أيها الزوجان لاتخسرا رمضان (1) – د.محمد رشيد العويّد

أيها الزوجان لاتخسرا رمضان (1)
د.محمد رشيد العويّد

إذا كانت المشاعر السلبية تثور في النفس، وتدفع كُلًّا من الزوجين إلى مقاومة الآخر؛ فإن شهر رمضان فرصة ذهبية لجعلهما متصافيَيْن، متوادَيْن، متراحميْن.

ففي رمضان يسعى المسلم إلى كسب الأجر بكل ما يؤدّيه من عبادات وطاعات لله، في مقدمتها الصيام الذي بشرنا النبي ﷺ بأنه يُذهب ما يُصيب القلب من غيظ وحقد ووساوس، فعن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس والنَّمر بن تولب رضي الله عنهم جميعًا أن النبي ﷺ قال: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يُذهبن وَحَرَ الصدر) صحيح الجامع.

و (وَحَر الصدر) كما جاء في شرح الحديث هو: مايُصيب قلب الإنسان من غيظ وكَدَر، فالغيظ هو بداية ضيق أحد الزوجين بصاحبه وبغضه له، والكدر هو حُزنه منه وإحباطه تجاهه.

وقال السيوطي: (وَحَر الصدر) غشه ووساوسه، وقيل: الحقد والغيظ، وقيل: العداوة، وقيل: أشد الغضب.

وهذه جميعها أحاسيس ومشاعر سلبيّة يمكنها أن تُوقِع البغضاء بين الزوجين ثم الهجران والقطيعة.

إن ما يحسُن بالزوجين، بعد أن يتَلقّيا هذه البشارة من النبي ﷺ، أن يعيشاها، ويحققاها، فيمنعا أي إحساس سلبي _من غضب وبغض وعداوة_ أن يُنغّص عليهما روحانيات الصيام، وهما يذكران أن أجر الصوم لله وهو سبحانه يجزي به، كما جاء في الحديث؛ قال ﷺ: (كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله عزّ وجلّ: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) صحيح مسلم.

فحتى يزيد ثوابكما من صيامكما، عليكما أن تضاعفا صبركما؛ صبر كل منكما على الآخر، على ضيقه منه، وغضبه عليه، وإيذائه له، حتى يحسُن صيامه، ويضاعف له سبحانه أجره أضعافًا مضاعفة، فالصوم لله وهو سبحانه يجزي به كما جاء في الحديث، فلماذا تُضيعان هذا الثواب العظيم في رمضان هذا العام، ومن يدري فقد لانُدرك رمضان في العام المقبل!

ولو تأملنا لفظ (وَحَر) الذي جاء في الحديث النبوي لأحسسنا بمعانيه السلبية، فالحاء والراء (حر) يُشعراننا بحرارة الصدر، وعدم برودته وصفائه، وكأن نارًا تشتعل فيه فتؤذيه وتؤذي صاحبه.

أمر آخر يجب أن يستحضره الزوجان وهما يتركان الشراب والطعام ولايتركان النزاع والخصام؛ هذا الأمر هو أن الله سبحانه ليس في حاجة إلى أن يدعا طعامهما وشرابهما دون أن يدَعَا تبادلهما الكلمات القاسية والألفاظ القبيحة.

قال النبي ﷺ: (من لم يدَع قول الزُور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) صحيح البخاري.

وقال عليه الصلاة والسلام: (رُبّ قائم حظه من قيامه: السهر، ورُبّ صائم حظه من صيامه: الجوع والعطش) صحيح الجامع.

وقال جابر بن عبدالله الأنصاري: إذا صُمت فليَصُم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، والمأثم، وَدَع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولاتجعل يوم فِطرك ويوم صومك سواء.

وقال ميمون بن مهران: إن أهون الصوم تركُ الطعام والشراب.

وعليه فإني أقترح عليكما أيها الزوجان الغاليان أن تتوقفا خلال أيام رمضان عما يلي:

– الكلام المؤذي القاسي النابي، فلايصدر منكما تجريح أو سخرية أو شتم.

– الغضب الذي يفقد فيه الإنسان سيطرته على نفسه.

– الصوت العالي مِن صراخ وزعيق.

– عبوس الوجه، وتقطيب الجَبين.

وفقكما الله أيها الزوجان الغاليان إلى النجاح في الامتحان.. امتحان رمضان

Advertisements

كيف أكون أبًا مثاليًّا (5) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًّا (5)
د.محمد رشيد العويّد

قال: شرحتَ لي كيف أتحلّى بالرفق في تربية أبنائي وتعليمهم، فجزاكَ الله خيرًا، وأرجو اليوم أن ترشدني كيف أُعلّمهم الرفق ليكونوا هم رفقاء بالناس .

قلت: ليس بالناس وحدهم، بل رفقاء بكل ما حولهم من بشر وحيوانات وأشياء.

قال: أشياء؟!! وهل للأشياء مشاعر حتى يتعلموا الرفق بها!؟

قلت: ألا تذكر حديث حنين الجذع للنبي ﷺ ؟

قال: صلى الله عليه وسلم.. بلى أذكره.

قلت: اقرأه على أبنائك وعلِّمهم أنه ما مِن شيء في السماوات والأرض إلا يُسبِّح بحمده سبحانه.

قال: ليتك تُذكِّرني بنص الحديث

قلت: عن جابر رضي الله عنه قال: (كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل؛ فكان ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبر، وصار يخطب عليها، سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار (الناقة) حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت، وفي رواية لأنس: حتى ارتجَّ المسجد لخواره، وعن سهل بن سعد: وكثُر بكاء الناس لِما رأوا من بكاء وحنين، وعن أُبيّ بن كعب: حتى تصدع وانشق (لشدة بكائه وحنينه)، وفي رواية البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن هذا بكى لما فقد من الذِّكر).

قال: سبحان الله، ما أعظم رفقه ﷺ يرفق بكل شيء.

قلت: حتى الدراسات العلمية الحديثة تؤكّد أن النبات يشعر كالكائن الحي من إنسان وحيوان.

قال: وعلى هذا فإن الأب المثالي يستعين بهذا في تعليم أولاده الرفق بكل نبات الأرض فلا يُتلفه ولايقطعه ولايدوسه بقدمه.

قلت: نعم، هذا من الرفق الذي ينبغي على الأب أن يُربي أبناءه عليه.

قال: والرفق بالحيوان؟

قلت: غير قليل من الأطفال يؤذون الحيوانات حتى وهم يلعبون معها، ولابد من تعليمهم الرفق بها، وأن النبي ﷺ كان يفعل هذا ويأمر به.

قال: وكيف نُعلّمهم الرفق بها وننهاهم عن إيذائها؟

قلت: لعل أكثر لهو الأطفال بالقطط، وخير حديث للنبي ﷺ في التحذير من إيذائها حديثه الذي أخرجه البخاري ومسلم ، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (دخَلَت امرأة النار في هرة ربطتها؛ فلم تُطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت).

قال: لاشك في أن هذا الحديث الشريف يُخوِّف من يُعذِّب الحيوان الأليف، فهل من حديث يُبشِّر الذي يرأف به ويعطف عليه؟

قلت: حديث الرجل الذي سقى كلبًا فشكر الله له وغفر له.

قال: لو تلوته علي جزاك الله خيرًا.

قلت: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بِطَريق؛ اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرِب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خُفّه ماء، ثم أمسكه بِفِيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له)، قالوا: يا رسول الله؛ وإن لنا في هذه البهائم لأجرًا؟ فقال ﷺ: (في كل كبدٍ رطبة أجر).

قال: هل لي أن أسألك عن درجة الحديث؟

قلت: أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

قال: بقي تعليمي أولادي الرفق ببعضهم.

قلت: إذا تعلموا الرفق بالحيوان والنبات فأخبرهم أن رفقهم ببعضهم أولى وأعظم.

قال: وهل من حديث نبوي في ذلك؟

قلت: أكثر من حديث؛ منها قوله ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) متفق عليه،

وحديثه ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لايُعطي على العنف، وما لايعطي على ما سواه) صحيح مسلم،

وقوله ﷺ: (إن الرفق لايكون في شيء إلا زانَه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه) صحيح مسلم.

قال: بعد هذا كله أجد نفسي أقول: إن الإسلام دين الرفق.

كيف أكون أبًا مثاليًّا (4) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًّا (4)
د.محمد رشيد العويّد

قال: وعدتني أن تُحدّثني عن خُلُق مهم من أخلاق الأب المثالي.

قلت: صحيح.. خُلُق الرفق.. الذي يجب أن يتحلى به الأب أولًا، ثم يربي أولاده عليه.

قال: كيف يكون الأب رفيقًا؟

قلت: لابد في كل خُلُق أن نرجع إلى أسوتنا النبي (ﷺ).

قال: ولكن أولاد النبي (ﷺ) ماتوا صغارًا جدًا، فكيف نعرف رفقه بالأبناء؟

قلت: الرفق ليس بالأولاد الذكور فقط بل بالبنات أيضًا. ثم إن رفقه (ﷺ) بأطفال المسلمين وأبنائهم يكفي لنتأسى به.

قال: صدقت.

قلت: لقد خدم أنس بن مالك النبيَّ (ﷺ) عشر سنين، ومنه نستطيع أن نُحيط بشيء من رِفقه (ﷺ) فقد قال أنس رضي الله عنه: (لقد خدمتُ رسول الله (ﷺ) عشر سنين، فوالله ما قال لي أفٍّ قط، ولم يقل لشيءٍ فعلته لمَ فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلتَ كذا). صحيح مسلم.

قال: لعلّ أوضح شيء نقتبسه من حديث أنس رضي الله عنه أنه (ﷺ) لايتأفّف من الصغار؛ كما جاء في قول أنس (فوالله ما قال لي أفٍّ قطّ).

قلت: أحسنت، لكني أحب أن أضيف أنه (ﷺ) لم يكن يتأفّف من الصغار ولا من الكبار.

قال: ومِن رِفقِه (ﷺ) فيما ذكرت من حديث أنس رضي الله عنه أنه ما كان يلوم على أي فعلٍ، سواء وقع أم لم يقع.

قلت: وهذا أيضًا من الرفق بالأبناء الذين يعانون كثيرًا من تقريع آبائهم لهم: لو فعلتم كذا ما صار كذا، أو: لو لم تفعلوا ذلك لما حدث هذا.

قال: وهم يخالفون بهذا وصيته (ﷺ) في حديث آخر له عليه الصلاة والسلام يقول فيه: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولاتعجز، فإن أصابك شيء فلاتقل: لو أني فعلتُ كذا لكان كذا وكذا؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، ولكن قل: قد قدَّر الله وما شاء فعل).

قلت: بارك الله فيك.. حين يجد الأبناء أباهم لايلومهم، ولايلوم نفسه، فإنهم يتربّون على هذا، وهو من أعظم خصال الرفق بالنفس وبالأبناء، لأن اللوم قتّال.

قال: ماذا أيضًا عن رِفقِه (ﷺ)؟

قلت: أختار رِفقِه (ﷺ) بالفتى الذي جاء يستأذنه في الزنا، ففيه إشارات توجيهية كثيرة إلى الآباء والمعلمين والمربِّين.

قال: تفضل.

قلت: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شابًا أتى النبي (ﷺ) فقال: يارسول الله.. ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مَهْ.. مَهْ،

فقال (ﷺ): ادنُ، فدنا منه قريبًا، فجلس،

قال (ﷺ): (أتحبه لأمك؟) قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك،

قال (ﷺ): (ولاالناس يحبونه لأمهاتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لابنتك؟)

قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): (ولا الناس يحبونه لبناتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لأختك؟)

قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): (كذلك الناس لايحبونه لأخواتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لعمتك؟)

قال: لا والله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): ولا الناس يحبونه لعماتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لخالتك؟)

قال: لا والله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): (ولا الناس يحبونه لخالاتهم)، ثم وضع النبي (ﷺ) يده الشريفة عليه وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه)، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء، وفي رواية (فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا).

قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. ما أرحمك وما أحلمك.

قلت: لقد كان رفقه (ﷺ) ظاهرًا واضحًا فلم يصرخ في الفتى، ولم يؤنّبه ولم يوبّخه، ولم يبعده عنه بل قرّبه إليه: (ادنُ)، وتركه يجلس فلم يأمره بالوقوف كما قد يفعل بعض الآباء والمعلمين، وحاوره حوارًا هادئًا رفيقًا دعاه خلاله إلى أن يضع نفسه موضع من يريد الزنا بها، مثل ابنها وأبيها وأخيها وابن أخيها وابن أختها حتى يُنبّهه إلى أنه كما لايرضى أن يزني أحد بأمه وابنته وأخته وعمته وخالته فإن الناس كذلك لايرضونه ولايحبونه لأمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم.

قال: ليس بعد هذا الرفق رفق.

كيف أكون أبًّا مثاليًّا (3) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًّا مثاليًّا (3)
د.محمد رشيد العويّد

قال: ذكرتَ لي أنه مازال هناك ما تخبرني به من أخلاق الأب المثالي.

قلت: الأب المثالي يُربّي أبناءه ليكونوا مسلمين كما أراد الله سبحانه ورسوله (ﷺ).

قال: أعرف آباء لايُبالون أصلَّى أبناؤهم أم لم يُصَلوا!

قلت: وأعرف آباء يُشجعون أبناءهم على اللّهو وهم يقولون: (خلهم يستمتعوا بشبابهم)!

قال: هؤلاء وأولئك ليسوا بمثاليين.

قلت: بالتأكيد.

قال: ولعلّ الصلاة أهم ماينبغي أن يتابعوا أبناءهم فيها؟

قلت: نعم، ينبغي أن يأمروهم بها ويعلموهم إياها وهم أطفال كما قال (ﷺ): (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها). صحيح الجامع.

قال: أذكر رواية أخرى للحديث بصيغة الجمع:(مُرُوا أولادكم).

قلت: نعم، ونَصّ الحديث: (مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع). حديث حسن.

قال: هل هذه مسؤولية الآباء وحدهم أم مسؤولية الأمهات أيضًا؟

قلت: لا شك في أن الأمهات مسؤولات أيضًا، فالأمهات أقرب إلى الأبناء والبنات، وأطول مكثًا معهم من الآباء الذين يطول بقاؤهم خارج البيت.

قال: الأمر إذن في حديثه (ﷺ) (مروا أولادكم) موجَّه للآباء والأمهات؟

قلت: نعم، ويؤكّده حديثه (ﷺ): (كلكم راعٍ وكُلكم مسؤول عن رعيته)، فقد جاء فيه: (والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها). متفق عليه.

قال: أريد أن أسألك عن ضرب الأولاد إذا لم يُصلُّوا حين يبلغون العاشرة.

قلت: لابد أولًا من عدم التعجُّل في اللجوء إلى الضرب؛ فالله سبحانه يقول:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ طه(32)، والاصطبار أشد من الصبر، وهذا يعني أن يُحاور الأب ولده مبشِّرًا إياه بثواب الصلاة العظيم، وأنها سبب في توفيقه في الدنيا، ويقرأ عليه أحاديثه (ﷺ) في فضل الصلاة، وأنها مثل نهر بباب أحدنا يغتسل منه كل يوم خمس مرات، ويُحذِّره من أنه بعدم صلاته يقترب من الكُفر، ويقرأ عليه حديثه (ﷺ) الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (إن بين الكفر والإيمان ترك الصلاة)، ويُخبره أن أول مايُحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة (فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر).

قال: فإذا لم يستجب الولد لهذا كله واضطررت إلى ضربه فكيف يكون هذا الضرب؟

قلت: ذَكَر العلماء أنه يُشترط في ضرب الصبي أو البنت أن يكون ضربًا هيّنًا غير مبرح، ويكون على الظَّهر أو الكتف وما أشبه ذلك، ويتجنب الوجه لأنه يحرُم ضربه، لنهي النبي (ﷺ) عنه.

ويكون الضرب للتأديب والتربية فلايظهر به الرغبة في العقاب خشية نفور الصبي والفتاة، وينبغي ألا يكون الضرب أمام أحد صيانة لكرامتهما أمام نفسيهما وأمام الآخرين.

قال: وإذا كان الأب يعرف أن هذا الضرب يزيد ولده عنادًا ويُنفِّره من الصلاة فهل يضربه؟

قلت: قيَّد الشيخ ابن عثيمين الضرب بذلك فقال رحمه الله: الأمر للوجوب، لكن يُقيَّد بما إذا كان الضرب نافعًا، لأنه أحيانًا تضرب الصبي وما ينتفع بالضرب، مايزداد إلا صياحًا وعويلًا، ولايستفيد، ثم إن المراد بالضرب الضرب غير المُبرّح، الضرب السهل الذي يحصُل به الإصلاح ولايحصل به الضرر.

قال: جزاك الله خيرًا على هذا البيان لأمر الأولاد بالصلاة وتعليمهم إياها في صبر وحِلم.

قلت: في المرة المقبلة إن شاء الله نواصل حديثنا: كيف يكون الأب مثاليًا في تعليم أولاده الرّفق وكيف يكون هو رفيقًا بهم.

كيف أكون أبًا مثاليًّا (2) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًّا (2)
د.محمد رشيد العويّد

قال: ذكرتَ لي أهمية أن أكون قدوة لأبنائي حتى أكون أبًا مثاليًّا، ودَعْوتني إلى أن لاأبخل بعلمي ووقتي ومالي عليهم، وطلبتَ مني أن أقدم أسرتي على كثير من الناس، وأوْصيْتني بأن أعدل بين جميع أبنائي وبناتي، فهل بقي ما أفعله لأكون أبًا مثاليًّا؟
قلت: بقي الكثير.
قال: لو تفضلت ببيانه.
قلت: الأب المثالي لابد أن يكون زوجًا مثاليًّا.
قال: ما علاقة هذا بذاك؟
قلت: علاقة كبيرة.. إذ لايستقيم أن تجود بعلمك ووقتك ومالَك على أولادك وتبخل بها على أمهم، ولا أن تعدل بينهم وتظلم أمهم، وحين أوصيتك بتقديم أسرتك على باقي الناس فزوجتك هي رأس هذه الأسرة.
قال: لهذا أوصى النبي (ﷺ) بالأم ثلاث مرات وأوصى بالأب في المرة الرابعة.
قلت: أحسنت، إذ كيف يطيعك أولادك حين توصيهم بالإحسان إلى أمهم وهم يجدونك تقسو عليها أو تسيئ إليها؟!
قال: صدقت والله.
قلت: ولقد ذكرتَ حديثه (ﷺ) الذي أوصى فيه بالأم ثلاث مرات وأوصى بالأب في المرة الرابعة…
قاطعني بقوله: وما الحكمة في ذلك؟
قلت: لقد تعبت الأم أكثر من الأب، وعانت في حَملها وولادتها وإرضاعها، فاستحقت بذلك أن تُقدَّم عليه ثلاث مرات.قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البِرّ؛ وذلك لصعوبة الحَمل، ثم الوضع، ثم الرَّضاع؛ فهذا تنفرد به الأم وتشقى به، ثم تشارك الأب في التربية، وقال النووي: قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها على طفلها، وشفقتها، وخِدمتها، ومعاناة المشاقّ في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه… وغير ذلك.
قال: أوافقك الآن تمامًا على أن الأب المثالي لابد أن يكون زوجًا مثاليًّا.
قلت: الحمدلله.
قال: وماذا بعدُ مِن أخلاق الأب المثالي؟
قلت: لايضيق إذا رزقه الله بالأناث.
قال: أكثر الآباء يفرحون حين تضع زوجاتهم ذكورًا ويضيقون إذا وضعن إناثًا.
قلت: جميع هؤلاء لن يكونوا آباء مثاليين؛ فالقرآن الكريم ذمّهم في قوله سبحانه: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)﴾. النحل.
قال: إنه والله ذمّ شديد يُحذر كل أب من أن يضيق بالأنثى.
قلت: وفي آية أخرى يُعلِّمنا ربنا أن الذكر والأنثى كلاهما هِبة منه سبحانه: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (49)﴾. الشورى.
قال: ما دامت الأنثى هبة من الله فإن علينا أن نفرح بها ونشكر ربنا عليها.
قلت: أحسنت.
قال: أذكر أن النبي (ﷺ) بشَّر من يُربِّي البنات ويرعاهن بدخول الجنة.
قلت: نعم؛ يدخل الجنة مع النبي (ﷺ)، قال عليه الصلاة والسلام: (من عال جاريتين حتى تدركا دخلتُ أنا وهو الجنة كهاتين) وضمّ (ﷺ) أصابعه. صحيح مسلم.
قال: أليس هناك حديث آخر يذكر فيه (ﷺ) أن البنات يحجبن أباهن من النار؟
قلت: بلى، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي (ﷺ): (من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن؛ كُنّ له سترًا من النار) متفق عليه.
قال: هل بقي من أخلاق الأب المثالي وصِفاته شيء تخبرني به؟
قلت: نعم.
.. في العدد المقبل إن شاء الله نواصل نشر الحوار