أريد زوجا – د. محمد رشيد العويد

العلاقات الزوجية
أريد زوجاً
كرّرت اتصالها 5 مرات برقم طوارئ الشرطة 911 خلال ساعة واحدة.
لم تطلب منهم في اتصالاتها الخمس إلا هذا الطلب: (أريدكم أن تحضروا لي زوجاً).
كانت الموظفة التي تستقبل اتصالات الطوارئ تسألها لتتأكد من أنها تعني ماتطلب: أتريدين زوجاً؟! فتجيبها دائماً: نعم، أريد زوجاً.
ما كان من الموظفة، في الاتصال الخامس، إلا أن تُحذِّر المرأة المتصلة بقولها: هل تعلمين أنكِ قد تُعتقلين لاتصالك بخدمة الطوارئ دون سبب؟!! فردّت عليها المرأة: إذن اعتقلوني.
أيّاً كانت جديّة المرأة في طلبها زوجاً فإني أحب أن أقف قليلاً عند حاجة فطرية في الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، إلى الزواج الذي يسكُن فيه إلى آخَر، قال تعالى: ” وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ “. الروم (21).
ولقد زارني يوماً، في مركز الاستشارات الذي أعمل فيه، فتاة ومعها أبوها، أو أب ومعه ابنته، لاأعلم من أقنع الآخر للاحتكام إليّ في خلافهما.
تسألونني: علام يختلفان؟ وأقول: على حق الفتاة في الزواج الذي ترى أن والدها لايُعينها عليه، ولايوافق على من يتقدّم لخطبتها.
وقد دافع والدها عن نفسه بقوله إن من تقدّموا لخِطبتها قليلون، وجميعهم ليسوا كفؤاً لها.
ردّت الفتاة بأنها ارتضت أحدهم ورأته مناسباً لكن والدها وَجَدَه غير مناسب.
وسواء كان هذا الأب استجاب لطلب ابنته في الاحتكام إليّ، أو كان هو من اقترح عليها ذلك، فهذا يُشير إلى حِرصِه على إنصاف ابنته، وعدم ظُلمها بعَضْلِها، أي: منعها من الزواج، لأن كثيراً من الآباء لايكترثون ببناتهم، بل إن بعضهم لايسمح لابنته بالتصريح برغبتها في الزواج ويرى ذلك عيباً.
وإذا كانت الحكومات تسعى إلى بناء مساكن للناس؛ فإن عليها أيضاً أن تسعى في تزويج الرجال والنساء عبر تذليل عوائق الزواج أمام غير قليل منهم.
ولايغيب عنّا ماتقوم به جمعيات في تيسير سُبُل الزواج أمام الشباب والبنات، ونجاحها في ذلك بقدْر طيّب مبارك، لكن الحكومات بما تملك من قدرات مادّية ومعنوية أكبر كثيراً، تستطيع أن تحقّق نتائج أفضل، وأكبر، وأسرع.
ولعلّ حكومات دول مجلس التعاون الخليجي سبقت كثيراً من الدول الأخرى في تحقيق ذلك عبر منحها القروض للمتزوّجين وعَلاوات على الزوجة والأولاد، وبناء مساكن لهم بأقساط مُريحة.
لكن الأزمة تبقى قائمة، مع ارتفاع نسبة غير المتزوّجين، وخاصّة بين النساء بسبب ارتفاع المهور وزواج كثير من مواطنيهن من نساء عربيّات وأوروبيات وسواهن.
ولاتكفي كلمات هذا المقال القصير لبحث هذا الأمر الجليل، فلابدّ من اهتمام به أكبر، عبر عقد الندوات والمؤتمرات، وإجراء البحوث والدراسات، واقتراح الحلول المناسبة لمُختلَف مايتعلّق بهذا الأمر من مشكلات.
من جانب آخر فإني أرجو من الأزواج والزوجات أن يشكروا الله تعالى على أن يسَّر لهم الزواج، هذه النِّعمة التي يفتقدها كثيرون وكثيرات، رغم عِلمنا بمعاناة غير قليل من الأزواج والزوجات من كثرة النّزاعات التي حُرِموا بسببها من استقرار الحياة.
لهذا فإن علينا أيضاً أن نُعين المتزوّجين على الوِفاق، ومعالجة مابينهم من نزاع وشقاق، حتى نُقلِّل مااستطعنا من وقوع الطلاق، ومايعقُبُه من خسائر مادِّية ومعنوية كثيرة وكبيرة وخطيرة.
فإذا كان هناك كثيرات يصرخن: أريد زوجاً؛ فإن هناك من المتزوّجات من تصرخ: أعيدوا لي زوجي.

‏أخوكم 

محمد رشيد العويد

Advertisements

طاعتك زوجك طاعة لله – د. محمد رشيد العويد

طاعتك زوجك طاعة لله

د.محمد رشيد العويّد
ذِكْرُ الله تعالى من أفضل الأعمال، وأثوب العبادات؛ بل إن العبادات كلها تقوم على ذِكْر الله، وتهدف إليه، وتُعين عليه.
لكن ذِكر الله قليلاً غير محمود، ولابُدّ من ذِكرِه ذِكراً كثيراً، كما أمرنا الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)” الأحزاب،
أما الذِكر القليل فقد ذُكِر في أفعال المنافقين: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا (142)” النساء.
والذِّكْر ليس بالّلسان وحده، بل هو بالعمل أيضاً، فكُلّ عمل مباح أقوم به وأبتغي فيه طاعة الله ورضاه هو ذِكْر، كما في شُكر الله تعالى، فهو من الذِّكْر، لكنه ليس باللسان وحده، بل بالعمل أيضاً: ” اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)” سبأ.
قال ابن كثير رحمه الله: اعملوا شكراً على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين.
وفيه دلالة على أن الشكر يكون بالفِعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال الشاعر:
 أفادتكم النعماءُ مِنِّي ثلاثة: يدي، ولساني، والضمير المحجَّبا
قال أبو عبدالرحمن الحبلي: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شُكر.
وقال محمد بن كعب القرظي: الشكر تقوى الله والعمل الصالح.
أردتُ بهذا أن أُصحِّح ماتعتقده بعض النساء -الزوجات خاصة- من أن عباداتهن النافلة من صلاة وصيام وقراءة قرآن مُقدَّمة على حُسن تبعُّلها لزوجها، وتربية أبنائها، ورعاية أسرتها، حتى تجد إحداهن تقول لزوجها: لن أترك تلاوة القرآن من أجل أن أصنع لك كذا، أو أُلبِّي لك كذا.
ولعل النهي النبوي عن صَوْم المرأة تطوّعاً دون إذن زوجها؛ يؤكِّد وجوب تقديم حق الزوج على العبادة النافلة، بل إن قيام المرأة بذلك الحق عبادة أيضاً لأنها تقوم به طاعةً لله ولرسوله (ﷺ)، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ﷺ) قال: (لايحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) متفق عليه.
وفي رواية أخرى: (لاتصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان) أبو داود والترمذي.
وعليه فإن إهمال المرأة حقّاً من حقوق زوجها يجعلها آثمة، ومن ثَمّ فإن عليها أن تُقدِّم حق زوجها أولاً، وسأذكر لها أموراً أرجو أن يجعل الله لها فيها عوناً على قيامها بما لزوجها عليها وهي آمنة مطمئنة:
أولاً: استحضارها أن الله سبحانه الذي تسعى إلى رضاه بذكره عز وجل، هو الذي أمرها بترك العبادة من أجل القيام بعمل لزوجها ليس فيه معصية، استحضارها هذا يهوِّن عليها ما قد تجده من ضيق وهي تتوقف عن ذاك الذِّكر، أو تمتنع من أداء تلك العبادة، من أجل تلبية حق زوجها.
ثانياً: علمها، مما سبق بيانه، أن الذِّكر ليس باللسان وحده، بل بالعمل أيضاً، ومن العمل الذي تُطيع به الله ولها فيه أجر: قيامها بما يطلبه منها زوجها، فهي مُثابة مأجورة إن شاء الله.
ثالثاً: علمها أن العبادة النافلة التي تؤدِّيها قد لايقبلها الله منها، وليس لها فيها أجر، يجعلها تُدرك خسارتها، ذلك أن الأجر الذي رَغِبَت فيه لم تظفر به، مع ذنبها بعصيان الله الذي أمرها بطاعة زوجها.
رابعاً: تستطيع أن تذكر الله تعالى وهي تقوم بعمل ماطلبه منها زوجها، فتُسَبِّح وتُكبِّر وتحمد الله، وهذا مُتفق عليه، فتكون بهذا قد جمعت بين الطاعة والذِّكْر.
خامساً: من فضل الله علينا، ورحمته سبحانه بنا؛ أن أرشدنا إلى أذكار لاتأخذ وقتاً طويلاً ولاجهداً كبيراً، لكن فيها أجراً وفيراً وثواباً عظيماً؛ مثل ما ورد في حديثه (ﷺ)، فعن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي (ﷺ) خرج من عندها بُكرة حين صلّى الصبح وي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: (مازلتِ على الحال التي فارقتُكِ عليها؟)
قالت: نعم، قال النبي (ﷺ): (لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزِنتْ بما قلتِ منذ اليوم لوَزَنَتْهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، و زِنَة عرشه، ومداد كلماته). صحيح مسلم.
سادساً: لتكن المرأة على يقين بأن طاعتها لله فيما أمرها به من طاعةٍ لزوجها، وتقديم هذه الطاعة على نوافل العبادات، يُكسِبها قلب زوجها ورضاه، فلتتأمّل هذا لتُدرك رحمة الله بها وحفظه سبحانه بيتها وأسرتها.
على الأهل أن يُربّوا بناتهم على هذا الفهم الصحيح للعبادة، وعلى أن طاعة الزوج مقدمة على جميع النوافل، وعلى أن طاعته من العبادة لأنها بهذا تُطيع الله الذي أمرها بطاعة زوجها.
وأرى أن فهم الزوجات لهذا المعنى الصحيح سيُصلح كثيراً من البيوت، ويحمي الأزواج والزوجات من النزاع والشِّقاق، ويُقلّل من الطلاق، ويوفِّر للزوجين قدراً كبيراً من الودّ والرحمة الغائبَيْن عن كثير من الأزواج والزوجات. 

‏أخوكم 

محمد رشيد العويد

كيف تخرجينه من صمته – د. محمد رشيد العويد

كيف تخرجينه من صمته
د.محمد رشيد العويّد
في مقدمة ماتشتكيه المرأة في زوجها: طول صمته.
وحتى تنجح المرأة في إخراج زوجها من صمته؛ لابد لها من معرفة السبب حتى تعالجه، ذلك أن أسباب صمت الأزواج مختلفة.
بعض أسباب صمت الأزواج وراءها المرأة نفسها، وبيدها علاجها، وبعضها ترجع إلى طبيعة في الرجل نفسه وهذا يَصْعُب علاجه، وليس للمرأة إلا أن تتكيَّف معه وترضى به.
وأبدأ بالأسباب التي ترجع إلى المرأة نفسها؛ لتعالجها هي، فتنجح في إخراج زوجها من صمته؛ وأوَّل هذه الأسباب عدم اختيارها الوقت والحال المناسبين، إذ إن أكثر الأزواج لايستجيبون لمحاولات زوجاتهم محادثتهم لأنهن يفعلن ذلك في أحوال وأوقات غير مناسبة ومنها:
فور دخوله البيت بعد عودته من عمله أو غير عمله، ففي الأغلب يكون الزوج نافد الطاقة، شديد التعب، لارغبة له ولاقدرة على الكلام، ومحاولة الزوجة هنا محادثته ستبوء بالإخفاق، وقد تضيف إلى إخفاقها إغضاب زوجها.
لكن هذا ليس على إطلاقه؛ فمن الرجال من يدخل بيته وهو راغب في محادثة زوجته، بل متشوق إليها، والمرأة هي من تستطيع فهم وتحديد ذلك ومعرفته، ومن ثمّ تستجيب لرغبته في محادثتها، أو تؤثر الصمت إذا وجدته لايرغب في الكلام.
ومن الأحوال التي لايستجيب الرجل فيها إلى رغبة زوجته في محادثته؛ حين يكون منهمكاً في عمل، أو مشغولاً ذهنه في أمر، ففي الأغلب لن يتجاوب معها، وقد يصدّها مع غضبه وصراخه.
وهذا يعود إلى طبيعة في الرجال عامة، وهي أنهم لايستطيعون أن يفعلوا أمرين في وقت، كما قال الله تعالى: “مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ” الأحزاب (4)، ولم يقل سبحانه: ماجعل الله لِبَشَر، فكأنما فيه إشارة إلى أن هذا خاص بالرجل الذي اكتشف العلماء أنه لايستطيع أن يجمع عملين أو أمرين معاً، وذلك على العكس من المرأة التي تستطيعه وتنجح فيه أيّما نجاح.
وأيضاً فإننا نجد بعض الرجال على قدر من الحِلم يجعلهم يتقبلون محاولات زوجاتهم محادثتهم، لكنهم في الأغلب لن يُسهِبوا في ذلك كثيراً، وسيقتضبون في حديثهم مااستطاعوا.
أنتقل الآن إلى الرجال الذين من طبيعتهم قلة الكلام، وإطالة الصمت، وهؤلاء لاينفع معهم أي أسلوب، ويكاد لايُخرجهم عن صمتهم ويُطلق ألسنتهم أي شيء.
وأدعو النساء إلى تقبُّل ذلك منهم، والنظر إلى الجانب الإيجابي فيه، وهو أنهم يكونون بعيدين عن الجدال ولايحبونه، والجدال من أكثر أسباب نزاع الزوجين، ومن أكثر مانهى عنه النبي (ﷺ).
كذلك فإن الصامتين من الأزواج أكثر إنتاجاً وعطاء، فهم في الأغلب يحقِّقون لزوجاتهم رغباتهن، ولايؤخِّرون تلبية طلباتهن.
ومن إيجابيات صمت الأزواج أيضاً راحة الزوجات من ثرثرة الرجال كثيري الكلام، الذين يبعثون في زوجاتهم السأم من تكرار أحاديثهم، وتفاهتها أحياناً، وكذلك نجنُّب غيبة الناس من أقارب وأصدقاء وجيران.
من إيجابيات هذا الصمت أيضاً راحة المرأة من كثرة انتقاد زوجها لها وتدخّله في أعمال البيت، مما يُعينها على العمل فيه باسترخاء وإقبال أكثر.
تبقى وصايا عامة للمرأة التي تريد محادثة زوجها في أي أمر:
– ابدئي حديثك معه عنه، أي لاتبدئي حديثك بالكلام عن نفسك وماتعانينه، أو عن حاجاتك وما تطلبينه، بل ابدئيه بما يُحب زوجك الحديث عنه؛ كعمله مثلاً، أو ما هو مشغول به، أو مايحتاج أن يستمع إليه فيه أحد. فإذا مانجحتِ في جعْله يتحدّث عن نفسه، فإنكِ تستطيعين بعدها الانتقال إلى الحديث عن نفسك، أو أطفالك أو بيتك، أو أي شيء آخر ترغبين محادثته فيه.
– لاتنتقديه وهو يتحدّث، سواء طريقة حديثِهِ، أو رأي من آرائه التي يُبديها، أو اقتراح من اقتراحاته التي يطرحها.
وإذا كنتِ ترَيْن أنه لابدّ من بيان خطأ قاله أو فَعَلَه، فلتكوني لطيفة في ذلك، رفيقة فيه، كأن تبدئي بقولك: لاأدري إن كان الأفضل عدم قول كذا أو فِعْل كذا…
– احرصي على تجنُّب مقاطعة كلامه، واصبري حتى يُتِمّ التعبير عن فكرته، وتشعرين أنه أنْهَى مايُريد أن يُحدِّثك عنه.
إن كثرة مقاطعتكِ له تجعله ينفر من محادثتكِ ويُؤْثر عليها الصمت.
– تفاعلي مع كلامه، وتعاطفي مع مشاعره، حتى يرى فيكِ واحة يستظل فيها، وشاطئاً يرتاح إليه من إبحاره الطويل.
وفقكِ الله إلى النجاح في كسب زوجك وجَعْله مُغرماً بمحادثتك.
‏أخوكم 

محمد رشيد العويد

وافَقْتُ ومانَدمت فقد كسبتد.محمد رشيد العويّد

وافَقْتُ ومانَدمت فقد كسبتد.محمد رشيد العويّد
استأذَنَتْه زوجته في أن تنام مع أمها المريضة؛ فصمت يفكر: هل يأذن لها أم يمنعها؟
مضت لحظات وهو ينظر في وجهها الذي ظهرت عليه أمارات استعطاف واضحة.
تأثر بما قرأه في وجهها فقال لها: توكلي على الله، وبلغيها سلامي.
هذا ماأخبرني به صديقي، وهو استشاري نفساني، أضاف يقول:
لا أخفي عنك أني تضايقت قليلاً؛ فقد كنت أحب زوجتي ولا أقوى على مفارقتها، لكني رجعتُ إلى نفسي أخاطبها: إذا كنتَ تحبها حقاً فعليك أن تحب ماتحبه زوجتك من برها بأمها ، وإحسانها إليها، وصلتها بها.
في المساء لم أطق الجلوس وحدي في البيت، وأحسست بالوحشة دونها، فخرجت أبحث عن مكان أُمضي فيه وقتي وأسلو به عن مفارقتها لي، وبُعْدها عني.
تذكّرتُ أصدقائي في ديوانية أبي عبد الرحمن، فقد كانوا يُكرِّرون عتَبَهم علي انقطاعي عنهم، فما كان مني إلا أن سلكتُ الطريق التي توصلني إلى الديوانية.
ما إن دخلت حتى وجدت ترحيباً مفاجئاً، فقد كان زاخراً بالتعبير عن فرحهم بقدومي، وسرورهم بلقائهم بي، فقلت في نفسي: هذه أولى ثمرات موافقتي زوجتي على أن تبيت مع أمها.
دعاني أحد الدكاترة من أصدقائي وقد أفسح لي مكاناً جانبه إلى الجلوس، وبعد أن تبادلت معه السؤال عن الحال والصحة أخبرني عن مشروع فيه خير كثير لي، فقلت في نفسي: هذه هي الثمرة الثانية.
بعد ساعة تقريباً من جلوسي في الديوانية تلقيت رسالة هاتفية من زوجتي تخبرني فيها أن والدتها تسلم عليّ، وأنها تشكرني على إذني لها بالمبيت عندها، وأنها دعتْ لي كثيراً. فقلت في نفسي: هذه الثمرة الثالثة.
بعد مرور أسبوعين تقريباً مرضت أمي، وكانت تحب زوجتي كثيراً، فطلبت مني أن تبيت زوجتي عندها، فلما عرضتُ على زوجتي طلب أمي وَافَقَتْ على الفور، وبحماسة، ودون تردّد. قلتُ: هذه الثمرة الرابعة.
أضاف: هذه ثمرات أربع لأمر تردّدتُ فيه، وكدتُ أرفضه لأن زوجتي لها شقيقات ثلاث؛ فلماذا لاتبيت إحداهن عندها بدلاً من زوجتي، إضافة إلى ماذكرتُه من أنني أفتقد قربها مني، ووجودها معي.
قلت: اسمح لي أن أضيف إلى الثمرات الأربع ثمرات أخرى أراها أهمّ.
قال: أي ثمرات سوى ماذكرتُه لك؟
قلت: زيادة حب زوجتك لك حين أذنتَ لها بالمبيت عند أمها.
قال: صدقت.
قلت: وحب أمها لك بعد أن أخبرتها زوجتك أنك أذنت لها.
قال: صحيح.
قلت: وماينتج عن زيادة حب زوجتك لك من زيادة طاعتك، وماينتج عن حب أمها لك من زيادة توصيتها ابنتها بك وبطاعتك.
قال: جميل استنتاجك هذا.. وهو صحيح.
قلت: وهناك ما هو أهم من هذا كله.
قال: ما هو؟
قلت: رضا ربك عنك حين أعنت زوجتك على برّها أمها وإحسانها إليها.
قال: غاب عني هذا كله.
قلت: ومايثمر رضا ربك عنك من توفيقه سبحانه لك وتيسيره أمورك، عدا مايدخره لك من أجر تجده يوم القيامة وأنت أحوج ما تكون إليه.

‏أخوكم 

محمد رشيد العويد

حِصنكم في حضنكم – د.محمد رشيد العويد

حِصنكم في حضنكم
د.محمد رشيد العويّد
كلمتان متشابهتان حتى تكادا تتطابقان، لاتزيد الثانية عن الأولى إلا في نقطة فوق الحرف الثاني، فهو في الأولى (صاد) وفي الثانية (ضاد).
معنى كلمة (حِصْن): المكان المنيع. حَصُن المكان ونحوه: صار منيعاً قوياً فهو حصين. وحصُنتْ المرأة: عفَّت، فهي حَصان.
أما الكلمة الثانية (حضن) فمعناها: الصدر مما دون الإبط إلى الخصر. و حَضَنه: ضمَّه إلى صدره.
لعل العنوان الآن صار واضحاً: الإحصان في الاحتضان، أي أن الإعفاف، والاستقامة، والإخلاص.. في منح الحب والعطف والاهتمام.
ولقد تأكّد هذا أكثر بالدراسات الحديثة التي أظهرت آثاراً إيجابية كثيرة للاحتضان والعناق، ومن هذه الآثار:
تفريغ شحنات الألم المكنونة، والطاقات السلبية المتراكمة، والإحباطات المكبوتة.

 الزوجات اللاتي يحضنهن أزواجهن تزداد قدراتهن على تحمُّل الصدمات والأزمات النفسية، وينعمن بسكينة روحية وطمأنينة قلبية.

  – 15 احتضاناً أو عِناقاً كل أسبوع يقي وقوع كثير من نزاعات الزوجين، ويُعجِّل في إزالة آثارها السلبية إذا وقعت.
 – الاحتضان يُخفض ضغط الدم المرتفع، ويزيد في هرمون الأوكسيتوسين الذي يُسهم في تخفيف التوتر ويمنح الاسترخاء.
 – والاسترخاء بدوره يساعد على النوم الهانئ المريح ويقضي على الأرق الذي يشكو منه الملايين في هذا الزمان.
 – الاحتضان الجسدي يُشعِر بالاحتواء النفسي والروحي، فكما احتوى المُحتَضِنُ المُحتَضَنَ بجسده فإن هذا الاحتضان الجسدي يحضن النفس والروح أيضاً.
 – الاحتضان أعظمُ تعبيرٍ عن الحب، فهو يمنح من يتبادلانه مشاعر حب دافق، وحنان دافئ، وودّ جارف.
– يقوِّي الاحتضان الثقة المتبادلة بين الزوجين ويُعزّزها، والثقة أكثر مايحتاجه الزوجان، وأكثر مايضعف على مرّ الزمان.
– الاحتضان قبل الخروج من البيت يُشيع في النفس سكينة تُعين الرجل والمرأة على السياقة الهادئة للسيارة، وتخفف من التوتر الذي هو من أسباب ارتكاب حوادث مرورية قاتلة.
– الاحتضان الزوجي يزيد في تآلف الزوجين، ويقلِّل من خيانات زوجية تقع بسبب التماس الدفء والحنان -المفقودين بين الزوجين- لدى آخرين.
– يُشيع الإحساس بالأمن، ويُبدِّد الخوف والقلق. والأمن من أكثر مايحتاجه الناس، وخاصة في زماننا هذا الملئ بالقلق والتوتر والصخب والسرعة.
ولعلّ سائلاً يسأل: لماذا يُهمل الناس الاحتضان ولايهتمون به رغم فوائده الكثيرة؟
والجواب يحمل أسباباً عِدّة ومنها أن كثيرين يجهلون فوائده هذه فلايهتمون به، ومنها أن بعضهم يستحي منه فلا يُقدِم عليه، ومنها اعتقاد من يعتقد أنه كَبر وماعاد الاحتضان لائقاً به وبزوجته، ومنها أن كلا الزوجين لايبادر بالاحتضان انتظاراً أن يبادر صاحبه به.
ولاشك في أن جميع تلك الأسباب لايصلح أن يكون مانعاً من ممارسة الاحتضان بعد أن عرفنا فوائده الكثيرة.
لهذا علينا أن نعود إليه ونهتم بممارسته والحفاظ عليه، وحتى لاننشغل عنه وننساه أوصي بالحرص عليه في الأوقات والأحوال التالية:
* قبل الخروج من البيت، فإنه سيشحن من يخرج من الزوجين بطاقة إيجابية تجعله يُقبل على عمله بنشاط وسعادة وهو متفائل مطمئن، ومن يبقى في البيت منهما أيضاً سيحمل طاقة إيجابية تعينه على الإحساس بالأمن والرضا والاستمتاع بوقته.
* بعد الدخول إلى البيت؛ فالاحتضان هنا يمسح تعب كلا الزوجين؛ مَنْ عَمِل خارج البيت ومَنْ عَمِل داخله.
* حين يشعر أحد الزوجين بالضيق أو الحزن أو الهم أو القلق؛ فإنه يحسن بالزوج الآخر أن يحتضنه وهو يواسيه ويخفف عنه ويطمئنه.
   وعلينا ألا ننسى احتضاناً آخر مهماً وهو احتضان أطفالنا، فهم ليسوا أقل حاجة منا إلى الاحتضان، ومعظم ماذكرناه من فوائد للاحتضان ينطبق عليهم أيضا؛ فهو يشعرهم بالحب والحنان، ويمنحهم الأمن والأمان، ويبدِّد عنهم قلقهم، ويطرد منهم خوفهم، ويعينهم على النوم، ويمدّهم بطاقة إيجابية طوال اليوم.