كيف أكون أبًا مثاليًّا (5) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًّا (5)
د.محمد رشيد العويّد

قال: شرحتَ لي كيف أتحلّى بالرفق في تربية أبنائي وتعليمهم، فجزاكَ الله خيرًا، وأرجو اليوم أن ترشدني كيف أُعلّمهم الرفق ليكونوا هم رفقاء بالناس .

قلت: ليس بالناس وحدهم، بل رفقاء بكل ما حولهم من بشر وحيوانات وأشياء.

قال: أشياء؟!! وهل للأشياء مشاعر حتى يتعلموا الرفق بها!؟

قلت: ألا تذكر حديث حنين الجذع للنبي ﷺ ؟

قال: صلى الله عليه وسلم.. بلى أذكره.

قلت: اقرأه على أبنائك وعلِّمهم أنه ما مِن شيء في السماوات والأرض إلا يُسبِّح بحمده سبحانه.

قال: ليتك تُذكِّرني بنص الحديث

قلت: عن جابر رضي الله عنه قال: (كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل؛ فكان ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبر، وصار يخطب عليها، سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار (الناقة) حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت، وفي رواية لأنس: حتى ارتجَّ المسجد لخواره، وعن سهل بن سعد: وكثُر بكاء الناس لِما رأوا من بكاء وحنين، وعن أُبيّ بن كعب: حتى تصدع وانشق (لشدة بكائه وحنينه)، وفي رواية البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن هذا بكى لما فقد من الذِّكر).

قال: سبحان الله، ما أعظم رفقه ﷺ يرفق بكل شيء.

قلت: حتى الدراسات العلمية الحديثة تؤكّد أن النبات يشعر كالكائن الحي من إنسان وحيوان.

قال: وعلى هذا فإن الأب المثالي يستعين بهذا في تعليم أولاده الرفق بكل نبات الأرض فلا يُتلفه ولايقطعه ولايدوسه بقدمه.

قلت: نعم، هذا من الرفق الذي ينبغي على الأب أن يُربي أبناءه عليه.

قال: والرفق بالحيوان؟

قلت: غير قليل من الأطفال يؤذون الحيوانات حتى وهم يلعبون معها، ولابد من تعليمهم الرفق بها، وأن النبي ﷺ كان يفعل هذا ويأمر به.

قال: وكيف نُعلّمهم الرفق بها وننهاهم عن إيذائها؟

قلت: لعل أكثر لهو الأطفال بالقطط، وخير حديث للنبي ﷺ في التحذير من إيذائها حديثه الذي أخرجه البخاري ومسلم ، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: (دخَلَت امرأة النار في هرة ربطتها؛ فلم تُطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت).

قال: لاشك في أن هذا الحديث الشريف يُخوِّف من يُعذِّب الحيوان الأليف، فهل من حديث يُبشِّر الذي يرأف به ويعطف عليه؟

قلت: حديث الرجل الذي سقى كلبًا فشكر الله له وغفر له.

قال: لو تلوته علي جزاك الله خيرًا.

قلت: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بِطَريق؛ اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرِب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خُفّه ماء، ثم أمسكه بِفِيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له)، قالوا: يا رسول الله؛ وإن لنا في هذه البهائم لأجرًا؟ فقال ﷺ: (في كل كبدٍ رطبة أجر).

قال: هل لي أن أسألك عن درجة الحديث؟

قلت: أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

قال: بقي تعليمي أولادي الرفق ببعضهم.

قلت: إذا تعلموا الرفق بالحيوان والنبات فأخبرهم أن رفقهم ببعضهم أولى وأعظم.

قال: وهل من حديث نبوي في ذلك؟

قلت: أكثر من حديث؛ منها قوله ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) متفق عليه،

وحديثه ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لايُعطي على العنف، وما لايعطي على ما سواه) صحيح مسلم،

وقوله ﷺ: (إن الرفق لايكون في شيء إلا زانَه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه) صحيح مسلم.

قال: بعد هذا كله أجد نفسي أقول: إن الإسلام دين الرفق.

Advertisements

كيف أكون أبًا مثاليًّا (4) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًّا (4)
د.محمد رشيد العويّد

قال: وعدتني أن تُحدّثني عن خُلُق مهم من أخلاق الأب المثالي.

قلت: صحيح.. خُلُق الرفق.. الذي يجب أن يتحلى به الأب أولًا، ثم يربي أولاده عليه.

قال: كيف يكون الأب رفيقًا؟

قلت: لابد في كل خُلُق أن نرجع إلى أسوتنا النبي (ﷺ).

قال: ولكن أولاد النبي (ﷺ) ماتوا صغارًا جدًا، فكيف نعرف رفقه بالأبناء؟

قلت: الرفق ليس بالأولاد الذكور فقط بل بالبنات أيضًا. ثم إن رفقه (ﷺ) بأطفال المسلمين وأبنائهم يكفي لنتأسى به.

قال: صدقت.

قلت: لقد خدم أنس بن مالك النبيَّ (ﷺ) عشر سنين، ومنه نستطيع أن نُحيط بشيء من رِفقه (ﷺ) فقد قال أنس رضي الله عنه: (لقد خدمتُ رسول الله (ﷺ) عشر سنين، فوالله ما قال لي أفٍّ قط، ولم يقل لشيءٍ فعلته لمَ فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلتَ كذا). صحيح مسلم.

قال: لعلّ أوضح شيء نقتبسه من حديث أنس رضي الله عنه أنه (ﷺ) لايتأفّف من الصغار؛ كما جاء في قول أنس (فوالله ما قال لي أفٍّ قطّ).

قلت: أحسنت، لكني أحب أن أضيف أنه (ﷺ) لم يكن يتأفّف من الصغار ولا من الكبار.

قال: ومِن رِفقِه (ﷺ) فيما ذكرت من حديث أنس رضي الله عنه أنه ما كان يلوم على أي فعلٍ، سواء وقع أم لم يقع.

قلت: وهذا أيضًا من الرفق بالأبناء الذين يعانون كثيرًا من تقريع آبائهم لهم: لو فعلتم كذا ما صار كذا، أو: لو لم تفعلوا ذلك لما حدث هذا.

قال: وهم يخالفون بهذا وصيته (ﷺ) في حديث آخر له عليه الصلاة والسلام يقول فيه: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولاتعجز، فإن أصابك شيء فلاتقل: لو أني فعلتُ كذا لكان كذا وكذا؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، ولكن قل: قد قدَّر الله وما شاء فعل).

قلت: بارك الله فيك.. حين يجد الأبناء أباهم لايلومهم، ولايلوم نفسه، فإنهم يتربّون على هذا، وهو من أعظم خصال الرفق بالنفس وبالأبناء، لأن اللوم قتّال.

قال: ماذا أيضًا عن رِفقِه (ﷺ)؟

قلت: أختار رِفقِه (ﷺ) بالفتى الذي جاء يستأذنه في الزنا، ففيه إشارات توجيهية كثيرة إلى الآباء والمعلمين والمربِّين.

قال: تفضل.

قلت: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شابًا أتى النبي (ﷺ) فقال: يارسول الله.. ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مَهْ.. مَهْ،

فقال (ﷺ): ادنُ، فدنا منه قريبًا، فجلس،

قال (ﷺ): (أتحبه لأمك؟) قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك،

قال (ﷺ): (ولاالناس يحبونه لأمهاتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لابنتك؟)

قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): (ولا الناس يحبونه لبناتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لأختك؟)

قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): (كذلك الناس لايحبونه لأخواتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لعمتك؟)

قال: لا والله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): ولا الناس يحبونه لعماتهم)، ثم قال (ﷺ): (أفتحبه لخالتك؟)

قال: لا والله جعلني الله فداءك.

قال (ﷺ): (ولا الناس يحبونه لخالاتهم)، ثم وضع النبي (ﷺ) يده الشريفة عليه وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه)، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء، وفي رواية (فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا).

قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. ما أرحمك وما أحلمك.

قلت: لقد كان رفقه (ﷺ) ظاهرًا واضحًا فلم يصرخ في الفتى، ولم يؤنّبه ولم يوبّخه، ولم يبعده عنه بل قرّبه إليه: (ادنُ)، وتركه يجلس فلم يأمره بالوقوف كما قد يفعل بعض الآباء والمعلمين، وحاوره حوارًا هادئًا رفيقًا دعاه خلاله إلى أن يضع نفسه موضع من يريد الزنا بها، مثل ابنها وأبيها وأخيها وابن أخيها وابن أختها حتى يُنبّهه إلى أنه كما لايرضى أن يزني أحد بأمه وابنته وأخته وعمته وخالته فإن الناس كذلك لايرضونه ولايحبونه لأمهاتهم وبناتهم وأخواتهم وعماتهم وخالاتهم.

قال: ليس بعد هذا الرفق رفق.

كيف أكون أبًّا مثاليًّا (3) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًّا مثاليًّا (3)
د.محمد رشيد العويّد

قال: ذكرتَ لي أنه مازال هناك ما تخبرني به من أخلاق الأب المثالي.

قلت: الأب المثالي يُربّي أبناءه ليكونوا مسلمين كما أراد الله سبحانه ورسوله (ﷺ).

قال: أعرف آباء لايُبالون أصلَّى أبناؤهم أم لم يُصَلوا!

قلت: وأعرف آباء يُشجعون أبناءهم على اللّهو وهم يقولون: (خلهم يستمتعوا بشبابهم)!

قال: هؤلاء وأولئك ليسوا بمثاليين.

قلت: بالتأكيد.

قال: ولعلّ الصلاة أهم ماينبغي أن يتابعوا أبناءهم فيها؟

قلت: نعم، ينبغي أن يأمروهم بها ويعلموهم إياها وهم أطفال كما قال (ﷺ): (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها). صحيح الجامع.

قال: أذكر رواية أخرى للحديث بصيغة الجمع:(مُرُوا أولادكم).

قلت: نعم، ونَصّ الحديث: (مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع). حديث حسن.

قال: هل هذه مسؤولية الآباء وحدهم أم مسؤولية الأمهات أيضًا؟

قلت: لا شك في أن الأمهات مسؤولات أيضًا، فالأمهات أقرب إلى الأبناء والبنات، وأطول مكثًا معهم من الآباء الذين يطول بقاؤهم خارج البيت.

قال: الأمر إذن في حديثه (ﷺ) (مروا أولادكم) موجَّه للآباء والأمهات؟

قلت: نعم، ويؤكّده حديثه (ﷺ): (كلكم راعٍ وكُلكم مسؤول عن رعيته)، فقد جاء فيه: (والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها). متفق عليه.

قال: أريد أن أسألك عن ضرب الأولاد إذا لم يُصلُّوا حين يبلغون العاشرة.

قلت: لابد أولًا من عدم التعجُّل في اللجوء إلى الضرب؛ فالله سبحانه يقول:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ طه(32)، والاصطبار أشد من الصبر، وهذا يعني أن يُحاور الأب ولده مبشِّرًا إياه بثواب الصلاة العظيم، وأنها سبب في توفيقه في الدنيا، ويقرأ عليه أحاديثه (ﷺ) في فضل الصلاة، وأنها مثل نهر بباب أحدنا يغتسل منه كل يوم خمس مرات، ويُحذِّره من أنه بعدم صلاته يقترب من الكُفر، ويقرأ عليه حديثه (ﷺ) الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (إن بين الكفر والإيمان ترك الصلاة)، ويُخبره أن أول مايُحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة (فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر).

قال: فإذا لم يستجب الولد لهذا كله واضطررت إلى ضربه فكيف يكون هذا الضرب؟

قلت: ذَكَر العلماء أنه يُشترط في ضرب الصبي أو البنت أن يكون ضربًا هيّنًا غير مبرح، ويكون على الظَّهر أو الكتف وما أشبه ذلك، ويتجنب الوجه لأنه يحرُم ضربه، لنهي النبي (ﷺ) عنه.

ويكون الضرب للتأديب والتربية فلايظهر به الرغبة في العقاب خشية نفور الصبي والفتاة، وينبغي ألا يكون الضرب أمام أحد صيانة لكرامتهما أمام نفسيهما وأمام الآخرين.

قال: وإذا كان الأب يعرف أن هذا الضرب يزيد ولده عنادًا ويُنفِّره من الصلاة فهل يضربه؟

قلت: قيَّد الشيخ ابن عثيمين الضرب بذلك فقال رحمه الله: الأمر للوجوب، لكن يُقيَّد بما إذا كان الضرب نافعًا، لأنه أحيانًا تضرب الصبي وما ينتفع بالضرب، مايزداد إلا صياحًا وعويلًا، ولايستفيد، ثم إن المراد بالضرب الضرب غير المُبرّح، الضرب السهل الذي يحصُل به الإصلاح ولايحصل به الضرر.

قال: جزاك الله خيرًا على هذا البيان لأمر الأولاد بالصلاة وتعليمهم إياها في صبر وحِلم.

قلت: في المرة المقبلة إن شاء الله نواصل حديثنا: كيف يكون الأب مثاليًا في تعليم أولاده الرّفق وكيف يكون هو رفيقًا بهم.

طمأنينة الرضا

طمأنينة الرضا
محمد رشيد العويد

هل فرحت بأمر ، وأحببت حصوله ، ثم أحزنك ، وكرهت حصوله بعد أن اكتشفت أنه لم يكن خيراً لك ؟!
وهل أحزنك أمر ، وكرهت حصوله ، ثم فرحت به ، وأحببت حصوله بعد أن اكتشفت أنه كان خيراً لك ؟!
لعلك تجيبين فتقولين : بل كثيراً ما حدث هذا ، ولو استرجعت أحداث حياتي الماضية لذكرتُ لكَ عشرات الأمور التي أحببتُها فكانت شراً لي ، وعشرات أُخَر كرهتها فكانت خيراً لي .
الصحافية السويدية إينغر دو أرماس نجحت في الإجابة عن معظم الأسئلة في برنامج (( من سيربح المليون )) الذي تبثه القناة الرابعة في التلفزيون المحلي .
ولدى تسليمها مبلغ المليون كرون سويدي قالت الصحافية إنها ستستخدم جزءاً منه لتحقيق حلمها في القيام برحلة إلى كوبا لمساعدة ابنة زوجها الموجودة هناك على المجيء إلى السويد . ولكن فرحة الفائزة لم تكتمل ؛ إذ بلغها فوراً نبأ إصابة والدتها بنوبة قلبية من شدة فرحها خلال متابعتها البرنامج ، ولما توجهت ابنتها إلى المستشفى لتزور أمها فيه وجدتها قد فارقت الحياة .
وكانت الصحافية السويدية تخوفت من ذلك ؛ لذا طلبت من والدتها ألا تتابع البرنامج ، وأن تنتظر عودتها لتشاهداه معاً عبر شريط مسجل ، لكن الوالدة لم تتمالك نفسها فتحولت الفرحة إلى مأساة .. وألغت (( دو أرماس )) الرحلة وانهمكت في الجنازة .
أتراها كرهت هذا الفوز وقد كان سبباً في وفاة والدتها ؟ أما ألغت رحلتها التي تمنت القيام بها و (( قد تحولت الفرحة إلى مأساة )) كما جاء في الخبر ؟
لقد ربَّانا ربُنا في القرآن الكريم على أن نكون راضين دائماً ؛ فلا نفرح فرح البطر إذا أوتينا شيئاً ، ولا نحزن على فواتـه إذا لم نحصل عليه :   ما أصاب من مصيبة في الأرض ، ولا في أنفسكم ، إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ؛ إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور  الحديد 22-23 .
يقول ابن كثير في تفسير الآيتين : (( أي أعلمناكم بتقدم علمنا ، وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها ، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها .. لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم ، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم ؛ فلا تأسوا على مافاتكم لأنه لو قُدّر شيء لكان  ولا تفرحوا بما أتاكم  أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم ، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم ؛ فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس ، ولهذا قـال تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  أي مختال في نفسه ، متكبر فخور على غيره ، وقال عكرمة : ليس أحد إلا هو يـفرح ويحزن .. ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً )) .
وفي تنوير الأذهان (( أخبرناكم بإثباتها وكتابتها في كتاب كيلا يحصل لكم الحزن والألم  على مافاتكم  من نعم الدنيا كالمال والخصب والصحة والعافية  ولا تفرحوا بما آتاكم  أي أعطاكم الله منها ؛ فإن من علم أن كلاً من المصيبة والنعمة مقدر ، لا يعظم جزعه على مافات ، ولا فرحه بما هو آت ، إذ يجوز أن يُقَدَّر ذهابه عن قريب . قيل لأحد الحكماء : أيها الحكيم ؛ مالك لا تحزن على مافات ، ولا تفرح بما هو آت ؟ قال : لأن الفائت لا يُتلافى بالعَبْرة ( الدمعة ) ، والآتي لا يُستدام بالحَبْرة ( أي الحبور والسرور ) ، ولا التأسف يرد فائتاً ، ولا الفرح يُقَرِّب معدوماً .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لأَنْ أَمَسَّ جمرةً أحرقتْ ما أحرقتْ ، وأبقت ما أبقت ، أحب إليَّ من أن أقول لشيء لم يكن : ليته كان . والمراد بالآية : نفي الأسى المانع عن التسليم لأمر الله ، والفرح الموجب للبطر والاختيال ؛ ولذا عقب بقوله تعالى  والله لا يحب كل مختال فخور  فإن من فرح بالحظوظ الدنيوية ، وعظمت في نفسه ، اختال وافتخر بها لا محالة .
وفي الآية إشارة إلى أنه يلزم أن يثبت الإنسان على حال في السراء والضراء ؛ فإن كان لا بد له من فرح ، فليفرح شكراً على عطائه ، وإن كان لا بـد من حزن فليحزن صبراً على قضائه لا ضجراً .
قال قتيبة بن سعيد : دخلت على بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء مملوء من الإبل الميتة بحيث لا تُحصى ، ورأيت شخصاً على تل يغزل صوفاً ، فسألته فقال : كانت باسمي ؛ فارتجعها من أعطاها ، ثم أنشأ يقول :
لا والذي أنا عبدٌ من خلائقـهِ        والمرءُ في الدهر نَصْبَ الرزْء والمحنِ
ما سرَّني أن إبْلي في مباركها         وما جرى مـن قضاءِ الله لـم يـكُـنِ

وقيمة هذه الحقيقة التي لا يتصور العقل غيرها حين يتصور حقيقة الوجود الكبرى ؛ قيمتها في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها ؛ قلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعاً وتذهب معه حسرات عند الضراء . ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء :  لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم  .
فاتساع أفق النظر ، والتعامل مع الوجود الكبير ، وتصور الأزل والأبد ، ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم الله ، الثابتة في تصميم هذا الكون .. كل أولئك يجعل النفس أفسح وأكبر وأكثر ثباتاً ورزانة في مواجهة الأحداث العابرة ، حين تتكشف للوجود الإنساني وهي مارة به في حركة الوجود الكوني .
إن الإنسان يجزع ويُستطار وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود ، ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير . فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به ، وتمر بغيره ، والأرض كلها .. ذرات في جسم كبير هو هذا الوجود .. وأن هذه الذرات كائنة في موضعها في التصميم الكامل الدقيق . لازمٌ بعضها لبعض . وأن ذلك كله مقدر مرسوم معلوم في علم الله المكنون .. حين يستقر هذا في تصوره وشعوره ؛ فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء ؛ فلا يأسى على فائت أسىً يضعفه ويزلزله ، ولا يفرح بحاصل فرحاً يستخفه ويذهله ؛ ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية وفي رضى ؛ رضى العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون .
وهذه درجة قد لا يستطيعها إلا القليلون . فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء ، ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله ، وذكره بهذه وتلك ، والاعتدال في الفرح والحزن .
وها هي آية سورة البقرة ينبهنا فيها ربنا إلى أننا قد نكره شيئاً هو خير لنا ، وقد نحب شيئاً هو شر لنا :  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون  البقرة 96 .
قال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة ؛ فلربما أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولربما أمر تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير :
رب أمرٍ تتقيه        جرّ أمراً ترتضيه
خفي المحبوب منه     وبدا المكروهُ فيه

إن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق ؛ ولكن وراءه حكمة تهوِّن مشقته ، وتسيغ مرارته ، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإنساني القصير .. عندئذ يفتح للنفس البشرية نافذة جديدة تطل منها على الأمر ، ويكشف لها عن زاوية أخرى غير التي تراه منها . نافذة تهب منها ريح رخية عندما تحيط الكروب بالنفس وتشق عليها الأمور .. إنه من يدري فلعل وراء المكروه خيراً ، ووراء المحبوب شراً . إن العليم بالغايات البعيدة ، المطلع على العواقب المستورة ، هو الذي يعلم وحده حيث لا يعلم الناس شيئاً من الحقيقة .
وعندما تنسم تلك النسمة الرخية على النفس تهون المشقة ، وتتفتح منافذ الرجاء ، ويستروح القلب في الهاجرة ، ويجنح إلى الطاعة والأداء في يقين وفي رضاء .
إنه منهج في التربية عجيب . منهج عميق بسيط . منهج يعرف طريقه إلى مسارب النفس الإنسانية وحناياها ودروبها الكثيرة . بالحق وبالصدق . لا بالإيحاء الكاذب ، والتمويه الخادع .. فهو حق أن تكره النفس الإنسانية القاصرة الضعيفة أمراً ويكون فيه الخير كل الخير . وهو حق كذلك أن تحب النفس أمراً وتتهالك عليه ، وفيه الشر كل الشر .
وهو الحق كل الحق أن الله يعلم ، والناس لا يعلمون ! وماذا يعلم الناس من أمر العواقب ؟ وماذا يعلم الناس مما وراء الستر المسدل ؟ وماذا يعلم الناس من الحقائق التي لا تخضع للهوى والجهل والقصور ؟!
إن هذه اللمسة الربانية للقلب البشري لتفتح أمامه عالماً آخر غير العالم المحدود الذي تبصره عيناه . وتبرز أمامه عوامل أخرى تعمل في صميم الكون ، وتقلب الأمور . وترتب العواقب على غير ما كان يظنه ويتمناه . وإنها لتتركه حين يستجيب لها طيعاً في يد القدر ، يعمل ويرجو ويخاف ، ولكن يرد الأمر كله لليـد الحكيمة والعلم الشامـل ، وهو راض قرير .. إنه الدخول في السلم من بابه الواسع .. فما تستشعر النفس حقيقة السلام إلا حين تستيقن أن الخيرة في ما اختاره الله .. وأن الخير في طاعة الله دون محاولة منها أن تجرب ربها وأن تطلب منه البرهان ! إن الإذعان الواثق والرجاء الهادئ والسعي المطمئن .. هي أبواب السلم الذي يدعو الله عباده الذين آمنوا ليدخلوا فيه كافة .. وهو يقودهم إليه بهذا المنهج العجيب العميق البسيط ، في يسر وفي هوادة وفي رخاء . يقودهم بهذا المنهج إلى السلم حتى وهو يكلفهم فريضة القتال ؛ فالسلم الحقيقي هو سلم الروح والضمير حتى في ساحة القتال .
وكل إنسان – في تجاربه الخاصة – يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم ، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم . وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته ، ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذاً من الله أن فوتّ عليه هذا المطلوب في حينه . وكم من محنة تجرعها الإنسان لاهثاً يكاد ينقطع لفظاعتها ، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل .
إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية ، لتؤمن وتسلّم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء ، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف .
والآن ، أختي المؤمنة ، كيف تحققين في نفسك ، وفي حياتك ، هذه المعاني الإيجابية العظيمة الأثر ، العميمة النفع ، الحافظة لك من اليأس والقنوط والضعف والإحباط ؟
استحضري المعاني السابقة ، ورددي قوله تعالى  وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  كلما تلقيت خبراً محزناً ، أو حلّ بك مصاب ، أو حدث لك أي أمر تكرهينه .
وعيشي معية الله إذا وجدت الناس من حولك لا يقفون معك ، ولا ينصرونك ، ويتخلون عنك .
وتذكري أن أشد الناس بلاء الأنبياء ، وكيف كان  عظيم الصبر على البلاء ، وكيف احتسب أولاده وبناته جميعاً وقد ما توا قبله إلا السيدة فاطمة رضي الله عنها .
واحسبي الأجر الذي يُكتب لك جزاء صبرك على ما أصابك واحتسبته عند الله تعالى .
وقيسي الدنيا إلى الآخرة : هل نسبتها واحد إلى مليون ؟ إلى مليار ؟ إلى ألف مليار ؟ إنها أقل من ذلك . إنها نسبة الدنيا الفانية الزائلة القليلة إلى الخلود العظيم الدائم . نسبة الدنيا الملأى بالهموم والآلام والأمراض إلى الجنة الملأى بالمسرات والأفراح والعافية التي لا مرض معها أبداً . نسبة الدنيا التي يكثر فيها فراق الأهلين والأقارب والأحبة إلى الجنة التي يجتمعون فيها فلا يفترقون أبداً .

سعد يأبى الخروج من مدينة الألعاب

سعد يأبى الخروج من مدينة الألعاب
محمد رشيد العويد

كان سعد ، الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره ، يحب العزلة ، ولا يميل إلى الخروج كثيراً من بيته ، إلا إلى مدرسته ، وفي بعض الزيارات القليلة لأقاربه بصحبة والديه .
ذات يوم ، عاد سعد من المدرسة ومعه مغلف مغلق ناوله أمه وهو يقول لها : هذا من الاختصاصي الاجتماعي في المدرسة .
أخذت الأم المغلف وهي قلقة مما فيه ، وفتحته فإذا فيه كتاب من الاختصاصي الاجتماعي جاء فيه : يرجى مراجعة الاختصاصي الاجتماعي لأمر هام يتعلق بولدكم سعد .
أرادت الأم أن تسأل ولدها إن كان ارتكب عملاً خاطئاً ، أو تصرف تصرفاً سيئاً ، لكنها قدرت حساسية ولدها ، ورهافة مشاعره ، فآثرت عدم الاستعجال .
حين عاد والده من عمله بعد الظهر ، لاحظ أمارات قلق على زوجته ، فسألها : خير إن شاء الله ، أرى في وجهك ما يشير إلى أمر يشغلك .
أشارت بعينها إلى ولدها سعد وهي تقول : خير إن شاء الله ، لا تقلق .
فهم الأب أن الأمر يتعلق بولده سعد ، وأن أمه لا تريد أن تتكلم أمامه .
بعد أن ذهب سعد إلى غرفته ليكتب وظائفه المدرسية ، التفت الأب إلى زوجته يسألها : طمنيني عن سعد ، لقد شُغل بالي عليه .
أجابت : لقد أرسل الاختصاصي الاجتماعي معه كتاباً إلينا يطلب فيه منا مراجعته .
قال الأب : أين الكتاب ؟
ناولته زوجته إياه فقرأه بسرعة ، ثم قال : ليس في الكتاب ذكرُ شيء . هل سألت سعداً إن كان قد ارتكب عملاً غير حسن ؟!
أجابت : تعرف حساسيته ورهافة مشاعره لذا تجنبت سؤاله عن أي شيء .
قال : حسناً فعلتِ غداً أذهب إلى المدرسة وأعرف منهم ما الأمر .
في اليوم التالي ، كانت أم سعد تنتظر بصبر اتصال زوجها ليخبرها بسبب استدعاء الاختصاصي الاجتماعي لهما ، فقد أوصت زوجها عند خروجه من البيت أن يتصل بها فور مغادرته المدرسة ليطمئنها .
وأخيراً ، بعد انتظار مشحون بالقلق والتوتر ، اتصل بها زوجها ؛ فسألته فور ردها على سلامه : طمني ، ماذا قال لك الاختصاصي الاجتماعي ؟
أجابها زوجها : اطمئني ، ليس هناك ما يشغل البال .

سألته زوجته من جديد وهي متلهفة : إذن ماذا قال لك ؟
قال الزوج : لقد أثنى عليه كثيراً ، وأشاد بتفوقه في دراسته ، وأبدى رضاه عن أدبه وخلقه .
قاطعته زوجته : لماذا دعانا لمراجعته إذن ؟
قال زوجها : لقد لاحظ حب سعد للعزلة ، وعدم مخالطته زملاءه ، وانصرافه عن اللعب معهم .
سألته زوجته : الحمد لله طمأنتني .
قال زوجها : لكنه حذرني من التأثير السلبي لهذه العزلة في شخصيته ، وفي نموها نمواً صحيحاً ، وأنها تعيق نجاحه في الحياة مستقبلاً .
سألته ثانية : وبم أوصاك ؟
أجاب : بإخراجه من عزلته ، وتشجيعه على اللعب ، ومخالطة زملائه .
سألته : وكيف نفعل هذا ؟
قال : نبحث فيه معاً بعد أن أرجع إن شاء الله .
بعد أن رجع أبو سعد إلى بيته ، وتناول الجميع غداءهم ، وذهب سعد إلى غرفته ليكتب وظائفه المدرسية ، التفتت أم سعد إلى زوجها وقالت : هل اقترح عليك الاختصاصي ما نفعله لنخرج سعداً من عزلته ؟
قال أبو سعد : ذكر لي مدينة ألعاب جديدة ، ونصحني بأخذ سعد إليها .
سألتْه : أتراه يقبل ؟
أجاب : آمل ذلك .
قالت : يا رب يلهمه أن يوافق .
سألها : مَنْ أحب أصدقائه إليه ؟
قالت : حسن ، ابن جيراننا .
قال : اطلبي من أمه أن تأذن له لمرافقة سعد إلى مدينة الألعاب .
بعد أن أنهى سعد مراجعة دروسه وكتابة وظائفه أخبرته أمه أن والده يريد أن يصحبه إلى مدينة ألعاب جميلة جديدة ، فأبدى سعد تردده ، فردت عليه أمه : صدقني ستسعد فيها كثيراً ، ولا تنسى أن اسمك سعد : ستسعد يا سعد .
ابتسم سعد ولم يجب أمه التي أضافت مشجعةً له : سيذهب معك صديقك حسن .
هنا ابتسم سعد ابتسامة ضاحكة وقال : من أجلك وأجل أبي سأذهب .
دخل سعد مع صديقه حسن مدينة الألعاب الجديدة ، والوالدان يدعوان الله تعالى أن يستمتع ولدهما فيها ؛ لتكون بداية ناجحة تخرجه من عزلته .
مضت الساعة الأولى بنجاح كبير ؛ فسعد ينتقل مع صديقه حسن من لعبة إلى لعبة وهو متحمس نشط ، يبرق السرور في وجهه ؛ وتفيض السعادة من عينيه .

التفتت أم سعد إلى زوجها وقالت له : يبدو أننا كنا مقصرين حينما لم نبادر إلى مثل هذا إلا بعد نصيحة الاختصاصي الاجتماعي .
أجابها زوجها : الحمد لله ، هذا خير من استمرارنا في إهمالنا ، سنعوضه ما فات بعون الله .
ومضت ساعة أخرى ، وسعد يزداد سعادة وفرحاً وسروراً .
قال أبو سعد لزوجته وهو ينظر في ساعته : لقد تأخرنا ، ينبغي أن نعود إلى البيت اقترب موعد نومه ، ومازال هناك ما يفعله قبل ذلك .
قالت أم سعد : صدقت . ولقد وعدت أم حسن أن نرجع قبل السابعة .
ثم اقتربت من سعد وقالت له : هيا يا ولدي ، حان موعد عودتنا إلى البيت .
رد عليها سعد منفعلاً : لا ، لا يمكن ، أريد أن أن أركب في جميع الألعاب .
قالت له أمه : غداً يا ولدي ، غداً إن شاء الله نأتي بك مع حسن لتركبا في بقية الألعاب .
رد سعد بإصرار : لن أخرج من المدينة ، أما كنت تقنعينني مع أبي بالذهاب إليها .. ما بك الآن تريدين إخراجي منها ؟!!
التفتت إلى زوجها وقالت : هل رأيت ، لقد نجحنا في إقناعه بدخولها وما عدنا قادرين على إقناعه بالخروج منها .
اقترب أبوه منه وقال : يا سعد يا حبيبي ، سأشتري لك في طريق عودتنا (( صندويش الشاورما )) التي تحبها .
رد سعد : لا أريد شاورما ، لست جائعاً . حاول والده من جديد : وسأشتري لك الدراجة التي وعدتك بها إذا نجحت … الآن ، وقبل الامتحانات .
رفض سعد عرض والـده وقال : والله لو اشتريت لي دراجات الكويت كلها .. لن أخرج من هنا .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي  قال : ( ما من نفس تموت ، لها عند الله خير ، يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد ، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل مرة أخرى ، لما يرى من فضل الشهادة ) متفق عليه .
وعن أبي هريرة  أن النبي  قال :
( إذا حُضِرَ المؤمنُ ، أتتْه ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ، فيقولون : اُخرجي راضية مرضياً عنكِ ، إلى روح وريحان ، ورب غير غضبان ، فيخرج كأطيب ريح المسك ، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً ، حتى يأتوا به السماء ، فيقولون : ما أطيب هذا الريح التي جاءتكم من الأرض ! فيأتون به أرواح المؤمنين ، فلَهُم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه ، فيسألونه : ماذا فعل فلان ؟ ماذا فعل فلان ؟ فيقولون : دعوه فإن كان في غم الدنيا ، فإذا قال : أما أتاكم ؟ قالوا : ذُهب به إلى أمه الهاوية .

وإن الكافر إذا حُضرَ أتته ملائكة العذاب بمسح ، فيقولون اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك ، إلى عذاب الله ، فيخرج كأنتنِ ريح ، حتى يأتوا بها باب الأرض ، فيقولون : ما أنتن هذه الريح ! حتى يأتوا بها أرواح الكفار ) النسائي والحاكم وابن حبان ( صحيح الجامع 490 ) .
وسمع الحسن رجلاً يبكي ميتاً له فقال : عجباً من قوم مسافرين يبكون مسافراً بلغ منزله .