لايغرَّنك صبرها – د.محمد رشيد العويّد

لايغرَّنك صبرها
د.محمد رشيد العويّد

مضى على زواجه عشر سنوات لم نجده خلالها يشكو شيئًا في زوجته، بل كان كثير الثناء عليها، يذكرها دائمًا بخير، ويحمد الله على أن رزقه زوجة صالحة مطيعة.

جاءني قبل أيام يخبرني أن زوجته تركت بيتها إلى بيت أهلها، بعد نزاع مرير وقع بينهما.

قلت: كنت تُثني عليها وتذكرها بخير!

قال: ومازلتُ أُثني عليها وأذكرها بخير.

قلت: ماالذي تغيّر؟

قال: ركنتُ على عطائها غير المحدود لي فلم أكن أقابل عطاءها بعطاء مثله؛ كنت أقابل اهتمامها بي بإهمالي لها، وصبرها العظيم بتسخّطي المستمر، وإيثارها لي بأنانيّتي، حتى فاض الكيل كما يقولون فكان انفجارها قبل أيام.

قلت: يعجبني اعترافك بأنك أخطأت حين أهملتها، ولم تُقدِّر عطاءها وتضحيّاتها، وكنتَ أنانيًّا رغم إقرارك بأنها كانت تؤثرك وأولادك على نفسها.

لمعت بعينه دمعه، وقال: لاألومها على ما فَعَلَتْ، بل ألوم نفسي.. لقد ظلمتُها.

هذا الزوج ليس فريدًا، إنه واحد من عشرات الألوف من الأزواج الذين يقابلون عطاءات زوجاتهم غير المحدودة بإهمالهم لهن، وبخلهم عليهن، وانصرافهم عنهن؛ حتى يأتي اليوم الذي يصل فيه صبرهن حَدّه، ويَنفَد عِندهن رصيد العطاء الضخم.

تساءل تقرير يتحدث عن هؤلاء الأزواج: إلى أي مدى يمكن أن تضحّي المرأة من أجل زوجها؟ وهل يمكن أن تستمر في التنازل لإرضائه دون أن يأخذ حاجاتها بعين الاعتبار؟!

وإذا كانت الحياة الزوجية تقتضي أن يُضحِّي أحد الزوجين لتستمر وتستقر فهل يجب أن تأتي التضحية من جانب الزوجة دون الزوج؟ هل يجب على المرأة أن تكون دائمًا هي التي تُعطي والرجل هو الذي يأخذ؟!

يرى استشاريو العلاقات الزوجية أن قدرًا من التضحية أمر ضروري في الحياة الزوجية؛ لكن هذه التضحية ينبغي أن تكون من كلا الزوجين من أجل سعادتهما معًا. أما أن تكون الزوجة هي التي تُعطي دون أن يقابل الزوج عطاءها فإن هذا وإن استمر زمنًا، عُرضة لانفجار مفاجئ ودون مقدمات.

كيف يتقي هؤلاء الأزواج وصول زوجاتهم إلى هذا الانفجار؟ى

لابد أولًا من أن لايغفلوا عنه، وأن يتوقعوه، حتى لا يسمحوا بوصول زوجاتهم إليه.

هذه اليقظة تمنعهم من الركون إلى صبر زوجاتهم عليهم، فيعملوا على كسب وُدِّهن، وإرضائهن، وذلك بما يلي:

التعبير المتكرر عن الشكر والامتنان تجاه مايَقُمْن به، وإبداء الرضا والإعجاب بعطائهن غير المحدود، وإظهار الرغبة الصادقة في مقابلة هذا العطاء بعطاء أكثر منه، أو مثله على الأقل.

ولايكتفي بالتعبير عن هذا بلسانه وحده، بل لابد أيضًا من التعبير العملي بالإكثار من الهدايا، وإعطاء المال، أو وَضعه في حسابها في المصرف إن كان لها حساب فيه.

كذلك اصطحابها في النزهات، والأسفار، ومُجالستها، ومُنادمتها، ومُسامرتها، فهذا يطمئنها بأنه قريب منها، لايشغله شيء، مهما كان، عنها.

وإذا اضطر للسفر وحده، فإن عليه ألا يقطع التواصل معها يوميًّا عبر الهاتف، يسألها عن حالها، ويُعبّر عن شوقه لها، ويعرض عليها أن يُحضر لها معه ماتشتهي من البلد الذي سافر إليه، حتى إن قالت إنها لاتشتهي شيئًا فإن عليه أن يختار ما يجده مناسبًا من هدايا لها ولأبنائهما وبناتهما.

ويبقى أن يشاركها، ولو قليلًا، في أعمال البيت وهو يصف جهدها المتميّز في عملها فيه مُبديًا إعجابه ورضاه وامتنانه.

هكذا يحول الأزواج دون وصول زوجاتهم إلى يوم ينفجرن فيه غاضبات ساخطات تجاه انشغال أزواجهن عنهن، وإهمالهم لهن، وعدم تقديرهم لعطائهن.

Advertisements

اضحكي عليه – د.محمد رشيد العويّد

اضحكي عليه
د.محمد رشيد العويّد

قالت: أريد أن أشتكي إليك زوجي!
قلت: ماذا تشتكين فيه؟
قالت: لايقبل نصحي.
قلت: بم تنصحينه؟
قالت: بأشياء كثيرة.
قلت: وماذا يشتكي هو فيكِ؟
قالت: يزعم أني طويلة لسان.
قلت: عرفت إذن لماذا لايقبل نصحكِ.
قالت: لماذا لايقبل نصحي؟
قلت: لابد أنكِ تنصحينه بأسلوب غير حكيم وهذا يرفضه أكثر الرجال حين يصدر عن زوجاتهم.
قالت: ماذا تعني بالأسلوب غير الحكيم؟
قلت: ما عبَّر عنه زوجك بطول اللسان.
قالت: هل صدَّقته في أن لساني طويل؟
قلت: هل تنتقصينه في نصحكِ وتواجهينه بعيوبه وأخطائه؟
قالت: ماالذي جعلكَ تظن ذلك؟
قلت: اتهامه لكِ بطول لسانكِ.
قالت: هل تراني طويل لساني بنصحي له؟
قلت: ليس بنصحكِ له ولكن بطريقتكِ فيه، لماذا لاتضحكين عليه؟
قالت: أنا لا أضحك عليه!
قلت: أعلم؛ ولهذا سألتك لماذا لاتضحكين عليه، ولم أقل لماذا تضحكين عليه!
قالت: تريدني أن أضحك عليه؟
قلت: قصدت لماذا لاتدارينه في نصحك بدلاً من مواجهته وانتقاده؟
قالت: وكيف يعرف خطأه إذا داريته؟
قلت: بالملاطفة والمودة.
قالت: لم أفهم! كيف أنصحه بملاطفة ومودّة؟
قلت: اذكري لي شيئاً مما تشتكينه فيه.
قالت: تأخّره المتكرر في العودة ليلاً.
قلت: وماذا كنتِ تقولين له في نصحك حتى يرجع مبكراً إلى بيته؟
قالت: أقول له أحياناً: أريد أن أعرف لماذا تُفضِّل أصدقاءك على زوجتك وأولادك؟
قلت: وماذا تقولين أيضاً؟
قالت: الأولاد يحتاجون متابعتك لهم وأنت تتركهم لي وحدي مع أن مسؤولياتنا تجاههم مشتركة.
قلت: وماذا أيضًا؟
قالت: أحيانًا ألومه وأتهمه بإهمال وجباته تجاه أسرته، وأنه لايصلح أن يكون أبًا.
قلت: هذه العبارات هي التي جعلته يصف لسانك بأنه طويل ومن ثَمَّ يرفض نصحك.
قالت: لكني أقول الحق..
قلت: لايكفي أن نقول الحق ليقبل منا الآخرون نصحنا لهم.
قالت: كيف؟
قلت: النبي (ﷺ) لايقول إلا الحق، ورغم هذا خاطبه الله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: لو كنتَ فظًّا غليظ القلب لتفرّقوا من حولك، وابتعدوا عنك، ولم يسمعوا كلامك، ولم يقبلوه.
قالت: وماذا كان عليّ أن أقول لأنصحه بترك السهر خارج البيت والعودة إليه مبكراً؟
قلت: الأولاد يسألون عنك كثيرًا ولايريدون أن يناموا حتى تأتي إليهم لتُقبِّلهم ويُقبِّلوك.
قالت: وماذا يمكن أن أقول له أيضًا؟
قلت: رغم أن الأولاد معي فإني أشعر بوَحْشة شديدة لأنك لستَ معي.
قالت: هذا جميل؛ لكن هل يجوز أن أقول له هذا إذا لم أكن أشعر به حقيقة؟ أليس هذا كذبًا؟
قلت: ليس كذبًا محرّمًا.
قالت: كيف يكون كَذِبًا ولايكون مُحرّمًا؟
قلت: عن أمّ كلثوم بنت عقبة قالت: (ماوجدتُ النبي (ﷺ) يُرخِّص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها). صحيح مسلم.
قالت: والعبارات التي نصحتني بقولها هي مما يُحدِّث به الرجل امرأته وتُحدِّث به المرأة زوجها.
قلت: نعم، بارك الله فيكِ.
قالت: جزاك الله خيرًا، سآخذ بنُصحك وأُغيِّر أسلوب نصحي لزوجي.