الإنفاق على الأسرة .. أولا – د. محمد رشيد العويد

الإنفاق على الأسرة: أولاً
د.محمد رشيد العويّد
ما أكثر الرجال الذين يُقدّمون إنفاقهم على أصدقائهم وسواهم، على إنفاقهم على أُسرِهم، فتراهم يقيمون لهم الولائم، أو يأكلون معهم في المطاعم، أو يُسافرون بصحبتهم إلى شتى البلدان، فيُنفقون المال الكثير، وفي المقابل يبخلون على أُسرهم وهم يُردّدون عبارة: ماعِنْدي..!
ورجال آخرون لهم هوايات مثل صيد البحر أو صيد البرّ، فيشترون من أجلها أدوات باهظة الثمن، ويمضون فيها أوقاتاً طويلة، وإذا طلبت منهم زوجاتهم أن يُنزِّهوهنّ نزهة قصيرة؛ ردّ أحدهم على زوجته: مشغول، وتعلّل آخر بأنه مُتعَب!
لقد قدَّم الإسلام الإنفاق على الأهل على سائر النفقات، وجعل الاهتمام بهم قبل غيره من الاهتمامات، فعن ثَوْبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ): (أفضل دينار يُنفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار يُنفقه على أصحابه في سبيل الله). رواه مسلم.
قال أبو قلابة: بدأ بالعيال، وأيّ رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عياله يُعفّهم وينفعهم الله به ويغنيهم؟! (شرح مسلم للنووي).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله(ﷺ): (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك). رواه مسلم.
قال الإمام النووي: فيه الحثّ على النفقة على العيال، وبيان عِظَم الثواب فيه، لأن منهم من تجب نفقته بالقرابة، ومنهم من تكون مندوبة وتكون صدقة وصِلة، ومنهم من تكون واجبة بِمِلْك النكاح أو مِلْك اليمين، وهذا كله فاضل محثوث عليه، وهو أفضل من صدقة التطوّع، ولهذا قال (ﷺ): (أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك) مع أنه ذَكَر قبله النفقة في سبيل الله وفي العتق والصدقة، ورجَّح النفقة على العيال على هذا كله لما ذكرناه، وزاده تأكيداً بقوله (ﷺ) في حديث آخر: (كفى بالمرء إثماً أن يحبِس عمّن يملك قُوتَه). صحيح مسلم بشرح النوّوي 7/ (81-82).
بل حتى لو كانت الزوجة غير مسلمة فإن على زوجها المسلم أن يُنفق عليها : تجب نفقة الزوجة على زوجها ولو كانت كتابيّة ذميّة غير مسلمة، أو كانت غنيّة، لأن منفعة حبسها تعود إليه فتستحق النفقة). الدرّ المختار وردّ المحتار (572/3).
ورأى ابن حزم أن الرجل يُنفِق على امرأته من حين يُعقد نكاحها؛ دُعي إلى البناء بها أو لم يُدعَ، ولو أنّها في المهد، ناشزاً كانت أو غير ناشز، غنيّة كانت أو فقيرة، ذات أبٍ كانت أو يتيمة، بِكراً أو ثيّباً، حُرّة أو أَمَة. (المحلى 88/10).
واتفق جمهور الفقهاء على أن نفقة الزوجة تصير دَيْناً في ذمّة الزوج إذا امتنع عن أدائها بعد أن وَجَبَت عليه، من غير قضاء القاضي ولا رضا الزوج؛ ولاتسقط إلا بالأداء أو الإبراء من الزوجة؛ كما هو الحال في سائر الدّيون. (المُغني 578/7).
وبعد، فهل هناك من يحفظ حق النفقة للزوجة كما يحفظه لها الإسلام؟
هل كانت الزوجة تحتاج إلى العمل وتعاني في سبيل كفاية نفسها وأولادها وأسرتها إذا عَمِل زوجها بما يأمر به الإسلام من تقديم نفقتها على جميع النفقات، وبإيجاب نفقتها وجَعْلها حقّاً لايمكن للزوج إلا أداؤه؟!
ألن تحوّل مليارات يُنفقها الرجال في المحرمات من اللهو والخمر والميسر، وفي المباحات من السفر والهوايات المختلفة، ألن تحوّل إلى الزوجات؟!
ألا يُشير هذا كله إلى تكريم الإسلام للمرأة أعظم تكريم، وحِفظه لها أكبر حفظ، وحمايته لمعيشتها الكريمة أحسن ماتكون الحماية؟
ألن تدخل كثير من النساء غيرُ المسلمات في دين الله حين يعلمن ماكَفَلَه لهن الإسلام، وما أوجبه على أزواجهن وآبائهن وإخوانهن وأبنائهن من نفقات لهن، نفقات تريحهن من العمل خارج البيت ومافيه من كدٍّ وتعب؟!
ثم ألن يسعد الرجال ويطمئنوا حين يستحضرون مايحصلون عليه من أجر وثواب على مايُنفقونه على زوجاتهم؟
ألن يَقيَهم هذا شُحّ أنفسهم، ويجعلهم أسخى وأكرم على زوجاتهم وأولادهم وأُمّهاتهم وأخواتهم؟

‏أخوكم 

محمد رشيد العويد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.