طمأنينة الرضا

طمأنينة الرضا
محمد رشيد العويد

هل فرحت بأمر ، وأحببت حصوله ، ثم أحزنك ، وكرهت حصوله بعد أن اكتشفت أنه لم يكن خيراً لك ؟!
وهل أحزنك أمر ، وكرهت حصوله ، ثم فرحت به ، وأحببت حصوله بعد أن اكتشفت أنه كان خيراً لك ؟!
لعلك تجيبين فتقولين : بل كثيراً ما حدث هذا ، ولو استرجعت أحداث حياتي الماضية لذكرتُ لكَ عشرات الأمور التي أحببتُها فكانت شراً لي ، وعشرات أُخَر كرهتها فكانت خيراً لي .
الصحافية السويدية إينغر دو أرماس نجحت في الإجابة عن معظم الأسئلة في برنامج (( من سيربح المليون )) الذي تبثه القناة الرابعة في التلفزيون المحلي .
ولدى تسليمها مبلغ المليون كرون سويدي قالت الصحافية إنها ستستخدم جزءاً منه لتحقيق حلمها في القيام برحلة إلى كوبا لمساعدة ابنة زوجها الموجودة هناك على المجيء إلى السويد . ولكن فرحة الفائزة لم تكتمل ؛ إذ بلغها فوراً نبأ إصابة والدتها بنوبة قلبية من شدة فرحها خلال متابعتها البرنامج ، ولما توجهت ابنتها إلى المستشفى لتزور أمها فيه وجدتها قد فارقت الحياة .
وكانت الصحافية السويدية تخوفت من ذلك ؛ لذا طلبت من والدتها ألا تتابع البرنامج ، وأن تنتظر عودتها لتشاهداه معاً عبر شريط مسجل ، لكن الوالدة لم تتمالك نفسها فتحولت الفرحة إلى مأساة .. وألغت (( دو أرماس )) الرحلة وانهمكت في الجنازة .
أتراها كرهت هذا الفوز وقد كان سبباً في وفاة والدتها ؟ أما ألغت رحلتها التي تمنت القيام بها و (( قد تحولت الفرحة إلى مأساة )) كما جاء في الخبر ؟
لقد ربَّانا ربُنا في القرآن الكريم على أن نكون راضين دائماً ؛ فلا نفرح فرح البطر إذا أوتينا شيئاً ، ولا نحزن على فواتـه إذا لم نحصل عليه :   ما أصاب من مصيبة في الأرض ، ولا في أنفسكم ، إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ؛ إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور  الحديد 22-23 .
يقول ابن كثير في تفسير الآيتين : (( أي أعلمناكم بتقدم علمنا ، وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها ، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها .. لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم ، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم ؛ فلا تأسوا على مافاتكم لأنه لو قُدّر شيء لكان  ولا تفرحوا بما أتاكم  أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم ، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم ؛ فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس ، ولهذا قـال تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  أي مختال في نفسه ، متكبر فخور على غيره ، وقال عكرمة : ليس أحد إلا هو يـفرح ويحزن .. ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً )) .
وفي تنوير الأذهان (( أخبرناكم بإثباتها وكتابتها في كتاب كيلا يحصل لكم الحزن والألم  على مافاتكم  من نعم الدنيا كالمال والخصب والصحة والعافية  ولا تفرحوا بما آتاكم  أي أعطاكم الله منها ؛ فإن من علم أن كلاً من المصيبة والنعمة مقدر ، لا يعظم جزعه على مافات ، ولا فرحه بما هو آت ، إذ يجوز أن يُقَدَّر ذهابه عن قريب . قيل لأحد الحكماء : أيها الحكيم ؛ مالك لا تحزن على مافات ، ولا تفرح بما هو آت ؟ قال : لأن الفائت لا يُتلافى بالعَبْرة ( الدمعة ) ، والآتي لا يُستدام بالحَبْرة ( أي الحبور والسرور ) ، ولا التأسف يرد فائتاً ، ولا الفرح يُقَرِّب معدوماً .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لأَنْ أَمَسَّ جمرةً أحرقتْ ما أحرقتْ ، وأبقت ما أبقت ، أحب إليَّ من أن أقول لشيء لم يكن : ليته كان . والمراد بالآية : نفي الأسى المانع عن التسليم لأمر الله ، والفرح الموجب للبطر والاختيال ؛ ولذا عقب بقوله تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  فإن من فرح بالحظوظ الدنيوية ، وعظمت في نفسه ، اختال وافتخر بها لا محالة .
وفي الآية إشارة إلى أنه يلزم أن يثبت الإنسان على حال في السراء والضراء ؛ فإن كان لا بد له من فرح ، فليفرح شكراً على عطائه ، وإن كان لا بـد من حزن فليحزن صبراً على قضائه لا ضجراً .
قال قتيبة بن سعيد : دخلت على بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء مملوء من الإبل الميتة بحيث لا تُحصى ، ورأيت شخصاً على تل يغزل صوفاً ، فسألته فقال : كانت باسمي ؛ فارتجعها من أعطاها ، ثم أنشأ يقول :
لا والذي أنا عبدٌ من خلائقـهِ        والمرءُ في الدهر نَصْبَ الرزْء والمحنِ
ما سرَّني أن إبْلي في مباركها         وما جرى مـن قضاءِ الله لـم يـكُـنِ

وقيمة هذه الحقيقة التي لا يتصور العقل غيرها حين يتصور حقيقة الوجود الكبرى ؛ قيمتها في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها ؛ قلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعاً وتذهب معه حسرات عند الضراء . ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء :  لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم  .
فاتساع أفق النظر ، والتعامل مع الوجود الكبير ، وتصور الأزل والأبد ، ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم الله ، الثابتة في تصميم هذا الكون .. كل أولئك يجعل النفس أفسح وأكبر وأكثر ثباتاً ورزانة في مواجهة الأحداث العابرة ، حين تتكشف للوجود الإنساني وهي مارة به في حركة الوجود الكوني .
إن الإنسان يجزع ويُستطار وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود ، ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير . فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به ، وتمر بغيره ، والأرض كلها .. ذرات في جسم كبير هو هذا الوجود .. وأن هذه الذرات كائنة في موضعها في التصميم الكامل الدقيق . لازمٌ بعضها لبعض . وأن ذلك كله مقدر مرسوم معلوم في علم الله المكنون .. حين يستقر هذا في تصوره وشعوره ؛ فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء ؛ فلا يأسى على فائت أسىً يضعفه ويزلزله ، ولا يفرح بحاصل فرحاً يستخفه ويذهله ؛ ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية وفي رضى ؛ رضى العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون .
وهذه درجة قد لا يستطيعها إلا القليلون . فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء ، ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله ، وذكره بهذه وتلك ، والاعتدال في الفرح والحزن .
وها هي آية سورة البقرة ينبهنا فيها ربنا إلى أننا قد نكره شيئاً هو خير لنا ، وقد نحب شيئاً هو شر لنا :  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون  البقرة 96 .
قال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة ؛ فلربما أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولربما أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير :
رب أمرٍ تتقيه        جرّ أمراً ترتضيه
خفي المحبوب منه     وبدا المكروهُ فيه

إن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق ؛ ولكن وراءه حكمة تهوِّن مشقته ، وتسيغ مرارته ، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنساني القصير .. عندئذ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر ، ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها . نافذة تهب منها ريح رخية عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور .. إنه من يدري فلعل وراء المكروه خيراً ، ووراء المحبوب شراً . إن العليم بالغايات البعيدة ، المطلع على العواقب المستورة ، هو الذي يعلم وحده حيث لا يعلم الناس شيئاً من الحقيقة .
وعندما تنسم تلك النسمة الرخية على النفس تهون المشقة ، وتتفتح منافذ الرجاء ، ويستروح القلب في الهاجرة ، ويجنح إلى الطاعة والأداء في يقين وفي رضاء .
إنه منهج في التربية عجيب . منهج عميق بسيط . منهج يعرف طريقه إلى مسارب النفس الإنسانية وحناياها ودروبها الكثيرة . بالحق وبالصدق . لا بالإيحاء الكاذب ، والتمويه الخادع .. فهو حق أن تكره النفس الإنسانية القاصرة الضعيفة أمراً ويكون فيه الخير كل الخير . وهو حق كذلك أن تحب النفس أمراً وتتهالك عليه ، وفيه الشر كل الشر .
وهو الحق كل الحق أن الله يعلم ، والناس لا يعلمون ! وماذا يعلم الناس من أمر العواقب ؟ وماذا يعلم الناس مما وراء الستر المسدل ؟ وماذا يعلم الناس من الحقائق التي لا تخضع للهوى والجهل والقصور ؟!
إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالماً آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه . وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون ، وتقلب الأمور . وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه . وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيعاً في يد القدر ، يعمل ويرجو ويخاف ، ولكن يرد الأمر كله لليـد الحكيمة والعلم الشامـل ، وهو راض قرير .. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع .. فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة في ما اختاره الله .. وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان ! إن الإذعان الواثق والرجاء الهادئ والسعي المطمئن .. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة .. وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط ، في يسر وفي هوادة وفي رخاء . يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال ؛ فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال .
وكل إنسان – في تجاربه الخاصة – يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم ، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم . وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ، ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذاً من الله أن فوتّ عليه هذا المطلوب في حينه . وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثاً يكاد ينقطع لفظاعتها ، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل .
إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية ، لتؤمن وتسلّم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء ، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف .
والآن ، أختي المؤمنة ، كيف تحققين في نفسك ، وفي حياتك ، هذه المعاني الإيجابية العظيمة الأثر ، العميمة النفع ، الحافظة لك من اليأس والقنوط والضعف والإحباط ؟
استحضري المعاني السابقة ، ورددي قوله تعالى  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  كلما تلقيت خبراً محزناً ، أو حلّ بك مصاب ، أو حدث لك أي أمر تكرهينه .
وعيشي معية الله إذا وجدت الناس من حولك لا يقفون معك ، ولا ينصرونك ، ويتخلون عنك .
وتذكري أن أشد الناس بلاء الأنبياء ، وكيف كان  عظيم الصبر على البلاء ، وكيف احتسب أولاده وبناته جميعاً وقد ما توا قبله إلا السيدة فاطمة رضي الله عنها .
واحسبي الأجر الذي يُكتب لك جزاء صبرك على ما أصابك واحتسبته عند الله تعالى .
وقيسي الدنيا إلى الآخرة : هل نسبتها واحد إلى مليون ؟ إلى مليار ؟ إلى ألف مليار ؟ إنها أقل من ذلك . إنها نسبة الدنيا الفانية الزائلة القليلة إلى الخلود العظيم الدائم . نسبة الدنيا الملأى بالهموم والآلام والأمراض إلى الجنة الملأى بالمسرات والأفراح والعافية التي لا مرض معها أبداً . نسبة الدنيا التي يكثر فيها فراق الأهلين والأقارب والأحبة إلى الجنة التي يجتمعون فيها فلا يفترقون أبداً .

Advertisements

سعد يأبى الخروج من مدينة الألعاب

سعد يأبى الخروج من مدينة الألعاب
محمد رشيد العويد

كان سعد ، الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره ، يحب العزلة ، ولا يميل إلى الخروج كثيراً من بيته ، إلا إلى مدرسته ، وفي بعض الزيارات القليلة لأقاربه بصحبة والديه .
ذات يوم ، عاد سعد من المدرسة ومعه مغلف مغلق ناوله أمه وهو يقول لها : هذا من الاختصاصي الاجتماعي في المدرسة .
أخذت الأم المغلف وهي قلقة مما فيه ، وفتحته فإذا فيه كتاب من الاختصاصي الاجتماعي جاء فيه : يرجى مراجعة الاختصاصي الاجتماعي لأمر هام يتعلق بولدكم سعد .
أرادت الأم أن تسأل ولدها إن كان ارتكب عملاً خاطئاً ، أو تصرف تصرفاً سيئاً ، لكنها قدرت حساسية ولدها ، ورهافة مشاعره ، فآثرت عدم الاستعجال .
حين عاد والده من عمله بعد الظهر ، لاحظ أمارات قلق على زوجته ، فسألها : خير إن شاء الله ، أرى في وجهك ما يشير إلى أمر يشغلك .
أشارت بعينها إلى ولدها سعد وهي تقول : خير إن شاء الله ، لا تقلق .
فهم الأب أن الأمر يتعلق بولده سعد ، وأن أمه لا تريد أن تتكلم أمامه .
بعد أن ذهب سعد إلى غرفته ليكتب وظائفه المدرسية ، التفت الأب إلى زوجته يسألها : طمنيني عن سعد ، لقد شُغل بالي عليه .
أجابت : لقد أرسل الاختصاصي الاجتماعي معه كتاباً إلينا يطلب فيه منا مراجعته .
قال الأب : أين الكتاب ؟
ناولته زوجته إياه فقرأه بسرعة ، ثم قال : ليس في الكتاب ذكرُ شيء . هل سألت سعداً إن كان قد ارتكب عملاً غير حسن ؟!
أجابت : تعرف حساسيته ورهافة مشاعره لذا تجنبت سؤاله عن أي شيء .
قال : حسناً فعلتِ غداً أذهب إلى المدرسة وأعرف منهم ما الأمر .
في اليوم التالي ، كانت أم سعد تنتظر بصبر اتصال زوجها ليخبرها بسبب استدعاء الاختصاصي الاجتماعي لهما ، فقد أوصت زوجها عند خروجه من البيت أن يتصل بها فور مغادرته المدرسة ليطمئنها .
وأخيراً ، بعد انتظار مشحون بالقلق والتوتر ، اتصل بها زوجها ؛ فسألته فور ردها على سلامه : طمني ، ماذا قال لك الاختصاصي الاجتماعي ؟
أجابها زوجها : اطمئني ، ليس هناك ما يشغل البال .

سألته زوجته من جديد وهي متلهفة : إذن ماذا قال لك ؟
قال الزوج : لقد أثنى عليه كثيراً ، وأشاد بتفوقه في دراسته ، وأبدى رضاه عن أدبه وخلقه .
قاطعته زوجته : لماذا دعانا لمراجعته إذن ؟
قال زوجها : لقد لاحظ حب سعد للعزلة ، وعدم مخالطته زملاءه ، وانصرافه عن اللعب معهم .
سألته زوجته : الحمد لله طمأنتني .
قال زوجها : لكنه حذرني من التأثير السلبي لهذه العزلة في شخصيته ، وفي نموها نمواً صحيحاً ، وأنها تعيق نجاحه في الحياة مستقبلاً .
سألته ثانية : وبم أوصاك ؟
أجاب : بإخراجه من عزلته ، وتشجيعه على اللعب ، ومخالطة زملائه .
سألته : وكيف نفعل هذا ؟
قال : نبحث فيه معاً بعد أن أرجع إن شاء الله .
بعد أن رجع أبو سعد إلى بيته ، وتناول الجميع غداءهم ، وذهب سعد إلى غرفته ليكتب وظائفه المدرسية ، التفتت أم سعد إلى زوجها وقالت : هل اقترح عليك الاختصاصي ما نفعله لنخرج سعداً من عزلته ؟
قال أبو سعد : ذكر لي مدينة ألعاب جديدة ، ونصحني بأخذ سعد إليها .
سألتْه : أتراه يقبل ؟
أجاب : آمل ذلك .
قالت : يا رب يلهمه أن يوافق .
سألها : مَنْ أحب أصدقائه إليه ؟
قالت : حسن ، ابن جيراننا .
قال : اطلبي من أمه أن تأذن له لمرافقة سعد إلى مدينة الألعاب .
بعد أن أنهى سعد مراجعة دروسه وكتابة وظائفه أخبرته أمه أن والده يريد أن يصحبه إلى مدينة ألعاب جميلة جديدة ، فأبدى سعد تردده ، فردت عليه أمه : صدقني ستسعد فيها كثيراً ، ولا تنسى أن اسمك سعد : ستسعد يا سعد .
ابتسم سعد ولم يجب أمه التي أضافت مشجعةً له : سيذهب معك صديقك حسن .
هنا ابتسم سعد ابتسامة ضاحكة وقال : من أجلك وأجل أبي سأذهب .
دخل سعد مع صديقه حسن مدينة الألعاب الجديدة ، والوالدان يدعوان الله تعالى أن يستمتع ولدهما فيها ؛ لتكون بداية ناجحة تخرجه من عزلته .
مضت الساعة الأولى بنجاح كبير ؛ فسعد ينتقل مع صديقه حسن من لعبة إلى لعبة وهو متحمس نشط ، يبرق السرور في وجهه ؛ وتفيض السعادة من عينيه .

التفتت أم سعد إلى زوجها وقالت له : يبدو أننا كنا مقصرين حينما لم نبادر إلى مثل هذا إلا بعد نصيحة الاختصاصي الاجتماعي .
أجابها زوجها : الحمد لله ، هذا خير من استمرارنا في إهمالنا ، سنعوضه ما فات بعون الله .
ومضت ساعة أخرى ، وسعد يزداد سعادة وفرحاً وسروراً .
قال أبو سعد لزوجته وهو ينظر في ساعته : لقد تأخرنا ، ينبغي أن نعود إلى البيت اقترب موعد نومه ، ومازال هناك ما يفعله قبل ذلك .
قالت أم سعد : صدقت . ولقد وعدت أم حسن أن نرجع قبل السابعة .
ثم اقتربت من سعد وقالت له : هيا يا ولدي ، حان موعد عودتنا إلى البيت .
رد عليها سعد منفعلاً : لا ، لا يمكن ، أريد أن أن أركب في جميع الألعاب .
قالت له أمه : غداً يا ولدي ، غداً إن شاء الله نأتي بك مع حسن لتركبا في بقية الألعاب .
رد سعد بإصرار : لن أخرج من المدينة ، أما كنت تقنعينني مع أبي بالذهاب إليها .. ما بك الآن تريدين إخراجي منها ؟!!
التفتت إلى زوجها وقالت : هل رأيت ، لقد نجحنا في إقناعه بدخولها وما عدنا قادرين على إقناعه بالخروج منها .
اقترب أبوه منه وقال : يا سعد يا حبيبي ، سأشتري لك في طريق عودتنا (( صندويش الشاورما )) التي تحبها .
رد سعد : لا أريد شاورما ، لست جائعاً . حاول والده من جديد : وسأشتري لك الدراجة التي وعدتك بها إذا نجحت … الآن ، وقبل الامتحانات .
رفض سعد عرض والـده وقال : والله لو اشتريت لي دراجات الكويت كلها .. لن أخرج من هنا .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي  قال : ( ما من نفس تموت ، لها عند الله خير ، يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد ، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل مرة أخرى ، لما يرى من فضل الشهادة ) متفق عليه .
وعن أبي هريرة  أن النبي  قال :
( إذا حُضِرَ المؤمنُ ، أتتْه ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ، فيقولون : اُخرجي راضية مرضياً عنكِ ، إلى روح وريحان ، ورب غير غضبان ، فيخرج كأطيب ريح المسك ، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً ، حتى يأتوا به السماء ، فيقولون : ما أطيب هذا الريح التي جاءتكم من الأرض ! فيأتون به أرواح المؤمنين ، فلَهُم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه ، فيسألونه : ماذا فعل فلان ؟ ماذا فعل فلان ؟ فيقولون : دعوه فإن كان في غم الدنيا ، فإذا قال : أما أتاكم ؟ قالوا : ذُهب به إلى أمه الهاوية .

وإن الكافر إذا حُضرَ أتته ملائكة العذاب بمسح ، فيقولون اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك ، إلى عذاب الله ، فيخرج كأنتنِ ريح ، حتى يأتوا بها باب الأرض ، فيقولون : ما أنتن هذه الريح ! حتى يأتوا بها أرواح الكفار ) النسائي والحاكم وابن حبان ( صحيح الجامع 490 ) .
وسمع الحسن رجلاً يبكي ميتاً له فقال : عجباً من قوم مسافرين يبكون مسافراً بلغ منزله .

لقاء العويد مع اليقظة لرمضان

لقاء العويد مع اليقظة لرمضان
محمد رشيد العويد

1- مقدمة عن فضل شهر رمضان ومضاعفة الأجر والثواب وهو شهر تتنزل فيه الرحمات وترفع فيه الدرجات لذلك فهو فرصة عظيمة لمن أدركها لكي يعيد بناء علاقته الزوجية ويتخذ من هذا الشهر بداية لعامه يجدد به العهد مع الله .
* أرأيتم من يسافرون للتجارة ، يرغبون في الربح الوفير ، والمال الكثير ! وإلى من يسافرون لحضور معارض دولية ليعقدوا صفقات شراء منتجات حديثة ! وإلى الذين يهرعون للشراء في موسم التنزيلات ، مستفيدين من انخفاض أسعار السلع ، رغبة في التوفير !
هذا موسم خير كبير ، وربح وفير ، مقبل علينا ، ليكفينا مؤونة السفر إليه أفلا نُقبل عليه ، نعقد فيه الصفقات الكبرى ، لنجني من ورائها الأرباح الوفيرة ، والمكاسب الكثيرة ؟
رمضان موسم أرباح وتجارة ، تجارة تنجينا من عذاب أليم ، كما قال سبحانه (( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم )) الصف : 10 . ؟ وأرباح لا تعدلها أي أرباح ، بل لا يعدل ما ربحه الناس جميعاً من أمـوال ، منذ آدم عليـه السلام حتى اليوم ، بل ما سيكسبونه أيضاً حتى تقوم الساعة ، لا يعدل جزءاً يسيراً مما يكسبه المسلم المؤمن في هذا الشهر الفضيل المبارك .
ألا يكفي أن فيه ليلة خير من ألف شهر ؟! والألف شهر أكثر من ثلاث وثمانين سنة ، أي أكثر مما يعيشه ملايين الناس ، فهذه الليلة إذن خير من العمر كله .
ألا يـكفي أنـه (( إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة ، وغلّقت أبواب النار ، وصُفِّدت الشياطين )) ؟ متفق عليه .
ألا يكفي أنه سبحانه يغفر لمن صامه جميع ما تقدم من الذنوب (( من صام رمضان إيماناً واحتساباً ، غُفرَ له ما تقدم من ذنبه )) متفق عليه ، (( إن الله عز وجل فرض صيام رمضان وسننتُ فيه قيامه ، فمن صامه وقامه احتساباً خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه )) رواه أحمد .
كثر فضل الله وطاب في هذا الشهر الكريم المقبل علينا ، فهلاّ أحسنا استقباله ، وكسبنا ما فيه من الخيرات العظام ، والمغفرة الواسعة ، والأجور الكبيرة ؟ !

2- في رمضان بشارات كثيرة .. فهلا حدثتنا عنها
* كيف تتلقى بشارة تقول لك : إن الله تعالى لن يعذبك أبداً ؟
ألن تملأ نفسك مشاعر السعادة والفرحة والبهجة ، وأنت تتلقى بشارتك بنجاتك من نار تلظى ، لا يصلاها إلا الأشقى ؟ نار عَظُم عذابها ، واشتد لهيبها ، حتى إن من غُمِسَ فيها غمسة يقول : لم أر نعيماً قط !
وكيف تكون مشاعرك حين تتلقى بشارة أخرى تقول لك : إن الجنة ذات النعيم المقيم ، والفرح العظيم ، والتي فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .. إن هذه الجنة تستعد لمجيئك ، وتتزين لاستقبالك ، لترتاح فيها من تعب الدنيا الذي لا ينتهي ، ألن تكون مشاعرك مشاعر فرح عظيم ، وسرور كبير ، وطمأنينة ما بعدها طمأنينة ؟
وإذا علمت أن أبوين لك صالحين يستغفران لك ويدعوان ، أما كنت تسعد وتفرح وتطمئن ، فكيف إذا كان من يستغفر لك ، وكل يوم وليلة ، هم الملائكة ؟
هذه ثلاث من خمس بشارات يـزفها إليك حبيبك صلى الله عليه وسلم وأنت تستقبل أيام رمضان الفضيل ، أفما تحب قراءتها : روى البيهقي عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( أُعطيت أمتي في رمضان خمساً لم يُعطهن نبي قبلي : أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من رمضان ينظر الله إليهم ، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً . وأما الثانية فإن خلوف أفواههم ( رائحتها ) حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك . وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم كل يوم وليلة . وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها : استعدي وتزيني لعبادي .. أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا .. إلى دار كرامتي . وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعاً )) .
فقال رجل من القوم : أهي ليلة القدر ؟
فقال : (( لا ، ألم تر إلى العمال يعملون ، فإذا فرغوا من أعمالهم وُفوا أجورهم ؟)) .
ما أعظم هذا العطاء الرباني الكريم ، وما أحرى المؤمنين بالحرص ليكونوا ممن يشملهم ويعمهم .
أما تدفعنا هذه العطايا الخمس إلى استقبال رمضان بفرح ورغبة وسعي إليه ؟
أما تجعلنا ننطلق إليه لنحسن فيه صيامنا ، ونطيل في لياليه قيامنا ، ونلتزم فيه ما أمرنا فيه ربنا ، وننتهي عما نهانا عنه سبحانه ؟
أما تمتد أيدينا إلى حساباتنا في المصارف لنسحب منها ما نتصدق به على الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين ؟
أهلا بك يا رمضان .. قادماً حبيباً ، داعين الله تعالى أن نكون في أيامه مثلما يريد لنا ربنا ويرضى .

3- ماذا في رمضان ما ليس في غيره يجمع الأسرة المتفرقة ؟
* في غير رمضان لا تجتمع الأسرة على الفطور في الصباح ، فالأبناء يأخذون شطائـرهم معهم ، وكذلك الزوج ، أو أنه يكتفي بما يتناوله في عمله من قهوة وبعض قطع الحلوى والمكسرات .
حتى على الغداء قلما تجتمع الأسرة ، فانصراف الأولاد من مدارسهم يختلف موعده عن موعد عودة الأب من عمله ، فلا يجتمعون على الغداء .
وفي العشاء نادراً ما يجتمعون أيضاً ، فالأبناء يتناولون الوجبات الجاهزة من المطاعم ، والآباء كذلك أحياناً ، وإذا اجتمعوا على العشاء فليس في جميع الأيام .
بينما في رمضان فإن الأسرة كلها تجتمع على مائدة الإفطار بعد أداء صلاة المغرب ، ويجلس أفرادها معاً يتناولون الحلوى من قطايف وغيرها ، ثم يذهبون معاً لأداء فريضة العشاء وبعدها صلاة التراويح .
ثم في السحور قد يجتمعون أيضاً على مائدة واحدة ، وقد لا يجتمعون . لكن يبقى رمضان متميزاً بهذا الاجتماع الذي كان مفقوداً في غيره . وهذا الاجتماع الأسري فرصة للأب ليحادث أبناءه وبناته ، ويسامرهم ، فيسمعون منه ويسمع منهم ، يسألونه ويجيبهم ، يستشيرونه وينصحهم … وهكذا .

4- ما الدروس التي ترى أن على المسلم تعلمها من شهر رمضان المبارك ؟
* لا شك في أن الدروس كثيرة وعظيمة . لكن أهم ما يتعلمـه المسلم – أو ما ينبغي أن يتعلمَه – هو الصوم نفسُه . فالصوم – كما جاء في قواميس اللغة – هو ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام ، والإمساك عنها . وترك هذه الأمور والامتناع عنها يحتاج إلى إرادة وعزيمة . والإرادة أو العزيمة تتقوى بهذا الصيام وتكبر .. مع ازدياد جوع المسلم وعطشه وصبره عليهما . ولقد قال سفيان بنُ عُيَيْنة : الصوم هو الصبر .
إذن حينما يصبح الصبر ملكة في خلق المسلم وطبعه .. يسهل عليه الامتناع عن المحارم . لقد كان في رمضان يمتنع عن الحلال ويصبر على هذا الامتناع ابتغاء مرضاة الله . وهو الآن – بعد رمضان – مدعو إلى استمرار امتناعه وإمساكه ، ليس عن الحلال من طعام وشراب ومعاشرة ، إنما عن الحرام كله … الصوم عنه ، وهجره .
لقد كان المسلم في رمضان يتدرب على الإمساك عن الحرام أيضاً .. مستفيداً إمساكه عن الحلال . وفي الحديث الشريف (( فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم )) .. فهل يعني هذا أنه يباح للمسلم إذا قاتله أحد أو شاتمه بعد رمضان أن يقاتِله ويشاتِمَه ؟! لا شك في أنه لا يباح له هذا في رمضان ولا في غيره . لكن امتناعه في رمضان عن الحلال كان يساعده ويقويه في الامتناع عن الحرام أيضاً .
هذه تربية عظيمة للمسلم ، تقوّي فيه ملَكََة الصبر ، مَلَكَة الإمساكِ عما حرم الله ، والامتناع عما يبغضه سبحانه ، حتى بعد توقفه عن الإمساك عن الطعام والشراب .

5- رمضان شهر المحبة والرحمة والخير فكيف نجعل شهورنا كلها مثل ما في رمضان .
* يحرص الخطباء والدعاة على الدعوة في نهاية رمضان إلى أن يواصل الناس ما فعلوه في رمضان فيفعلوه في الأشهر كلها ، ويذكرون في هذه الدعوة أن رب رمضان هو رب الأشهر جميعها ، وهذا صحيح ، ولكنه غير ممكن ، لأن رمضان رمضان ، وهو متميز بما فيه عن الأشهر كلها ، ويكفي أن الله سبحانه ميَّزه وخصَّه بخصائص ليست في سواه .
ويؤكد استحالة استمرار الناس على حالهم في رمضان طوال العام حديثه صلى الله عليه وسلم ( لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التي أنتم عليها عندي ، لصافحتكم الملائكة بأكفهم ، ولزارتكم في بيوتكم ) أحمد والترمذي ، فإذا كان الصحابة لا يستطيعون المحافظة على المستوى الإيماني العالي الذي يصلون إليه وهم عند النبي صلى الله عليه وسلم في أحوالهم حينما يكونون بعيدين عنه فكذلك لا يقوى المسلم على مواصلة ما كان يفعله في رمضان من قيام وتهجد وصيام وصدقة في سائر أيام العام ، وخاصة الصيام الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مواصلته .
لكن هذا لا يعني أن لا نتعلم شيئاً من مدرسة رمضان ، وأن نخرج منه كما دخلنا فيه ، بل يجب علينا أن يكون حالنا بعده خيراً من حالنا قبله .

6- لو طلب منك أن توجه رسالة إلى الزوج في رمضان فماذا تقول له في هذه الرسالة ؟
* أخي الزوج هذا شهر رمضان ، شهرُ الصبر ، فأرجو أن تزيد فيه صبرك على زوجتك وأبنائك ، وأن تعاهد فيه ربك سبحانه على أن تكتم ما يثور في نفسك من غضب وأنت تستحضر حديثه صلى الله عليه وسلم (( من كتم غيظاً وهو قادر على أن يُنْفِذَه ؛ دعاه الله على رؤوس الخلائق ؛ حتى يُخيِّرَه من الحور العين ، يزوجه منها ما شاء )) . فإذا هاج الغيظ في قلبك .. أغمض عينيك قليلاً ، وارسم في ذهنك مشهد الناس يوم القيامة وأنت تخرج من بينهم إثر دعوة كريمة من الله سبحانه وتعالى لتختار من أجمل ما تراه من الحور العين ، وما ذاك لأنك في الدنيا كتمت غيظاً كنت قادراً على إنفاذه .
استحضارُك هذا المشهد سيشحن نفسك بطاقة صبرٍ عجيبة ، وستجد من الله عوناً عظيماً ، وعندها افتح عينك من جديد وأنت تبتسم في وجه زوجتك التي ستدهش من حِلْمك المفاجئ ، ولعلها تجد في وجهك نوراً لم تره من قبل .

7- كلمة أخيرة أستاذنا الفاضل توجهها لكل من يشتكي منغصات في حياته الزوجية دون وجود أسباب ظاهرة لها ؟
* أوجز الإجابة عن هذا السؤال المهم بما يلي :
– التسليم بأن الحياة الزوجية لن تصفو دائماً ، وأنه لا بد أن يعكر صفوها بين حين وآخر منغصات مفاجئة وغير متوقعة .
– التدرب على الصمت حين يثور الطرف الآخر ، فهذا السكوت خير وقاية من حدوث نزاع ، كما أن الغاضب سيندم بعد قليل حين يجد الزوج الآخر وقد حلم عليه ولم يغضب في مقابل غضبه .
– الضغوط الحياتية تزداد يوماً بعد آخر ، والبيت هو المكان الوحيد تقريباً الذي يستطيع فيه الزوجان تفريج هذه الضغوط ، فليعذر كل من الزوجين صاحبه وليعلم أنه سيفعل هذا نفسه في يوم آخر .. وربما في اليوم نفسه .
– الشيطان ، عدو الزوجين الأول ، لا يريحه اتفاقهما واستقرارهما ، وسينجح في اقتناص مداخل يوقع منها بينهما ، لذا ينبغي استمرارهما في الاستعاذة منه ، وتذكير كل منهما صاحبه بأن إبليس هو وراء هذا الخلاف ، وهو الرابح فيه ، وأن كلاً منهما خاسر .
– قبل هذا كله لا بد من الاستعانة بالله سبحانه وصدق التوكل عليه ، ومواصلة الزوجين دعاءهما بأن يوفق الله بينهما ، ويؤلف بين قلبيهما ، وأن يبعد الشيطان عنهما .

أيها الصائمون في رمضان لا تقطعوا الأرحام

أيها الصائمون في رمضان لا تقطعوا الأرحام

في هذا الشهر الكريم ، شهر رمضان المبارك ، تُفتح أمامنا أبواب واسعة كثيرة ، لنكسب منها كثيراً ، ونجني خيراً وفيراً ، مثلما بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ( إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة ، وغُلِّقت أبواب النار ، وصُفِّدت الشياطين ) متفق عليه .
هكذا جاءت الأفعال الثلاثة كلها بالتشديد ( فتّحت .. غلّقت .. صفّدت ) للتأكيد والتكثير .
ولكن هناك من يتساءل : كيف تصفّد الشياطين في رمضان ونحن نجد آثار بعض عملهم في الصائم ظاهرة من حيث إثارة غضبه ، واستمرار كذبه ، وغير ذلك .
وجواب ذلك ما قاله النووي رحمه الله في شرحه للحديث : ويحتمل أن يكون المراد المجاز ، ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو ، وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم ليصيروا كالمصفدين ، ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ، ولناس دون ناس . ويؤيد ذلك ما جاء في رواية ثانية للحديث ( صفدت مردة الشياطين ) .
وإذا كانت أبواب الخير في هذا الشهر الكريم كثيرة ، من صيام وقيام وصدقة وتلاوة قرآن ؛ فإننا نلفت إلى باب من أبواب الخير عظيمة قد يتلكأ الصائم في الدخول منها ونعني بها صلة الأرحام ، إذ تجد كثيرين يصومون النهار ، ويقومون الليل ، ويتلون القرآن ، وينفقون متصدقين ، لكنهم مستمرون في قطيعة أرحامهم ، فلا يبادرون إلى إنهاء هذه القطيعة بالاتصال بهم ، والسؤال عنهم ، وزيارتهم ، على الرغم من أن الأحاديث التي تنهى عن قطع الرحم تنذر بقطع رحمة الله تعالى بهم . يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى خلق الخلق ، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة . قال : نعم ؛ أما ترضيـن أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى ، قال : فذلك لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرؤوا إن شئتم ( فهل عسيتم إن توليتهم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . أولئك الذيـن لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) . متفق عليه . ولقد قال صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمـن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) متفق عليه . وقال صلى الله عليه وسلم ( من أحب أن يُبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) متفق عليه .
ولا أحسب أن أحداً لا يريد أن يصله الله سبحانه برحمته وعطائه وتوفيقه وعونه .. وهذا يتحقق بصلتنا أرحامنا .
ولا أحسب أحداً لا يريد أن يُبسط له في رزقه ، فيكون ماله كثيراً ، وعيشه رغداً ، وحاله سعيداً ، وعمره مديداً ؟!! وهذا يتحقق – كما وعد صلى الله عليه وسلم – بصلة الرحم .
فيا أيها الصائمون لا تترددوا في دخول هذا الباب العظيم ، في رمضان خاصة ، فتصلوا أرحامكم ، بدءاً بآبائكم وأمهاتكم ، ثم إخوانكم وأخواتكم ، إلى عماتكم وأعمامكم ، وخالاتكم وأخوالكم .

أيها الأزواج.. ما تقولون في هذا الاتفاق

أيها الأزواج.. ما تقولون في هذا الاتفاق

ماذا لو اتفق زوجان؛ على أن لا يتبادلا الحديث، تجنباً لحدوث أي خلاف بينهما؟
كم يمكن أن يستمر هذا الاتفاق؟ هل يصبر الزوجان على أن لا يكلم أحدهما الآخـر زمناً طويلاً؟
لقد أدت كثرة الخلافات والمشاحنات بين زوجين صينيين إلى امتناعهما من تبادل الحديث طوال خمس سنوات بموجب اتفاق هدنة أتاح لهما مواصلة العيش معاً دون شجار!
وأفادت صحيفة (ساوث شاينا مورننغ بوست) بأن الزوجين من ليتشفع في إقليم تشنغيانع لا يزالان ينامان على فراش واحد؛ ولكنهما لم يتبادلا كلمة واحدة، ويرفض كل منهما الاعتراف بوجود الآخر!
وأضافت الصحيفة أن المشاجرات الحادة بين الزوجين كانت لا تتوقف في الماضي قبل أن يتفقا على (الهدنة) وتجاهل كل منهما صاحبه.

لا شك في أنها ثمرة عظيمة أن يتوقف الزوجان عن الخلاف تماماً بعد مشاجرات وصفت بأنها حادة.. وأنها لم تكن تتوقف في الماضي! ولكن الثمن كبير أيضاً: صمتٌ مطبق يلف حياة الزوجين طوال سنوات خمس!
ماذا لو تحققت هذه الثمرة العظيمة بين هذين الزوجين، وبين جميع الأزواج في العالم، ولكن بثمن زهيد؟
ما أحسب أحداً من الأزواج والزوجات إلا ويجيبني: إن كنت تعرف هذا الذي يمنحنا ذلك الاتفاق، بمثن زهيد، فبالله عليك دُلَّنا عليه.
سأدلكم عليه، وأرشدكم إليه، وإذا جربتموه، ونجحتم فيه؛ فلا تنسوني من دعائكم.
ليعقد كل زوجين اتفاقية بينهما؛ ليس على الصمت المطبق، ولا على الكلام المطلق، إنما على صمت عن كلام دون غيره، مع إطلاق اللسان في كلمات أخرى.
ليتفق الزوجان على أن يمسك كل منهما لسانه عن أي كلمة تؤذي صاحبه، سواء أكانت جارحة، أو منتقِصة، أو ساخرة، أو غيرها من الكلمات التي ليس فيها خير.
وليتفقا على أن ينطلق لساناهما بكل كلمة فيها حب، أو ثناء، أو تشجيع، أو غيرها من كلمات الخير.
هل تشكّون في نتائج هذا الاتفاق؟أنا أضمن لكم نتائج مذهلة، نتائج من الوفاق والوئام، والحب الرضا، والسعادة والسلام.
ولعل معلِّقاً، أو معلِّقة، يقول: لكنه اتفاق صعب! كيف يمكن أن أضبط لساني فلا تنطلق منه كلمة إلا وفيها حب أو ثناء أو تشجيع.. أو غيرها من كلمات الخير ؟!
أقترح أن يعقد كل زوجين اتفاقاً على أن لا يصدر عن لسانيهما أي كلمة فيها سخريـة، أو سبّ، أو انتقاص، أو قسوة، أو غيرها من الكلمات غيـر الحسنة.. كما أمر ربنا سبحانـه (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً) الإسـراء 53.
يقول ابن كثير رحمه الله: يأمر تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاواراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بيّنة.
إذن ليمتنع الزوجان من الكلام غير الحسن، وهذا الامتناع لا يعني الامتناع من النصح والموعظة والتوجيه والعتب.. فهذه يمكن أن يقوم بها الزوجان من خلال الكلمات الحسنى.
ولا بأس من أن يضع الزوجان جزاءات على من لا يملك نفسه فلا يضبط لسانه من أن ينطلق بكلمة مخالفة لهذا الاتفاق.
وقد يكون من الجزاءات على الزوج أن يدفع لزوجته مبلغاً من المال عن كل كلمة تجرحها أو تحزنها.
وقد يكون من الجزاءات على الزوجة أن يحرمها زوجها من الخروج في نزهة أو غير ذلك.
ويستطيع الزوجان أن يحددا، في الاتفاق المكتوب، الكلمات التي لا يرغب كل منهما في سماعها من صاحبه ويريده أن يمتنع منها.
ما رأيكم أيها الأزواج، من رجال ونساء، في تجربة هذا الاتفاق.
أدعو الله تعالى أن يوفق بينكم، ويصلح كل زوج لزوجته وكل زوجة لزوجها.