باع أُمَّه إرضاءً لزوجته فخسرهما معاً – د.محمد رشيد العويّد

باع أُمَّه إرضاءً لزوجته فخسرهما معاً

د.محمد رشيد العويّد

لم تهدأ النزاعات بين أمه وزوجته، وأخفَقَتْ محاولاته الكثيرة في التوفيق بينهما والتأليف بين قلبيهما.

صار يستشير من حوله _ وهم يفتقرون إلى العلم والحكمة_ فأشار أكثرهم عليه بأن مستقبله هو الأهم، ومستقبله إنما هو مع زوجته؛ بينما أمه ماضية، وسرعان ما تموت، فعليه أن يؤثر هذه التي يجد حاجاته عندها.

امتثل لنصائحهم، فوضع أمه في دار العجزة والمُسنين، وتفرّغ لزوجته وأولاده، وهو يحسب أنه ارتاح بهذا، لأنه ما عاد مشتّتاً بينهما، وصار همه محصوراً في غاية واحدة؛ وهي إرضاء زوجته.

نسي هذا الأحمق أن كل ذنب قد يُؤجَّل عقابه إلى الآخرة إلا العقوق والظلم، فإن الله تعالى يعجل عقوبتهما في الدنيا، فعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي (ﷺ) قال: (اثنان يُعجِّلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين) صحيح الجامع.

وهذا ما كان، فلم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى زادت الخلافات بين الزوجين، وتطورت إلى نزاعات شديدة بينهما، فقد صارت الزوجة تتمرّد على زوجها الذي سألها: أما كنتِ تزعمين أن نزاعاتنا بسبب أمي، وأنكِ ستكونين لي خير زوجة لو خلّصتُكِ منها، وأبعدتها عنكِ؟!

فردّت عليه : أصلاً لو كان فيك خير ما رميت أمك في دار المسنين.

لم يحتمل كلامها، وهي التي دفعته إلى عقوق أمه، فضربها ضرباً مبرّحاً، تركت على إثره بيتها إلى بيت أهلها، وأقامت دعوى في المحكمة تطلب فيها الطلاق من زوجها للضرر.

بعد أشهر من جلسات المحكمة ؛ حصلت الزوجة على حكم بتطليقها للضرر، وبحق حضانة أطفالها، مع نفقة مالية لها ولأولادها.

وهنا أفاق الزوج وندم، ولكن هل ينفع الندم الآن؟!

لقد عقّ أمه، ناسياً كل ما عانته من أجله منذ حمله ، مروراً بإرضاعه وحضانته ، ورعايته وتربيته حتى كبر وصار رجلاً، عاصياً الله الذي أمره ببرِّها والإحسان إليها: “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ” (14) لقمان،

“وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا” (15) الأحقاف.

ولم يُحسن صحبتها كما أمر النبي (ﷺ) حين قال لمن سأله مَنْ أحقّ الناس بصحبته: (أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك) صحيح الجامع.

إذن، كيف ينجح الزوج في كسْب أمه وزوجته معاً؟

يكون ذلك بما يلي:

– الدعاء بأن يؤلِّف الله بين أمه وزوجته، ويُقرِّب بينهما، ويُبعد شياطين الإنس والجن عنهما.

– وأن يتّقي الله فيهما: فلكل منهما حقوق عليه، وعليه أن يؤدِّي حقوقهما جميعها ولايُنقص منها شيئاً.

– وأن يستعين بالله على ذلك فلا ينسب فضل ما يوفقه الله إليه لنفسه؛ بل يردّ الفضل كله لله حتى يزيده سبحانه من فضله.

– يحذر من أن ينقل شكوى زوجته إلى أمه، أو أن ينقل شكوى أمه إلى زوجته، ولا أي كلام محزن صدر من إحداهما عن الأخرى.

– مداراة كل منهما بالكلام الطيّب؛ فيذكر لكل واحدة منهما أنه يحبها ويؤكّد أنه لايمكنه أن يستغني عنها مهما حصل، وأنه يريد أن تكون كل منهما على وفاق مع الأخرى، لأن ذلك يسعده ويريحه ولا شك أن ما يسعده ويريحه لابد أنه يريح كلا منهما أيضاً، ويحقق لهم جميعا السعادة والاطمئنان.

– ينقل ما تذكره كل منهما من خير عن الأخرى، ولو كان قليلا، ويزيد فيه، بل حتى يجوز له الكذب في ذلك وقول ما لم تقُلْه أي منهما عن الأخرى من خير بقصد الإصلاح بينهما؛ فقد أجاز هذا النبي (ﷺ) حيث قال: (ليس الكذّاب بالذي يُصلح بين الناس؛ فيُنمي خيراً ويقول خيراً) متفق عليه.

قال العلماء: المراد هنا أنه يُخبر بما علمه من الخير، ويسكُت عمّا علمه من الشر.

وهكذا يفعل الرجل العاقل الحكيم في الإصلاح بين أمه وزوجته، فيَنمو الحب في قلب كل منهما تجاه الأخرى، ويتبدد البغض وتزول الكراهية.

وللأسف فإن كثيرا من الأزواج لايفعلون هذا بل يفعلون ضده، وينقلون لكل واحدة منهما شكوى الأخرى منها، غير منتبهين لما يؤدي إليه هذا من زيادة البغض وتفاقم المشكلة وازدياد النزاع.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s