الزوجان وفقدان الامتنان – د.محمد رشيد العويّد

الزوجان وفقدان الامتنان
د.محمد رشيد العويّد

أكثر مزالِق النزاع بين الزوجين ترجع إلى فُقدان الامتنان؛ فتجدهما غير راضيين، يُكثِر كل منهما التعبير عن سخطه من الآخر، وعدم رضاه عنه، واتهامه بتقصيره نحوه. يحتاج كل من الزوجين أن يجد صاحبه شاكراً له، راضياً عنه، ممتناً لما يفعله من أجله، سعيداً بعَيْشِه معه. لقد ذكر مشاركون في إحدى الدراسات أن سعادتهم زادت 25% حين صاروا يشعرون بالامتنان على مدى عشرة أسابيع. ليست السعادة وحدها ثمرة للامتنان، فهناك ثمرات أخرى مهمة ومنها سداد التفكير وجَعْله إيجابياً، ومن ثَم تجنُّب كثير من التصرفات الخاطئة الناتجة عن التفكير السلبي. ومن فوائد الامتنان أنه يجعل الزوج الآخر قادراً على تقديم مزيد من العطاء، وبذل جهد أكبر، ذلك أن الامتنان الذي أظهره صاحبه وعبَّر عنه يجعله مُتحمّساً، على العكس من الإحباط الذي يشعر به حين يُظهِر صاحبه السخط ويُبدي عدم الرضا.
ومن فوائده كذلك أنه يُبعِد المادية، ويُقلِّل من التعلُّق بها والحرص عليها، فالزوجة التي تجد زوجها غير ممتن لها، ولِما تُقدِّمه له، تفتقد الأمان وحين تفتقد الأمان تسعى إلى الحصول على مزيدٍ من المال حتى يعوّضها عن نقص الأمن حين صار زوجها شاكياً ساخِطاً.
ومن ثمرات الامتنان المهمة أنه يقي كثيراً من حالات الغضب الناتجة عن الإحباط، ذلك أن الإحساس بالسعادة والأمان والرضا … يدفع الغضب بعيداً جداً. خاصة حين يعبّر أحد الزوجين عن عدم رضاه عن أمر؛ لكنه يُتبِعه بتعبيره عن امتنانه لأشياء كثيرة قدّمها له صاحبه وكأنه يقول له: صحيح أن هذا التصرّف لايُرضيني، لكني مُمتن لكل ماألقاه منك وأجده عندك من اهتمام وحب ورعاية. وفي كل الأوقات، حتى الأوقات التي لايكون فيها توجيهُ نصحٍ أو إبداء رأي؛ فإن تعبير أحد الزوجين عن الامتنان الدائم والمتكرر للآخر؛ يُعطيه مناعة وقبولاً لأي نصح أو طلب.
إن الامتنان يبني في النَفس ما قد يهدمه كثير من التصرُّفات الخاطِئة والكلمات الجارحة، ويُداوي آلاماً وأحزاناً تُهدّد الحياة الزوجية.

Advertisements

زوجان كبيران – د. محمد رشيد العويد

زوجان كبيران
د.محمد رشيد العويد
زوجان كبيران تجاوزا الخمسين من العمر، أو الستين، أو ما فوقها، هل يمكن أن يكونا سعيدَيْن؟
وأرى أن الإجابة هي نعم، بل إني أقترح تغيير صيغة السؤال وتبديل كلمةٍ فيه وهي (يمكن) لتكون: (يجب)، ليصبح السؤال: هل يجب أن يكونا سعيدَيْن؟
والإجابة أيضًا هي: نعم، يجب أن يكون الزوجان الكبيران سعيدَيْن.
ولا أشك في أن كثيرين سيعترضون ويسألون: لماذا يجب أن يكونا سعيديْن وقد مضى بهما قطار العمر؟! إن الأزواج الشباب أجدر منهم بهذه السعادة!
والردّ على ذلك هو أن الزوجين الكبيرين صارا أنضج عقلًا، وأقل غضبًا، وأوسع صدرًا.. صارا يمتلكان قدرًا غير قليل من حكمة الشيوخ.
كذلك فإن الدنيا التي كان يمكن أن يختلفا عليها، ولعلهما سبق أن اختلفا عليها كثيرًا، بدَأتْ تُولِّي عنهما مدبرة، فما بقي لهما فيها _في الأغلب_ أقل مما مضى منها.
إضافة إلى أن الشهوات المختلفة عندهما هدَأَتْ أو سَكَنَتْ أو انطفأَت، وبعض تلك الشهوات هي التي تكون وراء نزاعات بعض الأزواج الشباب الذين يمكن أن تفتنهم نساء يغوينهم ويهدمن بيوتهم، لهذا توعَّد النبي ﷺ الشيخ الزاني وجعله أول الثلاثة الذين لايكلمهم الله ولاينظر إليهم ولايزكيهم ولهم عذاب أليم؛ قال ﷺ: (ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة، ولايُزكيهم، ولاينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذّاب، وعائلٌ مُستكبر) صحيح مسلم، واعتبر النبي ﷺ المرأة أضرّ فتنة على الرجل: (ماتركتُ بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من النساء) متفق عليه.
والزوجان الكبيران حقّقا أكثر آمالهما في الدنيا، فقد كبر الأبناء والبنات، ولعل بعضهم تزوج وأنجب، فصار الزوجان جَدَّيْن يفرحان بأحفادهما الذين صاروا مصدر بهجة وسعادة لهما، وما عاد السعي إلى المال وجَمْعِه همّهما، وما عادا يختلفان عليه كثيرًا، أو هذا ما يجب أن يكونا قد صارا إليه.
واقتراب الموت الذي هو غاية كل حي، يجعل الزوجين أزهد في الدنيا، وأكثر استعدادًا للقاء ربهما، فيجب عليهما أن ينشغلا بمقتضيات ذلك؛ من أداءٍ لفريضة الحَجّ إن لم يكونا قد أدّياها، وزيادة العمرات، والخشوع في الصلاة، يفعلان هذا وأكثر منه بعد أن بلغا سنًّا تُوجِب عليهما أن يستدركا ما فاتهما، قال النبي ﷺ: (أعذَر الله إلى امرئ أخَّر أجَلَه حتى بلغ ستين سنة) صحيح البخاري.
ومن الساعات الجميلة السعيدة التي يعيشها الزوجان الكبيران معًا أوقات استرجاع ماضيهما السعيد، وذكرياتهما معًا، سواء بالحديث عنها، أو بعرض أشرطة فيديو صوّراها لهما ولأولادهما في مراحلهم العمرية المختلفة، وكذلك بإخراج ألبومات الصور وتصفُّحها، ولاشك في أن ذلك سيُثير فيهما مشاعر إيجابية طيّبة، ويرسم على شفاههما ابتسامات السعادة والسرور.
ولاحرج على الزوجين الكبيريْن من بعض اللهو المباح، إن لم يكن يجب عليهما القيام به، ولنا في النبي ﷺ أُسوة حسنة في ذلك؛ فقد سابق زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها مرتين وكان ﷺ قد تجاوز الخمسين من عمره بسنوات؛ فَعَن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر، قالت: سابقني النبي ﷺ فسبقته، فلبثنا؛ حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبَقَني، فقال: (هذه بتلك) صحيح الجامع.
قال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل: هذا من حُسن خُلُقِه ﷺ مع أهله، وملاطفته لهم، وحسن المعاشرة، وفيه جواز المسابقة على الأقدام، وفيه إدخال السرور على زوجته بما يؤنسها، وهي سَبَقته في المرة الأولى لأنها كانت خفيفة لم تحمِل من اللحم مايُثقلها ويمنعها من قوة الجري؛ فلهذا سبَقَتْه. فصبَر لها ﷺ، فلما كان بعد مدّة، وجاءت مناسبة أخرى سابقها، وكانت في هذه المرة قد حمَلَت من اللحم، وسمُنتْ، وأرهقها اللحم يعني أثقلها، فسبقها هذه المرة، فقال ﷺ تطييبًا لخاطرها: (هذه بتلك)، يعني: هذه السبْقة مني مقابل سبقتك الأولى لي، فحصل التعادل.
هكذا ينجح الزوجان وقد تقدم بهما العمر _أو حتى بأحدهما دون الآخر_ في إسعاد نفسيهما، وإبعاد النزاعات والشجارات عنهما.
وأخيرًا فإنه يحسُن بالزوجَيْن الكبيريْن في السِنّ أن يكونا كبيرَيْن في كل شيء، في حِلمهما، في صبرهما، في تغاضيهما، في حبهما، وفي تسامحهما.