البدن صحة وعافية وراحة، لأن التعب والتوتر والمرض أمور تُعيق العبادة الخاشعة الخالصة لله.
لقد تأكّد دور هذا الهرمون في تسكين الآلام وتخفيفها، وكذلك دورُه في منح نوم هادئ عميق بعد المعاشرة، وهذا كله يمنح البدن طاقة أكبر في أداء العبادة بحبٍّ، وإقبال، وخشوع.
ولاننسى فوائد المعاشرة من الناحية النفسية، مثل إعطاء الزوجين معاً الثقة بالنفس، وإزالة الإحباط، وتوفير السكينة، وجَلْب الطمأنينة، وهذا كلّه يُعين على أداء العبادة بإتقان.
ونحن نعلم أن أهم العبادات هي الصلاة التي وَصَفَها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها عمود الدِّين، وأن الله سبحانه لم يأمر المسلمين بأن يُصلّوا؛ بل بأن يقيموا الصلاة: “وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ”، “وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ”، وتكرّر ذلك كثيراً في القرآن الحكيم.
ولايُمكن لمسلم أن يُقيم الصلاة وذهنه مشوَّش بالشّهوة، ونفسه متأجِّجة بها، وقلبه مشغول بامرأة كما قال قيس بن الملوّح المعروف بقيس ليلى:

وَإِنّي إِذا صَلَّيتُ وَجَّهتُ نَحوَها بِوَجهي وَإِن كانَ المُصَلّى وَرائِيا
وَما بِيَ إِشراكٌ وَلَكِنَّ حُبَّها كَعودِ الشَجى أَعيا الطَبيبَ المُداوِيا
أُصَلّي فَما أَدري إِذا ما ذَكَرتُها اِثْنَتَينِ صَلَّيتُ الضُحى أَم ثَمانِيا؟

ويؤكِّد دورَ المعاشرة في إقامة الصلاة خاصة، والدِّين عامة، أن يَعدّ النبي صلى الله عليه وسلم الزواج -الذي لاتتمّ المعاشرة الزوجية إلا مِن خلاله- نِصفَ الدِّين، كما جاء في حديثه عليه الصلاة والسلام: (إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتّقِ الله في النصف الباقي). حسّنه الألباني في صحيح الجامع عن أنس رضي الله عنه.
وفي رواية: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي). وهذا يُعطي الزواج قيمة كبيرة حتى يجعله النبي صلى الله عليه وسلم نصف الدين، وما يتميّز الزواج عن سواه من القرابات إلا بالمعاشرة التي تُعين المسلم على إعفاف نفسه، ومن ثَمّ يجتمع له قلبه على أداء عباداته في خشوع.
وفي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الشباب إلى الزواج بيان لثمرتين مهمّتين من ثمرات المعاشرة الزوجية: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء). متفق عليه.
فثمرة غضّ البصر وثمرة تحصين الفرج ثمرتان تُعينان على العبادة وإخلاصها، وهما تحصلان بالمعاشرة الزوجية التي تحصل من خلال الزواج.
ولاأحسب أن هناك في العالم كله عقيدة أو جماعة أو فلسفة تربط المعاشرة بذِكر الله ودعائه سبحانه كما يفعل الإسلام، فقد رَوى البخاري ومسلم عن عبدالله بن العباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يُقدَّر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً). متفق عليه.
ولعلّ قمة ذلك -ولانجده أيضاً إلا في الإسلام- أن المسلم يُثاب على المعاشرة الزوجية، أي أنها عمل من الأعمال التي يؤجَر بفعلها؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر). رواه مسلم.
قال النووي: في هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيّات الصادقات، فالجِماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أَمَر الله تعالى به، أو طَلَب ولد صالح، أو إعفاف نفسه، أو إعفاف الزوجة، ومنعهما جميعاً من النظر إلى الحرام أو الفِكر فيه، أو الهمّ به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة. (شرح النووي لصحيح مسلم_كتاب الزكاة_الحديث 1006).
هكذا نجد المعاشرة الزوجية مُعينة على العبادة، بما توفّره للعابد من راحة بدنية، وصفاء نفسي، وطمأنينة قلبية. بل هي نفسها عبادة إذا نوَى بها الزوجان قضاء حق كل منهما على صاحبه، وإعفاف نفسه، واستحضرا مايأتيهما من أجر عليها.

Advertisements

One thought on “المعاشرة الزوجية: عبادة – د.محمد رشيد العويّد

  1. المعلومات رائعة..مع العلم أن مشكلة المرأة أحيانا في عدم رغبتها للمعاشرة تقع في كونها عنصر غير فعّال في المعاشرة..تكتفي بدور الرجل..وهذا ما يزيد نفورها..
    وأعرف امرأة قالت لي أن زوجها يطلبها أحياناً وهي في قمة التعب من الأعمال المنزلية ويكون لديها صداع شديد..ولكن تفاجأت أن الصداع يذهب تماماً بعد المعاشرة..مما جعلها تقتنع بأهمية هذا الأمر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.