لِنُنصت إليهم – د.محمد رشيد العويّد

لِنُنصت إليهم
د.محمد رشيد العويّد

في الإنسان حاجة فطرية إلى من ينصت إليه ويستمع له، ويهتم بحديثه، ويتفاعل معه، فيواسيه إن كان حزيناً، ويرشده إن كان حائراً، ويُجيبه إن كان سائلاً.
ولقد أدرك كثير من المهتمين بالتخفيف عن الناس ، وتقديم المشورة لهم ، أهمية الإنصات، فأعلنوا عن أرقام هواتف يمكن لمن يتصل بأحدها أن يجد من المتخصصين من ينصت إليه، ويهتم بسؤاله، ويتفاعل مع شكواه، ويرشده ويوجّهه.
في فرنسا مثلا؛ أنشأت جمعية (صداقة) خطاً هاتفياً ساخناً خلال عطلة رأس السنة وأعياد الميلاد، فبلغ عدد الاتصالات خلال تلك المدة القصيرة 701947 اتصالاً؛ بزيادة 150 ألف اتصال عن العام الذي سبقه، وتوقّع المسؤولون تواصل الزيادة في السنوات المقبلة.
وقال المشرفون على هذه الخدمة إنهم يقدمون نصائح محددة للمتصلين، ويشيرون عليهم، ويرشدونهم، ويتيحون لهم إطلاق مشاعرهم دون أي تدخل منهم أحياناً حتى تهدأ أعصابهم.
ولقد وفّرت هذه الخدمة عِدّة دول في الخليج، وفي مقدمتها دولة الكويت، فكانت ثمراتها طيِّبة نافعة.
لهذا أقترح أن نزيد عدد الأرقام الهاتفية التي تستقبل اتصالات الراغبين في الحصول على فتوى شرعية، أو استشارة في قضية تربوية أو زواجية أو اجتماعية.
وليت الصحف اليومية تساهم بالتطوع بنشر أرقام تلك الهواتف يوميّاً حتى تكون في متناول الجميع، ويُفضل أن تكون الأرقام قليلة الخانات حتى يسهل حفظها واسترجاعها عند الحاجة.
كما يحسُن أن تُسجَّل تلك المكالمات حتى يُراقِب المتصل والمُجيب مايقولانه، وأن يعلم المتصل ذلك قبل أن يبدأ في حديثه.
وأرى أن في هذا تأسِّياً بالنبي (ﷺ) الذي كان يُنصت إلى من يسأله أو يُحدّثه بحاجته ولايتركه حتى يتم عرضه لها؛ فعن ثابت بن أنس رضي الله عنهما أن امرأة كان في عقلها شيء قالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال:( يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. صحيح مسلم.
هكذا نجد النبي (ﷺ) يستجيب لها على الفور دون أن يؤجِّلها، وهذا ما يحتاجه كثير من الناس، فيجدون ذاك الاتصال الهاتفي يلبيهم دون حاجة منهم إلى أخذ مواعيد والخروج من بيوتهم.
كذلك وجدناه (ﷺ) يترك للمرأة حرية اختيار المكان الذي تريد حتى يسمع منها بعيداً عن الناس، وكذلك في الاتصال الهاتفي فإن المتصل يريد أن لايسمعه أحد آخر من الناس وأن لايعرفه.
قال النووي رحمه الله: في هذه الأحاديث بيان بروزه (ﷺ) للناس، وقُربه منهم، ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم، ويرشد مسترشدهم؛ ليشاهدوا أفعاله وتحرّكاته فيُقتدى بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور.
فلنستن بسنته (ﷺ)، وننصت لأحاديث الناس إلينا، ونهتم بحاجاتهم مِنّا، فننصحهم ونشير عليهم، ونواسيهم ونخفف عنهم، ونبشرهم.

Advertisements

قبل أن يقتلنا اللَّوْم – د.محمد رشيد العويّد

قبل أن يقتلنا اللَّوْم
د.محمد رشيد العويّد

ما أسهل لوْم الآخرين، وما أصعب سماعه وتلقِّيه.
ولقد قيل: اللَّوْم قتَّال.. لم يقولوا: قاتل بل قتَّال، بصيغة المبالغة، أي كثير القتل وشديد القتل.
ولا شك في أن اللَّوْم يقع بين الزوجين أكثر؛ لأنهما معاً وقتاً أطول من الوقت الذي يكون فيه أي اثنين آخريْن معاً، وهو لذلك أيضاً أسهل في إطلاقه وأصعب في استقباله، وهو من أكثر أسباب حدوث النزاع بين الأزواج.
يسعى اللائم إلى إعفاء نفسه من مسؤولية حدوث خطأ أو ضرر بإلقائها على الآخرين، وإذا كان يريح نفسه بتنصِّله من أي مسؤولية فإنه يؤلم الآخرين ويحزنهم ويحبطهم ويصدمهم بلوْمهم وتحميلهم مسؤولية ما حدث.
ولعل الآخرين يقابلون لائمهم بإرجاع اللوم إليه دفاعاً عن أنفسهم فيقولون: بل أنت السبب في ما حدث؛ ولولا أنك فعلت كذا وكذا لما حدث ما حدث .
وبذلك تنقدح شرارة نار جدال مدمِّر، ونزاع مرير يثير الضغائن ويحرق المودّة .
ولاتّقاء هذا كله علينا أن ندرب أنفسنا على هجر اللوم، لَوْم الآخرين، بالحرص على ما يلي:
– عدم الغضب، لأن الغضب يُفقد السيطرة على النفس، ويمنع التفكير السديد، ويجعل الإنسان يتهم غيره ويلومه.
– البدء بعبارة: (لعله خير)، أو (حصل خير)، أو (الحمد لله، هذا خير مما لو حدث كذا أوكذا)، أو (المهم طمنوني عن…).
– لوم النفس؛ كأن يقول: (الحق علي)، أو(هذا بسبب انشغالي بعملي..)، أو (يجب عليّ مستقبَلاً أن أُقلِّل من أسفاري…)… وهكذا.
– دعوة الجميع إلى التشاور لعلاج ما حدث أو تجاوزه بمثل هذه العبارة: (ماذا تقترحون أن نفعل الآن؟) أو (لنؤجل الحديث حول ذلك إلى ما بعد تناول الطعام….).
– التهوين ممَّا حدث ومواساة الجميع، كما قال يوسف عليه السلام لإخوته حين اعترفوا بخطئهم: ﴿…وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92)﴾.