نزاع مالي بين زوجين – د.محمد رشيد العويّد

نزاع مالي بين زوجين
د.محمد رشيد العويّد

جلس الزوجان أمام الاستشاري يعرضان عليه نزاعاتهما حول إنفاقهما على أسرتهما، فالزوجة تعرض حقها على زوجها بأن يُنفق عليها مهما كانت تملك من مال، وتؤيّد حقها هذا بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه الصلاة والتسليم، والزوج يرد بأنه لايُنكر شيئًا من هذا، لكن ما يُنكره هو أن زوجته تعمل في وظيفة مرتبها فيها يفوق مرتبه، وأنها لاتُسهم بأي قدر منه في الإنفاق على البيت رغم أن هذا كان شرطه عليها حين أَذِن لها بالعمل.

قال لهما الاستشاري: لستُ من أهل الفتوى لأفتيكما بما يُحدِّد من منكما على حق، لكني أُريد أن أسألكما: هل أحضرتم الأولاد الذين معكما في البيت من الملجأ؟!

نظر الزوجان مستنكرين سؤال الاستشاري، ثم قالت الزوجة: ماذا تقول يا دكتور؟! هؤلاء أولادنا، حملتُ كل واحد منهم تسعة أشهر في بطني ثم أرضعته وربّيته وعلّمته.

التفت الاستشاري إلى الزوج يسأله: هل توافق على كلام زوجتك وتؤيده؟

قال الزوج: طبعًا يا دكتور، هؤلاء أولادنا ولم نحضرهم من ملجأ، ولا مِن أي مكان آخر، وهم فلذات كبدي، وأنا لاأبخل عليهم بشيء.

قال الاستشاري: هذا جميل.. وما دمتما متفقين على ذلك، وما دمتما تحبان أولادكما هذا الحب العظيم، فما كان ينبغي أن تختلفا في الإنفاق عليهم، بل كان عليكما أن تتنافسا فيه؛ لأن ما يُنفقه كل منكما على أسرته خير له من أي إنفاق آخر، كما يخبرنا النبي (ﷺ) في حديثه الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرًا الدينار الذي أنفقته على أهلك) صحيح مسلم.

قال الزوج: إنما أريد أن أدّخر لهم.

قال الاستشاري: خير ادّخار لهم هو تعليمهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، فهذا الذي يبقى، أما المال فقد يذهب ولايبقى، بل حتى صلاحك أنت خير لهم، وبه يحفظ الله لهم أموالهم؛ كما تعلمنا من سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.

قالت الزوجة: لم ينفع الأب ادخاره لأولاده بل الذي نفعه صلاحه ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ﴾.

قال الزوج: كذلك لم تنفعه إرادته في وصول الكنز إليهما لأن مَنْ أوصله لهما إنما هو الله سبحانه: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.

قال الاستشاري: أحسنتما، بارك الله فيكما، ولعلكما لاحظتما قوله تعالى ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾؛ فرحمة والديهما لم تنفعهما في إيصال الكنز إليهما؛ بل نفعتهما رحمة الله الذي هو أرحم بهما من والديهما.

قال الزوج: أقرأ سورة الكهف كل يوم جمعة، ولم أكن أُدرك ما تُرشد إليه هذه الآية الكريمة كما أدركته اليوم.

قالت الزوجة: بعدما سمعتُ منك ما سمعتُ يا دكتور؛ أشهدك أنني سأُسهم بنصف مرتبي في الإنفاق على أولادي، وأُساعد زوجي في الإنفاق عليهم.

قال الزوج: وأنا أعدُكِ أن لاآخذ من مُرتَّبكِ إلا ما يكفيني.

قال الاستشاري: الحمد لله الذي هداكما لهذا ووفقكما إليه، وأحب أن أبشركما بأن صلاحكما لايحفظ الله به المال لأولادكما فحسب، بل أكثر من ذلك كما جاء في تفسير الآية.

قالت الزوجة: ليتك تفضّلتَ بإخبارنا به.

قال الاستشاري: قال العلماء في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذُريَّته، وتشمل بركة صلاحه لهم الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم، ورَفْع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقرّ عينه بهم.

قال الزوج: أشكرك شكرًا جزيلًا.

قالت الزوجة: جزاكَ الله خيرًا.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.