زوجي يريد أن يتزوج – د. محمد رشيد العويد

زوجي يريد أن يتزوج
د. محمد رشيد العويد

اتصَلَتْ بي وهي تبكي حتى إنني لم أستطع معرفة ما تريد استشارتي فيه لشدة بكائها الذي غلب على كلامها.
قلت : هكذا لايمكنني أن أسمع شكواكِ ؛ فأرجوكِ توقفي عن البكاء حتى أستطيع مساعدتكِ .
هدأت قليلاً، ثم نجحتْ في السيطرة على بكائها فقالت : زوجي يريد أن يتزوج .
قلت: وكيف عرفتِ أنه يريد أن يتزوج ؟
قالت: هو أخبرني بذلك.
قلت: هل عرفتِ مَـن التي يريد أن يتزوجها؟
قالت : ليس هناك امرأة بعينها ، إنه يهددني بذلك .
قلت : وهل أخبرك بالسبب الذي يدفعه إلى الزواج؟
قالت : نعم.
قلت : ماهو ؟
قالت: ذَكَر أنني لا أعطيه حقوقه عليّ !
قلت : ولماذا لاتوفّينَه حقوقه عليك؟
قالت : والله لا أقصِّر معه في شيء، بيتي مرتب نظيف، أولادي أربيهم أحسن تربية، وهم فائقون في دراستهم، وأطبخ له أطيب الطعام بشهادته هو لي، وثيابه أغسلها وأكويها، لاينقص زوجي شيء.
قلت: وحقه في المعاشرة؟
قالت: لا أحبها، وأنفر منها.
قلت: وتقولين إنك توفينه جميع حقوقه؟!! إنك بامتناعك عن فراش زوجك تدفعينه دفعاً إلى الزواج، وإعطاؤه هذا الحق أهم من جميع ما ذكرتِه من نظافة بيتك وطيب طعامك وعنايتك بأولادك.
قالت: والحل؟
قلت: الحل واضح : أعطي زوجك حقه في الفراش ثم اتصلي بي بعد ثلاثة…
قاطَعَتْني : بعد ثلاثة أيام ؟
قلت : لا
قالت : بعد ثلاثة أسابيع ؟
قلت : لا
قالت : بعد ثلاثة أشهر.
قلت : بعد ثلاث معاشرات زوجية تُرضين بها زوجكِ وتعفِّينه.
اتصلت بي بعد أقل من أسبوع تقول: أنا التي اتصَلْت بك وأنا أبكي لأن زوجي يريد أن يتزوج امرأة ثانية.
قلت: نعم، أذكركِ.
قالت: أحببت أن أُبشرك بأنني عملت بنصيحتك.
قلت: وكيف تجدين زوجك الآن؟ هل مازال يرغب في الزواج من امرأة أخرى؟
قالت: توقف عن قول ذلك، وأخبرني أنه صَرَف النيّة عن الزواج الآن.
قلت: الحمد لله.
قالت: ولكني أخشى أن تعود إليه رغبته في الزواج مستقبلاً.
قلت: لن تعود إن شاء الله ما لم تعودي إلى امتناعك عن فراشه وتلبية حاجته إليك .

Advertisements

أكثر شيء يجمع الزوجين – د.محمد رشيد العويد

أكثر شيء يجمع الزوجين
د.محمد رشيد العويد
ما هو أكثر ما يجمع بين الزوجين؟
هل هي القرابة؟ كأن يكون الزوجان من عائلة واحدة، ابنا خالة، أو ابنا عم، أو هو ابن خالها وهي ابنة عمته، أو العكس؟
هل هي الثقافة؟ أو مجال الدراسة؟ أو المهنة كأن يكونا طبيبيْن أو مهندِسَيْن أو مُعلِّمَيْن؟
هل هي الميول والهوايات كأن يكون كل منهما مُحبَّاً للكتابة أو الرسم أو السفر؟
هل هي السن؟ كأن يكونا في سِنٍّ واحدة، أو متقاربة، لايتجاوز الفارق بين سنّها وسنّه سنتين أو ثلاثاً مثلاً؟
لا شك في أن جميع ما سبق قد يكون له دوره وتأثيره في الجمع بين الزوجين، لكن دراسة علمية أميركية رأت أن الدّين أكثر الأشياء التي تجمع بين الزوجين.
فقد توصّلت دراسة أجرتها جامعة رايس جون ألفردو إلى أن تردُّد الزوجين إلى دور العبادة، وحرصهما على أداء العبادات، تَقَدَّمَ جميع الأسباب الأخرى في التقريب بينهما، وفي المقابل فإن أكثر ما يباعد بينهما، ويزيد في نزاعهما، كَوْن أحدهما متديّناً والآخر ليس كذلك، أو أن دين أحدهما مختلف عن دين الآخر، أو مذهبه مختلف عن مذهبه.
وهذه النتيجة تُرجعنا إلى وصية النبي (ﷺ) باختيار ذات الدين، وتزويج من نرضى تديَّنه، كما جاء في الحديثين الشريفين التاليين:
قال رسول الله (ﷺ): (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه، إن لاتفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) الترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي. << رقم 270 في صحيح الجامع >>.
قال رسول الله (ﷺ): (تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك) متفق عليه.
إذن؛ الزوج (من نرضى خُلُقه ودينه)، والزوجة (ذات الدين)، الأول نزوِّجه، والثانية نسعى إليها لنظفر بها بالزواج منها، ونُقيم، من ثَمّ، أسرة مسلمة هانئة مستقرة.
لقد وجدنا النبي (ﷺ) يوجِّه إلى ذات الدِّين، وأن اختيارها دون غيرها هو خير ما يفعله الخاطب، يقول النووي رحمه الله: الصحيح في معنى هذا الحديث أن النبي (ﷺ) أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها ذات الدين، فاظفر أنت -أيها المسترشد- بذات الدين.
ويضيف النووي: وفي الحديث الحثّ على مصاحبة أهل الدين في كل شيء، لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم (شرح صحيح مسلم للنووي- حديث رقم 1466).
وكذلك الخاطب ذو الخلق والدين لايُردّ، لأنه يرعى زوجته، ويتقي الله فيها، وهو، كما قالوا، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها.
ولعل متسائلا: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نجد أزواجاً متديِّنين، وزوجات متديِّنات، تقع بينهم نزاعات، وينتهي زواج بعضهم إلى الطلاق؟!
والردّ على هذا التساؤل هو أن التديّن ليس في إقامة الشعائر، والتزام العبادات فحسب، بل هو أيضاً أخلاق وسلوك؛ أما قال النبي (ﷺ): (إنما بُعِثْتُ لأتمم صالح الأخلاق). صحيح الجامع.
بل إنه (ﷺ) يجعل الخُلُق الحَسَن يُكمل الإيمان، وكأن الإيمان ينقص إذا كان دون خُلُق؛ قال عليه الصلاة والسلام: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً، وخياركم خياركم لنسائهم). صحيح الجامع.
لقد وجدناه (ﷺ) يجعل خيار المؤمنين الذين يُحسنون إلى نسائهم.
ويؤكِّد (ﷺ) أهمية حسن الخُلُق حين يجعله أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حُسن الخُلُق). صحيح الجامع.
حتى إنه (ﷺ) يُقرِن حسن الخلق بتقوى الله، ويجعلهما أكثر ما يُدخل الناس الجنة فقد سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: (تقوى الله وحسن الخلق). صحيح الجامع.
هكذا يتضح تماماً أن التديّن يشمل الخُلُق الحسن، فإن فُقِد حُسن الخلق لم يتحقق التديّن الصحيح.

باع أُمَّه إرضاءً لزوجته فخسرهما معا -ً د.محمد رشيد العويّد

العلاقات الزوجية

باع أُمَّه إرضاءً لزوجته فخسرهما معاً

د.محمد رشيد العويّد

لم تهدأ النزاعات بين أمه وزوجته، وأخفَقَتْ محاولاته الكثيرة في التوفيق بينهما والتأليف بين قلبيهما. صار يستشير من حوله _ وهم يفتقرون إلى العلم والحكمة_ فأشار أكثرهم عليه بأن مستقبله هو الأهم، ومستقبله إنما هو مع زوجته؛ بينما أمه ماضية، وسرعان ما تموت، فعليه أن يؤثر هذه التي يجد حاجاته عندها. امتثل لنصائحهم، فوضع أمه في دار العجزة والمُسنين، وتفرّغ لزوجته وأولاده، وهو يحسب أنه ارتاح بهذا، لأنه ما عاد مشتّتاً بينهما، وصار همه محصوراً في غاية واحدة؛ وهي إرضاء زوجته. نسي هذا الأحمق أن كل ذنب قد يُؤجَّل عقابه إلى الآخرة إلا العقوق والظلم، فإن الله تعالى يعجل عقوبتهما في الدنيا، فعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي (ﷺ) قال: (اثنان يُعجِّلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين) صحيح الجامع. وهذا ما كان، فلم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى زادت الخلافات بين الزوجين، وتطورت إلى نزاعات شديدة بينهما، فقد صارت تتمرّد على زوجها الذي سألها: أما كنتِ تزعمين أن نزاعاتنا بسبب أمي، وأنكِ ستكونين لي خير زوجة لو خلّصتُكِ منها، وأبعدتها عنكِ؟! فردّت عليه: أصلاً لو كان فيك خير ما رميت أمك في دار المسنين. لم يحتمل كلامها، وهي التي دفعته إلى عقوق أمه، فضربها ضرباً مبرّحاً، تركت على إثره بيتها إلى بيت أهلها، وأقامت دعوى في المحكمة تطلب فيها الطلاق من زوجها للضرر. وبعد أشهر من جلسات المحكمة؛ حصلت الزوجة على حكم بتطليقها للضرر، وبحق حضانة أطفالها، مع نفقة مالية لها ولأولادها. وهنا أفاق الزوج وندم، ولكن هل ينفع الندم الآن؟! لقد عقّ أمه، ناسياً كل ما عانته من أجله منذ حمله، مروراً بإرضاعه وحضانته، ورعايته وتربيته حتى كبر وصار رجلاً، عاصياً الله الذي أمره ببرِّها والإحسان إليها: “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ” (14) لقمان، “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا” (15) الأحقاف. ولم يُحسن صحبتها كما أمر النبي (ﷺ) حين قال لمن سأله مَنْ أحقّ الناس بصحبته: (أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك) صحيح الجامع. إذن، كيف ينجح الزوج في كسْب أمه وزوجته معاً؟ يكون ذلك بما يلي: – الدعاء بأن يؤلِّف الله بين أمه وزوجته، ويُقرِّب بينهما، ويُبعد شياطين الإنس والجن عنهما. – وأن يتّقي الله فيهما: فلكل منهما حقوق عليه، وعليه أن يؤدِّي حقوقهما جميعها ولايُنقص منها شيئاً. – وأن يستعين بالله على ذلك فلا ينسب فضل ما يوفقه الله إليه لنفسه؛ بل يردّ الفضل كله لله حتى يزيده سبحانه من فضله. – يحذر من أن ينقل شكوى زوجته إلى أمه، أو أن ينقل شكوى أمه إلى زوجته، ولا أي كلام محزن صدر من إحداهما عن الأخرى. – مداراة كل منهما بالكلام الطيّب؛ فيذكر لكل واحدة منهما أنه يحبها ويؤكّد أنه لايمكنه أن يستغني عنها مهما حصل، وأنه يريد أن تكون كل منهما على وفاق مع الأخرى، لأن ذلك يسعده ويريحه ولا شك أن ما يسعده ويريحه لابد أنه يريح كلا منهما أيضاً، ويحقق لهم جميعا السعادة والاطمئنان. – ينقل ما تذكره كل منهما من خير عن الأخرى، ولو كان قليلا، ويزيد فيه، بل حتى يجوز له الكذب في ذلك وقول ما لم تقُلْه أي منهما عن الأخرى من خير بقصد الإصلاح بينهما؛ فقد أجاز هذا النبي (ﷺ) حيث قال: (ليس الكذّاب بالذي يُصلح بين الناس؛ فيُنمي خيراً ويقول خيراً) متفق عليه. قال العلماء: المراد هنا أنه يُخبر بما علمه من الخير، ويسكُت عمّا علمه من الشر. وهكذا يفعل الرجل العاقل الحكيم في الإصلاح بين أمه وزوجته، فيَنمو الحب في قلب كل منهما تجاه الأخرى، ويتبدد البغض وتزول الكراهية. وللأسف فإن كثيرا من الأزواج لايفعلون هذا بل يفعلون ضده، وينقلون لكل واحدة منهما شكوى الأخرى منها، غير منتبهين لما يؤدي إليه هذا من زيادة البغض وتفاقم المشكلة وازدياد النزاع.