فراق بمعروغ وتسريح بإحسان – د. محمد رشيد العويد

فراق بمعروف و تسريح بإحسان
د.محمد رشيد العويّد
الطلاق حل لكثير من الزيجات الفاشلة التي لم يُكتب لها النجاح.
صحيح أن المُصلحين يسعون إلى منعه أو تأخيره أملاً في أن ينجح الزوجان في استعادة وِفاقهما ومواصلة حياتهما معاً؛ إلا أن الطلاق يبقى حلاً إذا لم يستجب الزوجان، أو أحدهما، إلى النصح والتوجيه.
ويكفي لتأكيد أهمية الطلاق في وضع حد لزواج فاشل أنه تشريع رباني أنزله سبحانه وبيَّنه في قرآنه الحكيم وعَرَض أحكامه (الآيات 225 إلى 232 من سورة البقرة) ونزلت سورة سُمّيت (الطلاق) وعَرَضَت أيضاً لأحكامه وشرحتها وبيَّنَتْها بياناً محكماً وافياً.
والمرجو من الزوجين اللذين يتطلّقان ألا ينسيا الفضل بينهما: 
‏﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ البقرة (237)،
وأن لا يجعلا الطلاق سبباً لأي إيذاء متبادل بينهما بأي صورة أو درجة: 
‏﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾الطلاق (2).
وهناك أمثلة واقعية لمواقف جميلة ونبيلة من أزواج حصلت زوجاتهم على أحكام بالطلاق؛ تستحق أن تُذكر لنتعلم منها دروساً في جعل الطلاق تسريحاً بإحسان ومفارقة بمعروف ؛
منها رجل وقف مذهولاً أمام القاضي مؤكِّداً أنه لم يكن يتوقع أن تصل الحال إلى المحكمة؛ وأنه كان يرفض طلب زوجته للطلاق لأنه يحبها كثيراً ولايستطيع أن يعيش يوماً واحداً بعيداً عنها. ثم أضاف قائلاً: لها ماأرادت، وأي حكم بالنفقة سأؤدّيه وأزيد فيه، فهم أبنائي وهي أمهم، والله أمرنا أن يكون التسريح بإحسان ‏﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ ، وأتمنى لها حياة سعيدة مع الأبناء.
رجل آخر أعلن أمام القاضي، الذي حكم بطلاق زوجته منه؛ أعلن تنازله عن بيته بكل ما فيه لزوجته وأبنائه، وأنه سيُقيم في بيت آخر، وذكر أنه إذا انتهى زواجهما بالطلاق فإن عِشْرة العمر التي كانت بينهما لايمكن أن تنتهي بالنسيان والنكران.
وامرأة طلبت من زوجها الطلاق لأنها لاتستطيع أن تواصل حياتها معه بعد أن علِمَت بعلاقة حب له مع زميلته، وطمأنتْه بأنها لن تخبر أحداً بسبب طلاقهما حرصاً منها عليه وستراً له.
ويُروى أن أحد الصالحين وقعت بينه وبين زوجته نزاعات كثيرة شاع أمرها بين الناس، فسأله بعضهم عما يشتكيه في زوجته؛ فقال لهم: العاقل لايكشف سِتر امرأته، فلمّا طلقها سألوه: ما عادت زوجتك فماذا كنت تشتكي منها؛ قال: لا أتكلم على امرأة خرجت من ذمّتي.
هكذا ينبغي أن يكون الوفاء لحياة زوجية دامت زماناً، قصيراً كان أم طويلاً، فهذا من الستر الذي أوصى به النبي (ﷺ) ووعد من يفعله بخير كثير: (من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة). متفق عليه.
وإذا كان هذا أجر الستر بين أي مسلمَيْن فكيف به بين الزوجين اللذين شبَّه الله ما بينهما بستر اللباس لصاحبه: ‏﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾، وأعظم فوائد اللباس ستره من يلبسه.
وعلى الزوجين ألا يقنطا بعد طلاقهما فقد وعدهما ربهما خيراً فقال عز وجلّ: ‏﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾. النساء (130)
قال القرطبي: أي وإن لم يصطلحا بل تفرقا فليُحسِنا ظنهما بالله؛ فقد يُقيِّض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسِّع عليها.
ورُويَ عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوّج، ثم جاء إليه وشكا الفقر؛ فأمره بالطلاق؛ فسُئل عن هذا فقال: أمرتُه بالنكاح لعلَّه من أهل هذه الآية: 
‏﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فلمّا لم يكن من أهل تلك الآية أمَرتُه بالطلاق فلعلّه من أهل هذه الآية: ‏﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ .
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ‏﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾:أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرّقا فإن الله يُغنيه عنها ويُغنيها عنه بأن يُعوِّضه الله من هي خير له منها، ويُعوِّضها عنه بمن هو خيرٌ لها منه، }وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا{ أي واسع الفضل عظيم المَنّ حكيماً في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.

‏أخوكم 

محمد رشيد العويد

Advertisements

بعد فراق ثلاث سنوات عادا زوجين سعيدين – د. محمد رشيد العويد

بعد فراق ثلاث سنوات عادا زوجين سعيدين
د.محمد رشيد العويّد
قالت تعرض استشارتها:
قبل ثلاث سنوات حدثت خلافات بيني وبين زوجي، وتطورت الخلافات إلى مشاجرات ونزاعات، فطلبت من زوجي أن يُطلقني فرفض؛ وبرَّر رفضه بأن هذه النزاعات طبيعية وتحدث بين أي زوجين، وأنه يمكن حلّها، وأكَّد لي أنه يحبني، لكني لم أستسلم لرفضه تطليقي، وكلَّفتُ محاميَّاً لإقامة دعوى طلاق من زوجي، والآن، وبعد مُضيّ سنتين على رفع الدعوى، حصلت على الطلاق.
قلت: حصلتِ على ما سعيتِ إليه، وانتصرتِ عليه، ففيمَ استشارتكِ؟
قالت: لم أشعر بالراحة كما كنتُ أتوقع، بل أحسست بشيء من الندم، ولذا جئت أستشيرك؛ هل أمضي في تنفيذ الحكم الذي حصلتُ عليه؟
قلت: عندك أولاد من زوجك؟
قالت: نعم، ولدان وبنتان.
قلت: كم يبلغون من العمر؟
قالت: بنت في الخامسة عشرة، وأخرى في الرابعة، وبينهما ولدان في الثامنة والثانية عشرة.
قلت: يحبون أباهم؟
قالت: نعم، وأبوهم يحبهم.
قلت: وأنت مازلتِ تحبين أباهم؛ صدقيني.
سكتت مُحْرَجة، لكني قرأت إجابتها في عينيها اللتين اغرورقتا بدموع خفيفة.
قلت: أنت تحبينه.
قالت: ولكن…
قلت: مهما فعل فأنت مازلتِ تحبينه، وأنا واثق أنه مازال يحبك.
قالت: لو كنت أحبه لما سعيتُ إلى الطلاق، ولو كان يحبني لفعل لي ما أريد…
قلت: أنت لم تسعي إلى الطلاق لأنك تكرهين زوجك، إنما سعيتِ إليه لتحصلي عليه بعد رفضه منحك إياه، وهذا نوع من أنواع تحدّيه ومواجهته لتحصلي على شيء من الأشياء التي كان يرفض تلبيتها لكِ.
سكَتَتْ ولم تقل شيئاً، لكن ملامح وجهها قالت (نعم).
قلت: ليتك تعطيني رقم هاتف زوجك .
قالت: تريد أن تتصل به؟
قلت: نعم.
قالت: ماذا تريد أن تقول له؟
قلت: أريد أن ترجعا معاً، هو يحتاجك وأنت تحتاجينه، وأبناؤكما يحتاجونكما معاً.
قالت: هل ترى هذا هو الأفضل؟
قلت: نعم، أنت مازلتِ تحبين زوجك فلماذا تدعين الشيطان يفرق بينكما.
* * *
اتصلتُ بزوجها بعد ذلك، وسمعتُ منه ما أكّد لي أنه مازال يحب زوجته رغم كل ما حدث، وأنه يتمنى أن ترجع إليه ويرجع إليها، وذكَرَ لي أنه حين أقامت زوجته دعوى طلب الطلاق نصحها بعدم إضاعة مالها على نفقات الدعوى، وأنه لن يكلف محامياً بإقامة دعوى في مقابل دعواها.
أخبرته باستشارة زوجته لي، وأنني تأكدت من أنها مازالت تحبه؛ ففرح، وعبر عن سروره بذلك.
أخبرته أنني أريد أن أجمعهما في لقاء عندي في محاولة أرجو الله أن يوفقني فيها للإصلاح بينهما، فأبدى ارتياحه لذلك، ووافق على الفور.
تمَّ اللقاء بين الزوجين عندي، وبارك الله فيه، وشرح سبحانه صدر الزوج وصدر الزوجة ليعودا زوجين من جديد، فالحمد لله الذي ألَّف بين قلبيهما، وأعادهما إلى مواصلة حياتهما الزوجية معاً بعد فراق استمر ثلاث سنوات.

‏أخوكم 

محمد رشيد العويد

أريد أن أقنعها برأيي – د. محمد رشيد العويد

أريد أن أُقنعها برأيي!
د. محمد رشيد العويد
قال: أريد أن أستشيرك في زوجتي.
قلت: تفضل.
قال: كيف أُقنعها بصواب رأيي.
قلت: وما هو رأيك الذي تريد أن تقنعها بصوابه؟
قال: ليس رأياً واحداً، إنها تخالفني في آراء كثيرة ولاتوافقني على أيٍّ منها.
قلت: ولمَ تعتقد أن آراءك صائبة كلها؟ ألا يمكن أن تكون زوجتك على حق في مخالفتها لك؟
قال: لا، لا، ليست دائماً على حق.
قلت: إذن هي أحياناً على حق.
قال: أحيان قليلة جداً.
قلت: وهل آراؤك التي تخالفك فيها متعلقة بأسرتكما؟
قال: بعضها، لكن أكثرها في قضايا الحياة العامة، والسياسة، والفِكْر….
قلت: ماذا تفعل حين تخالفك زوجتك في رأيك؟
قال: أغضب طبعاً، ويزداد غضبي حين تعاندني وترفض أن تنصاع للحق الذي أقوله، فيرتفع صراخنا ونتشاجر ويهجر أحدنا الآخر.
قلت: أرأيت؟ جِدالُكما يقتل ما بينكما من مودّة، ويخسر كل منكما الآخر حين تتهاجران.
قال: والحل؟ كيف أُقنعها برأيي؟
قلت: الحلّ في ألا تحرص على أن تُقنعها برأيك.
قال: أتركها تغلبني لتكون هي على حق..؟!
قلت: تركك الجدال لا يعني أنك صرت مغلوباً وأنها صارت غالبة.
قال: ستفهم هي سكوتي وانسحابي بأنه إقرار مني بأني لست على حق.
قلت: ألا يرضيك أنك بهذا تُرضي النبي (ﷺ)؟
قال: كيف؟ هل دعا النبي (ﷺ) إلى هذا؟
قلت: نعم، ووَعَدَ عليه ببيت في الجنة.
قال: لا أذكر ذلك.
قلت: أُذَكِّرك به؛ عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي (ﷺ) قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً). صحيح الجامع.
قال: أحفظ الحديث، ولكن هل يشمل ما يدور بيني وبين زوجتي من نقاش؟
قلت: طبعاً يشمله، فما الجدوى من محاولة إقناع زوجتك بقضية من القضايا السياسية، أو أن فلاناً من الناس على حق أم على باطل، وغير هذا وذاك مما لاصلة له بأسرتكما؟!!
قال: يصعب علي أن أتوقف عن إقناعها لأنسحب من أمامها وأنا متأكّد أنني على حق فيما أراه!
قلت: كأنك نسيت ما قال النبي (ﷺ) في آخر الحديث: (وإن كان محقّاً)؟!
قال: الله أكبر.. إي والله، هذا خير ما يجعلني أقفل الجدال: أخاطب نفسي: أنا على حق.. نعم.. ولكني أريد بيتاً في الجنة وعدني به النبي (ﷺ).
قلت: أحسنت، بارك الله فيك، هكذا تنتصر على الشيطان الذي يُزيِّن لك أن تواصل جدال زوجتك لتفحمها بصواب رأيك وخطأ رأيها.
قال: وبهذا أتقي ما يحدث بيننا من نزاع، وما يعقبه من هجران يغلبنا به الشيطان.
قلت: وإذا كنت تخشى أن تظهر مهزوماً مغلوباً أمام زوجتك فإنك تستطيع أن تُنهي ما يمكن أن يثور من جدال بقولك: ما علينا منهم، لايهمنا أمرهم، سواء كان فلان على حق أم على باطل، المهم قولي لي ماذا ستطبخين لنا اليوم من أكلاتك اللذيذة؟
أو تقول: هل تصدقين.. كادوا يشغلونني عن موعدي.. لقد تأخرت.. توصين على شيء أحضره لك؟.
وسوى هذه وتلك من العبارات الجميلة التي تُغلق بها ما يمكن أن يثور من جدال مرير.
قال: أشكرك، وإني لأرجو الله أن يوفقني في منع تكرار تلك المجادلات العقيمة التي تكاد تعصف باستقرارنا وزواجنا.
قلت: اللهم آمين.

‏أخوكم 

محمد رشيد العويد